الدرس الخامس عشر والأخير: الوصية الواجبة
-ملحوظة هامة: قبل البدء في الشرح لابد أن نعلم أن عندنا ثلاثة أجيال (جد وابن وحفيد)
الجد توفي ابنه في حياته وترك ولداً هو الحفيد, والجد الآن هو المتوفي صاحب التركة, والابن هو الولد الذي توفي في حياة أبيه, والحفيد هو الحي الذي مات أبوه في حياة أبيه, وهو الذي سيستحق الوصية الواجبة.
عندما نقول الأصل يعني الأب أو الأم المتوفي في حياة أبيه (الجد) أو أمه (الجدة), ويمكن أن نقول عليه الولد المتوفي, لأنه بالنسبة للجد صاحب التركة ولد, ونحن بالطبع ننسب القرابة لصاحب التركة, وعندما نقول الفرع يعني الحفيد الذي يستحق الوصية الواجبة.
-الوصية الواجبة: قلنا أن الوصية الاختيارية تكون واجبة ديانة عندما تتعلق بحقوق دينية كالحقوق الثابتة لله تعالى كالزكاة والكفارات, وحقوق العباد, كالديون غير المثبتة, فهل تجب الوصية في غير ذلك؟ بمعنى آخر من أين جاءت تسمية الوصية الواجبة؟ اختلفت الأراء كالتالي:
1-جمهور الفقهاء علي أن الوصية لا تجب في غير ذلك.
2- قال بعض الفقهاء أن قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)} [البقرة: 180] فهذه الأية نُسخت بآيات المواريث.
3- وقال البعض الآخر أنها لم تنسخ, ولكنها تفيد الندب وليس الوجوب.
4-ويرى ابن حزم أن الوصية واجبة الأداء إلي بعض الأقارب غير الوارثين, وعلي ولي الأمر تنفيذها في حالة التقصير في أداءها.
-الوصية الواجبة في القانون المصري:
أقر القانون الوصية الواجبة أخذاً من أقوال بعض الفقهاء ومذهب ابن حزم الظاهري, ولكن اختلف عن ابن حزم بأن قصر تطبيقها على بعض أفراد من الأقارب غير الوارثين وليس كلهم, فأوجب لهم وصية واجبة في التركة ولو لم يوص بها المتوفي نفسه.
-سنتناول في الوصية الواجبة الأمور الآتية:
1-الحكمة من تشريع الوصية الواجبة.
2-الفرق بين الوصية الواجبة والميراث.
3-المستحقون للوصية الواجبة.
4-شروط الوصية الواجبة.
5-مقدار الوصية الواجبة.
6-طريقة استخراج الوصية الواجبة.
أولاً: حكمة تشريع الوصية الواجبة:
الحكمة من تشريع الوصية الواجبة تهيئة فرصة الحياة الكريمة لأطفال الذين يموت أحد أبويهم في حياة جدهم, وذلك لحفظهم من التشرد والضياع, بإعطائهم نصيب أبيهم أو أمهم من تركة جدهم, بشرط أن لا يزيد ذلك النصيب عن ثلث التركة.
ثانياً: أوجه الشبة والاختلاف بين الميراث والوصية الواجبة:
-الوصية الواجبة تشبه الميراث من الوجوة الآتية:
1-تؤخذ الوصية الواجبة بقوة القانون أي أنها لا تحتاج إلى صيغة من المورث فإذا توفي من غير أن يوصي لأحفاده الذين توفي أصلهم (الأب أو الأم) في حياته فإنهم يستحقون ما كان سيرثه أصلهم (الأب أو الأم) بل إن المتوفي لو نص صراحة علي أنهم لا يأخذون من تركته فإن الوصية الواجبة تؤخذ من تركته بقوة القانون.
2-الوصية الواجبة لا تتوقف على قبول لأنها وجبت بقوة القانون فلا تتوقف علي قبول أحد .
3-تقسم الوصية الواجبة بين مستحقيها قسمة الميراث.
-وتختلف الوصية الواجبة مع الميراث من ثلاثة وجوه:
1-الميراث يثبت من البداية, فبمجرد موت المورث يثبت الميراث للمستحقين من الورثة، أما الوصية الواجبة فلا تثبت إلا في حالة الحجب, فالوصية الواجبة وجبت للأحفاد عوضاً عما فاتهم من ميراث أصلهم (الأب والأم) ولذلك فإنهم لا يستحقونها إذا كانوا وارثين, كما أنهم لا يستحقونها إذا أخرجها المورث من تلقاء نفسه.
2-في الميراث الفرع الوارث المذكر يَحجب مَن دونه من الأبناء والبنات مطلقاً, فالابن يحجب ابن الابن سواء كان ابنه أو ابن أخيه، أما في الوصية الواجبة فالحال يختلف, فالابن يحجب ابن الابن الذي هو فرعه فقط, أي يحجب ابنه الذي هو من صلبه وإن نزل, ولكنه لا يحجب ابن الابن الذي هو ابن أخيه.
3- أنه يغني عن الوصية الواجبة ما أعطاه الجد للحفيد تبرعاً بدون عوض حال حياته، والميراث لا يغني عنه ذلك.
والسؤال الآن: إذا كان اختلاف الدين مانعاً من الميراث ولكنه ليس مانعاً من الوصية الاختيارية إلا أن يكون محارباً, فهل يستحقون الوصية الواجبة؟
والجواب: أن الحكمة التشريعية من نظام الوصية الواجبة هي المحافظة على الأحفاد من التشرد, فمن الممكن أن يقال إنهم يستحقون وصية واجبة حتى مع اختلاف الدين, ولكن من ناحية أخرى لا يستحقون وصية واجبة, لأنهم لم يفتهم شئ ولم يضع عليهم حق من حقوقهم, لأنهم لا يستحقون شيئاً عن طريق الميراث أصلاً, لأنهم مختلفون في الديانة عن المورث إذن لا هدف من تعويضهم.
وهذه الوجهة الأخيرة أولى بالقبول, لأن أحكام الوصية الواجبة تقوم في جوهرها على تعويض الفرع الذي مات أصله في حياة أبيه عما فاته من ميراث ذلك الأصل.
سؤال: اختلاف الدين يمنع الميراث بين الزوجين ولكن يحق للأبناء والأحفاد بداهة أن يرثوا أباهم أم أنا مخطئ؟
الجواب: هذا ما نقوله الآن, لو كان أبوهم مثلاً مختلفاً في الدين فسيُمنع من الميراث, ولو أنه مات في حياة أبيه فهل يستحق أولاده وصية واجبة في تركة جدهم أم لا؟
والإجابة أن الوصية الواجبة تعويض للأحفاد عما فاتهم من ميراث أبيهم الذي توفي في حياة جدهم, فإذا كان أبوهم مختلفاً في الدين أي ممنوعاً من الميراث لا يحق لهم الوصية الواجبة لأنهم لم يفتهم أي شئ نعوضهم عنه, لأن أباهم ممنوع من الميراث.
-ثالثاً: المستحقون للوصية الواجبة(الأحفاد): المستحقون للوصية الواجبة ينحصرون في طائفتين فقط من فروع المتوفي هما:
الطائفة الأولى:هم الطبقة الأولى فقط من أولاد البنات الصلبيات: ذكور أو إناث, وهم ما يطلق عليهم أولاد البطون, فابن البنت يستحق وصية واجبة, سواء كان واحداً أو متعدداً, وكذلك بنت البنت, سواء كانت واحدة او متعددة, وما سوى ذلك من أولاد البنات لا يستحق الوصية واجبة, فلو كانت بنت بنت بنت, أو ابن بنت بنت, فلا يستحقون وصية واجبة.
الطائفة الثانية: هم الذكور والإناث من أولاد الأبناء وإن نزلوا: وهم ما يطلق عليهم أولاد الظهور, أي الذكور والإناث الذين يصلون إلى المتوفي عن طريق الذكور, أي ابن الابن يستحق وصية واجبة, سواء كان واحداً أو متعدداً, وكذلك بنت الابن تستحق وصية واجبة, منفردة كانت أو متعددة, وأيضاً ابن ابن الابن مهما نزلت درجة الإبن.
-ولكن ماذا لو تعدد المستحقون للوصية الواجبة؟ حالة من ثلاث كالتالي:
1-إن كانوا جميعاً من أصل واحد: (أي الأب أو الأم المتوفي في حياة أبيه):
نقسم مقدار الوصية الواجبة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين, فمثلاً لو مات عن ابن وابن ابن وبنت ابن مات أبوهما في حياة المورث, استحق الأحفاد الوصية الواجبة, ونقسم الوصية بينهما قسمة الميراث (سهمان لابن الابن وسهم لبنت الابن) ويستوي أن يكون الذي مات في حياة أبيه ذكراً أو أنثي.
2-إن كانوا من أصول متعددة: (أي أن الرجل مات ابنه وبنته في حياته):
نقسم الوصية بين الأصول أولاً قسمة الميراث, ثم يستحق كل فرع نصيب أصله, فإذا كان للمورث ابناً وبنتاً ماتا في حياته, وللابن فروع, وللبنت فروع, وانطبقت شروط الوصية على الأحفاد, نقسم الوصية الواجبة أولاً بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين, وبعد ذلك نعطي نصيب الابن لفروعه, ونعطي نصيب البنت لفروعها.
3-إذا كانوا من فروع متعددة وكانت درجات قربهم للميت متفاوتة:
أي أن يكون للمتوفي أحفاد وأبناء أحفاد , في هذه الحالة الأقرب يحجب الأبعد, إذا كان فرعاً من فروعه, ولكنه لا يحجب أحداً من فروع غيره. أي أن الحفيد يحجب أولاده فقط.
-رابعاً: شروط الوصية الواجبة: هناك شروط في الفرع (الحفيد) وشروط في الولد المتوفي (الابن أو البنت) كالتالي:
أ-شروط الولد المتوفي (الابن أو البنت):
1-أن يكون هذا الولد قد توفي في حياة المورث, ويدخل في ذلك أيضاً ما إذا كان هذا الولد قد مات مع المورث نفسه, كالغرقى والحرقى والهدمى.
2- أن يكون الولد المتوفي غير ممنوع من الميراث, فإن قام به مانع من موانع الميراث قبل موته فإن أولاده لا يستحقون شيئاً بطريق الوصية الواجبة, وكما ذكرنا فموانع الميراث هي: القتل واختلاف الدين واختلاف الدار في حالة المعاملة بالمثل.
ب-شروط الفرع المستحق للوصية الواجبة (الحفيد): يشترط في الحفيد حتى يستحق وصية:
1-أن يكون الحفيد من أولاد الأبناء (أولاد الظهور) أو الطبقة الأولى من أولاد البنات (أولاد البطون) كما تم ذكره.
2-ألا يكون ممنوعاً من ميراث أصله, فإن كان ممنوعاً بسبب من أسباب المنع من الميراث , فإنه لا يستحق وصية واجبة.
3-ألا يكون للفرع نصيب في ميراث الولد و الجدة, فإذا كان له نصيب يستحقه ميراثاً فليس له وصيه واجبة, حتي ولو كان نصيبه مقداراً ضئيلاً, فلو توفي عن زوج وبنت وبنت ابن, استحقت بنت الابن السدس. فلا تستحق وصية واجبة لأن لها نصيب في الميراث.
4-ألا يكون المتوفي قد أعطي ذلك الفرع ما يساوي نصيب أصله بطريق التبرع. فإن كان قد أعطاه ما يساوي مقدار الوصية الواجبة عن طريق الهبة أو عن طريق تصرف آخر بلا مقابل فلا تجب له وصية, وإذا كان قد أعطاه أقل مما يستحق كوصية واجبة نكمل له نصيبه كوصية, فلو كان مثلاً قد أعطي الحفيد ألف جنية, واستحق الحفيد ألفين كوصية واجبة, أعطيناه الألف المتبقية له.
-خامسا: مقدار الوصية الواجبة:
تقدر الوصية الواجبة بمثل ما كان يستحقه الولد المتوفي, لو افترض أنه على قيد الحياة, بشرط ألا يزيد هذا النصيب عن ثلث التركة, فإن زاد أعطيناه الثلث فقط.
-سادسا:طريقة استخراج الوصية الواجبة:
حل مسائل الوصية الواجبة يكون على مرحلتين كالتالي:
أولاً: نقسم التركة على أساس أن الولد المتوفي حي, ثم نعطي نصيبه للحفيد أو الحفيدة, على ألا يزيد على الثلث, فإن زاد على الثلث نعطيه الثلث فقط كوصية واجبة.
ثانيا: نطرح قيمة الوصية من التركة.
ثالثا: يعاد تقسيم الباقي من التركة على باقي الورثة كمسألة مستقلة تماماً.
مثال: توفي عن: زوجة-وبنت-وبنت ابن- وأخت شقيقة- وبنت بنت ماتت أمها في حياة المورث. والتركة72 فدان.
تحققت الشروط على الحفيدة فاستحقت الوصية الواجبة, فنعطي بنت البنت نصيب أمها في حال حياتها بالوصية الواجبة, علي ألا يزيد على الثلث, فإن زاد نعطيها الثلث فقط.
أولاً: استخراج الوصية الواجبة:
نفترض أن البنت على قيد الحياة فيكون الورثة كالتالي:
زوجة-وبنتان-وبنت ابن-وأخت شقيقة.
الزوجة الثمن فرضاً لوجود الفرع الوارث, البنتان ثلثين فرضاً للتعدد, بنت الابن: محجوبة بالبنتين لاستهلاكهما للثلثين, الأخت الشقيقة: الباقي تعصيباً عصبة مع الغير.
أسهم الزوجة:24 × الثمن = 3 أسهم, أسهم البنتين: 24 × الثلثين= 16 سهماً.
حساب قيمة السهم:72 ÷ 24 = 3 أفدنة.
نصيب الزوجة: 3 × 3= 9 أفدنة.
نصيب البنتين: 16 × 3 = 48 فدان.
نصيب كل بنت:48 ÷2= 24 فدان.
نصيب الأخت الشقيقة: الباقي تعصيباً وهم 15 فدان.
إذن نصيب البنت في حال حياتها يكون 24 فدان وهو ثلث التركة، فنعطي نصيبها لبنتها (الحفيدة) كوصية واجبة لأنه لم يزد على الثلث.
ثانياً: نعيد تقسيم باقي التركة من جديد على الورثة كمسألة مستقلة تماماً.
تم بحمد الله ومنه وفضله، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النور وآله.
المصدر: دروس في الميراث والوصية – إعداد: الأستاذ إيهاب صالح.