موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 45 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2, 3  التالي
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد نوفمبر 25, 2007 2:47 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
سورة الكهف


سورة الكهف من السورة المكية وهي إحدى خمس سورة بدأت بـ (الحمد لله) (الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وهذه السورة ذكرت أربع قصص قرآنية هي أهل الكهف، صاحب الجنتين، موسى علية السلام والخضر وذو القرنين. ولهذه السورة فضل عظيم كما قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام:

" من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين قدميه وعنان السماء"
وقال
" من أدرك منكم الدجال فقرأ عليه فواتح سورة الكهف كانت له عصمة من الدجّال"
والأحاديث في فضلها كثيرة.
وقصص سورة الكهف الأربعة يربطها محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة:
فتنة الدين (قصة أهل الكهف)، فتنة المال (صاحب الجنتين)، فتنة العلم (موسى والخضر) وفتنة السلطة (ذو القرنين).
وهذه الفتن شديدة على الناس والمحرك الرئيسي لها هو الشيطان الذي يزيّن هذه الفتن ولذا جاءت الآية
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)
آية 50
:
وفي وسط السورة أيضاً. ولهذا قال الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أنه من قرأها عصمه الله تعالى من فتنة المسيح الدجّال لأنه سيأتي بهذه الفتن الأربعة ليفتن الناس بها.
وقد جاء في الحديث الشريف:
"من خلق آدم حتى قيام الساعة ما فتنة أشدّ من فتنة المسيح الدجال"
وكان عليه أفضل الصلاة والسلام يستعيذ في صلاته من أربع منها فتنة المسيح الدجال. وقصص سورة الكهف كل تتحدث عن إحدى هذه الفتن ثم يأتي بعده تعقيب بالعصمة من الفتن:




1. فتنة الدين: قصة الفتية الذين هربوا بدينهم من الملك الظالم فآووا إلى الكهف حيث حدثت لهم معجزة إبقائهم فيه ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعا وكانت القرية قد أصبحت كلها على التوحيد. ثم تأتي آيات تشير إلى كيفية العصمة من هذه الفتنة
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا)
آية 28 – 29.


فالعصمة من فتنة الدين تكون بالصحبة الصالحة وتذكر الآخرة.








2. فتنة المال: قصة صاحب الجنتين الذي آتاه الله كل شيء فكفر بأنعم الله وأنكر البعث فأهلك الله تعالى الجنتين. ثم تأتي العصمة من هذه الفتنة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)
آية 45 و46.





والعصمة من فتنة المال تكون في فهم حقيقة الدنيا وتذكر الآخرة.







3. فتنة العلم: قصة موسى علية السلام مع الخضر وكان ظنّ أنه أعلم أهل الأرض فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه فلم يصبر على ما فعله الخضر لأنه لم يفهم الحكمة في أفعاله وإنما أخذ بظاهرها فقط. وتأتي آية العصمة من هذه الفتنة
(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)


آية 69

والعصمة من فتنة العلم هي التواضع وعدم الغرور بالعلم.





4. فتنة السلطة: قصة ذو القرنين الذي كان ملكاً عادلاً يمتلك العلم وينتقل من مشرق الأرض إلى مغربها عين الناس ويدعو إلى الله وينشر الخير حتى وصل لقوم خائفين من هجوم يأجوج ومأجوج فأعانهم على بناء سد لمنعهم عنهم وما زال السدّ قائماً إلى يومنا هذا. وتأتي آية العصمة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) آية 103 و 104
فالعصمة من فتنة السلطة هي الإخلاص لله في الإعمال وتذكر الآخرة.

ختام السورة: العصمة من الفتن: آخر آية من سورة الكهف تركّز على العصمة الكاملة من الفتن بتذكر اليوم الآخرة

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا آيه)110


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: فضل فضل سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء نوفمبر 28, 2007 11:01 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال وفي رواية ـ من آخر سورة الكهف ـ ) [ رواه مسلم ] ..

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من " فتنة " الدَّجال ) ] ..

وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ سورة الكهف ) [ كما أنزلت ] كانت له نورا يوم القيامة ، من مقامه إلى مكة ، و من قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ، و من توضأ فقال : سبحانك اللهم و بحمدك [ أشهد أن ] لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك ، كتب في رق ، ثم جعل في طابع ، فلم يكسر إلى يوم القيامة"

وقال عليه الصلاة والسلام : ( من قرأ سورة ( الكهف ) ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق )

وقال صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ سورة ( الكهف ) في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين"

الأحاديث الضعيفة التي وردت في سورة الكهف

- ( ألا أخبركم بسورة ملأت عظمتها ما بين السماء و الأرض ؟ و لقارئها من الأجر مثل ذلك، و من قرأها غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام ؟ قالوا : بلى قال : سورة الكهف [ضعيف الجامع الصغير / 2160 ] ..
- ( سورة الكهف تدعى في التوراة : الحائلة ؛ تحول بين قارئها وبين النار ) [ سلسلة الأحاديث الضعيفة / 3259 ] ..
- ( من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف؛ عصم من فتنة الدجال ) [ ضعيف مشكاة المصابيح


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: مما يلاحظ في سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد ديسمبر 16, 2007 7:29 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
مما يلاحظ في سورة الكهف ما يلي:

1. الحركة في السورة كثيرة (فانطلقا، فآووا، قاموا فقالوا، فابعثوا، ابنوا، بلغا، جاوزا، فوجدا، آتنا،) وكأن المعنى أن المطلوب من الناس الحركة في الأرض لأنها تعصم من الفتن ولهذا قال ذو القرنين: (فأعينوني بقوة) أي دعاهم للتحرك ومساعدته ولهذا فضل قراءتها في يوم الجمعة الذي هو يوم إجازة للمسلمين حتى تعصمنا من فتن الدنيا.

2. وهي السورة التي ابتدأت بالقرآن وختمت بالقرآن: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) آية 1 و (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) آية 109. وكأن حكمة الله تعالى في هذا القرآن لا تنتهي وكأن العصمة من الفتن تكون بهذا القرآن والتمسك به.

3. الدعوة إلى الله موجودة بكل مستوياتها: فتية يدعون الملك وصاحب يدعو صاحبه ومعلّم يدعو تلميذه وحاكم يدعو رعيته.

4. ذكر الغيبيات كثيرة في السورة: في كل القصص: عدد الفتية غيب وكم لبثوا غيب وكيف بقوا في الكهف غيب والفجوة في الكهف غيب، وقصة الخضر مع موسى u كلها غيب، وذو القرنين غيب. وفي هذا دلالة على أن في الكون أشياء لا ندركها بالعين المجردة ولا نفهمها ولكن الله تعالى يدبّر بقدرته في الكون وعلينا أن نؤمن بها حتى لو لم نراها أو نفهمها وإنما نسلّم بغيب الله تعالى.

سميت السورة بـ(سورة الكهف): الكهف في قصة الفتية كان فيه نجاتهم مع إن ظاهره يوحي بالخوف والظلمة والرعب لكنه لم يكن كذلك إنما كان العكس (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) آية 16 . فالكهف في السورة ما هو إلا تعبير أن العصمة من الفتن أحياناً تكون باللجوء إلى الله حتى لو أن ظاهر الأمر مخيف.وهو رمز الدعوة إلى الله فهو كهف الدعوة وكهف التسليم لله ولذا سميت السورة (الكهف) وهي العصمة من الفتن.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: فضل فضل سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين ديسمبر 17, 2007 2:29 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2005 12:40 am
مشاركات: 12504
مكان: مصـــــر المحروســـة
المحمدي كتب:

الأحاديث الضعيفة التي وردت في سورة الكهف

- ( ألا أخبركم بسورة ملأت عظمتها ما بين السماء و الأرض ؟ و لقارئها من الأجر مثل ذلك، و من قرأها غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام ؟ قالوا : بلى قال : سورة الكهف [ضعيف الجامع الصغير / 2160 ] ..
- ( سورة الكهف تدعى في التوراة : الحائلة ؛ تحول بين قارئها وبين النار ) [ سلسلة الأحاديث الضعيفة / 3259 ] ..
- ( من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف؛ عصم من فتنة الدجال ) [ ضعيف مشكاة المصابيح


[font=Tahoma]الأخ الحبيب الغالي " المحمدي "

إني والله عليم بهذا أحبك في الله

ولذا أخي الحبيب أذكر نفسي وإياك بأنه لا يجب الاعتداد بأي من هذه السلاس الحديثية المنسوبة للمدعو الألباني - كضعيف الجامع وصحيح الجامع ..... الخ

فهذا الرجل كما قال أهل العلم من المحدثين لا يؤتمن على تصحيح ولا تضعيف ولا يوثق في كلامه , لأنه من أصحاب الأهواء ومن غير أهل الاختصاص بعلم الحديث

هذا والله أعلم
[/font]

_________________
رضينا يا بني الزهرا رضينا
بحبٍ فيكمو يرضي نبينــــا



يَا رَبِّ

إِن كَانَ لاَ يَرجُوكَ إِلاَّ مُحسِــــنٌ
فَمَن الَّذِى يَدعُو وَيرجو المُجرِمُ


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين ديسمبر 17, 2007 7:43 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
الأخ الفاضل سهم النور

أحبك الله الذى أحببتنى فيه

شكرا على تعقيبك المثمر و أنا لم أتعمد النقل عن الألبانى و أعلم أن الرجل مدلس و

أعتذر أنى لم أتنبه أن هذه السلاسل من تصنيفات الألبانى و الأحاديث تنسب للحبيب

الأعظم صلى الله عليه و اله و سلم و أكرر الأعتذار حيث انى نقلت على عجل لضيق

الوقت فى ذلك اليوم.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس ديسمبر 20, 2007 10:37 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2005 12:40 am
مشاركات: 12504
مكان: مصـــــر المحروســـة
[center][table=width:100%;background-color:transparent;background-image:url(backgrounds/16.gif);border:10 inset gray;][cell=filter:;][I][align=justify]
وفقك الله أخي الحبيب " المحمدي "

وأفاض عليك من نعمه وبركاته

بجاه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم [/align][/B]
[/cell][/table][/center]

_________________
رضينا يا بني الزهرا رضينا
بحبٍ فيكمو يرضي نبينــــا



يَا رَبِّ

إِن كَانَ لاَ يَرجُوكَ إِلاَّ مُحسِــــنٌ
فَمَن الَّذِى يَدعُو وَيرجو المُجرِمُ


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: خواطر وتسابيح لفضيلة الشيخ الشعراوى حول سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس ديسمبر 20, 2007 1:05 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
خواطر وتسابيح حول سورة الكهف , وقبل ان نبدأ الحديث عن بعض أسرار آيات هذه السورة

نتوقف عند اسم السورة .. الكهف .. ماهو الكهف ؟ الكهف كما نعرفه هو فجوة داخلة في جوف

الجبل لا يستطيع الخارج منها اي من تلك الفجوة معرفة ما بداخلها .. إذا لا بد ان تبحث وتكتشف


حتى تصل إلى معرفة حقيقة ما في الكهف .. ومن هنا فإن اسم السورة لا يجب أن يمر علينا


دون أن نفكر فيه .. ونعلم أن الله سبحانه وتعالى قد جاء فيها بكهوف معنوية .. يعني أشياء تنبئن

ا بما يستتر هنا من حقائق في الكون .. وفي أحداثه .. إن الله يريد أن يخبرنا من إسم السورة أن


لا نأخذ الأشياء بظاهر الأمور ..فالذي يبدو لنا شرا قد يكون في قضاء الله فيه خيرا والعكس

صحيح . والكهف الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه السورة .. هو كهف حسي .. التجأ إليه


فتية مؤمنون وكان سترا لحق . إيماني .. خائف على نفسه من طغيان باطل كافر .قال تعالى :

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) لم يذكر


سبحانه وتعالى في هذه الآية .. سوى أن ذا القرنين قد وصل إلى قوم لم يجعل الله بينهم وبين

الشمس سترا وبعض الناس يمر على هذه الآية دون أن يتنبه إليها .. ولكن العقل يجب أن يقف

هنا ليسأل .. ماهي الحكمة في هذه الآية .. فإذا فكرنا فيها .. نجد أن الله سبحانه وتعالى يريد

أن يخبرنا أن هناك قوما لم يجعل لهم من دون الشمس سترا .. ما معنى هذا الكلام !! .. ماهو

المقصود من أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لهم من دون الشمس سترا .. هل المفروض أن

هذه الأرض قاحلة .. ليس فيها شجر يستر الناس عن الشمس .. أم المقصود أنه ليس لديهم

مساكن يجلسون فيها لتسترهم من الشمس .. أم المفروض أنهم عرايا مثلا .. ليس عندهم

ملابس تقيهم الشمس كل هذا يخطر على العقل البشرى .. ولكن الحقيقة أن كل هذه الأشياء

لا تستر الشمس فالشمس موجودة خارج المنزل ولو جلست تحتها .. كما أنها موجودة حتى ولو

ارتديت الملابس التي تقيك من الشمس .. إذن كل هذا قد يبعد الشمس عنك ولكنه لا

يسترها .. أي لا يخفيها ولكن ما هو الذي يستر الشمس .. الذي يجعلها تختفي .. تغي

ب تذهب .. ماالذي يستر الشمس في أي وضع من الأوضاع بحيث لا تجدها .. إنه الظلام

.. إنه الليل .. الليل هو الذي يستر الشمس فلا تجد أشعتها في أي مكان .. ولا تنظرها أينما

كنت .. وكيفما كنت .. ولو صعدت لأعلى مكان .. ولو خرجت إلى الشارع .. فإنك لا ترى

الشمس لأنها مستورة عنك بالظلام .. هنا يجب أن نتوقف قليلا .. الله سبحانه وتعالى في الآية

الأولى وضع لنا القوانين التي يجب أن يسير عليها الممكن في الأرض .. وقال لنا إننا يجب أن

نضيف إلى الأسباب التي يعطيها الله سبحانه وتعالى أو يمكننا منها .. ثم بعد ذلك عندما بلغ ذو

القرنين بين السدين وجد يأجوج ومأجوج أنهم قوم مفسدون في الأرض ولكنه في الآية الكريمة


(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) ثم يزد الله

سبحانه وتعالى شيئا مما قام به ذو القرنين عندما بلغ هذه الأرض .. ولما كان القرآن الكريم كل

حرف فيه بميزان دقيق .. فلا بد أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لنا شيئا في هذه الآية

الكريمة وحدها .. إذن ماهي الحكمة المستورة في هذه الآية الكريمة ..؟ بعض الناس يمر على

هذه الآية ولا يسأل نفسه هذا السؤال .. الله سبحانه وتعالى جعل لذي القرنين عملا حين بلغ

مغرب الشمس .. وجعل له عملا حين بلغ السدين .. ولكن في هذه الآية الكريمة لم يجعل له

عملا .. إذن لا شك أن المراد هنا هو ماذكره الله سبحانه وتعالى : ( لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) ومن

هنا فإن معنى الآية أن الاسكندر قد وصل إلى مناطق في الأرض لا تغيب عنها الشمس فترة

طويلة .. أي أنه لا يتعاقب عليها الليل والنهار كباقي أجزاء الكرة الأرضية بل تظل الشمس

مشرقة عليها لفترة طويلة لا يسترها ظلام .. وإذا بحثنا الآن نجد أن هناك مناطق في العالم

تغيب عنها الشمس 6 شهور في العام .. فالشمس لا تغيب عن القطب الشمالي مدة 6

شهور .. وعن القطب الجنوبي مدة 6 شهور فكأن الله يريد أن يخبرنا أن هناك أماكن في الأرض لا

تخضع لقواعد تعاقب الليل والنهار كالتي تخضع لها باقي أجزاء الأرض .. وإنما تشرق الشمس

عليها دون أن يسترها الظلام لفترة طويلة ..


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: سورة الكهف
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يناير 06, 2008 7:32 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
[align=center]سورة الكهف[/align]

سورة الكهف من السورة المكية وهي إحدى خمس سورة بدأت بـ (الحمد لله) (الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وهذه السورة ذكرت أربع قصص قرآنية هي أهل الكهف، صاحب الجنتين، موسى علية السلام والخضر وذو القرنين. ولهذه السورة فضل عظيم كما قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام:

" من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين قدميه وعنان السماء"
وقال
" من أدرك منكم الدجال فقرأ عليه فواتح سورة الكهف كانت له عصمة من الدجّال"
والأحاديث في فضلها كثيرة.
وقصص سورة الكهف الأربعة يربطها محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة:
فتنة الدين (قصة أهل الكهف)، فتنة المال (صاحب الجنتين)، فتنة العلم (موسى والخضر) وفتنة السلطة (ذو القرنين).
وهذه الفتن شديدة على الناس والمحرك الرئيسي لها هو الشيطان الذي يزيّن هذه الفتن ولذا جاءت الآية
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)
آية 50
:
وفي وسط السورة أيضاً. ولهذا قال الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أنه من قرأها عصمه الله تعالى من فتنة المسيح الدجّال لأنه سيأتي بهذه الفتن الأربعة ليفتن الناس بها.
وقد جاء في الحديث الشريف:
"من خلق آدم حتى قيام الساعة ما فتنة أشدّ من فتنة المسيح الدجال"
وكان عليه أفضل الصلاة والسلام يستعيذ في صلاته من أربع منها فتنة المسيح الدجال. وقصص سورة الكهف كل تتحدث عن إحدى هذه الفتن ثم يأتي بعده تعقيب بالعصمة من الفتن:




1. فتنة الدين: قصة الفتية الذين هربوا بدينهم من الملك الظالم فآووا إلى الكهف حيث حدثت لهم معجزة إبقائهم فيه ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعا وكانت القرية قد أصبحت كلها على التوحيد. ثم تأتي آيات تشير إلى كيفية العصمة من هذه الفتنة
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا)
آية 28 – 29.


فالعصمة من فتنة الدين تكون بالصحبة الصالحة وتذكر الآخرة.








2. فتنة المال: قصة صاحب الجنتين الذي آتاه الله كل شيء فكفر بأنعم الله وأنكر البعث فأهلك الله تعالى الجنتين. ثم تأتي العصمة من هذه الفتنة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)
آية 45 و46.





والعصمة من فتنة المال تكون في فهم حقيقة الدنيا وتذكر الآخرة.







3. فتنة العلم: قصة موسى علية السلام مع الخضر وكان ظنّ أنه أعلم أهل الأرض فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه فلم يصبر على ما فعله الخضر لأنه لم يفهم الحكمة في أفعاله وإنما أخذ بظاهرها فقط. وتأتي آية العصمة من هذه الفتنة
(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)


آية 69

والعصمة من فتنة العلم هي التواضع وعدم الغرور بالعلم.





4. فتنة السلطة: قصة ذو القرنين الذي كان ملكاً عادلاً يمتلك العلم وينتقل من مشرق الأرض إلى مغربها عين الناس ويدعو إلى الله وينشر الخير حتى وصل لقوم خائفين من هجوم يأجوج ومأجوج فأعانهم على بناء سد لمنعهم عنهم وما زال السدّ قائماً إلى يومنا هذا. وتأتي آية العصمة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) آية 103 و 104
فالعصمة من فتنة السلطة هي الإخلاص لله في الإعمال وتذكر الآخرة.

ختام السورة: العصمة من الفتن: آخر آية من سورة الكهف تركّز على العصمة الكاملة من الفتن بتذكر اليوم الآخرة

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا آيه)110


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت يونيو 07, 2008 1:35 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
الخواطر الايمانيه لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى حول سورة الكهف

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا

ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد لله دائماً هو الشعار الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير الكلمات: "سبحان الله والحمد" سبحان الله بدئت بها سورة الإسراء، والحمد لله بدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقلنا: الحمد لله، فسبحان الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء.
والحمد يشترك معه في المعنى العام: ثناء وشكر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإن تقاربت في المعنى العام فلكل منها معناه الخاص، وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن الشكر يكون من منعم عليه بنعمة خاصة به، كأن يسدي لك إنسان جميلاً لك وحدك، فتشكره عليه.
أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرقعة الحمد أوسع من رقعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئاً، كأن تمدح مثلاً الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك.
فقول الحق: (الحمد لله) بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إن حمدك لأي إنسان قدم لك جميلاً فهو ـ إذا سلسلته ـ حمد لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة التي أمدك بها موهبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلت الحمد لأي إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعم الأول سبحانه وتعالى.
وكلمة (الحمد لله) هذه هي الصيغة التي علمنا الله أن نحمده بها، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يحدد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخلق في الحمد حسب قدراتهم وتمكنهم من الأداء وحسب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح في العيي والأمي. فتحمل الله عنا جميعاً هذه الصيغة، وجعلها متساوية للجميع، الكل يقول (الحمد لله) البليغ يقولها، والعيي يقولها، والأمي يقولها.

<لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ويثني عليه: "سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك">

فإن أردنا أن نحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت، ولا يحصيه غيرك، ولا نملك إلا أن نقول ما علمتنا من حمدك: الحمد لله.
إذن: فاستواء الناس جميعاً في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما علمنا من الحمد لله، والحمد الأول أيضاً نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما علمنا من الحمد لله بالحمد لله.
وهكذا، لو تتبعت الحمد لوجدته سلسلة لا تنتهي، حمد على حمد على حمد على حمد، فيظل الله محموداً دائماً، يظل العبد حامداً إلى ما لا نهاية.
والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خمس سور من القرآن:

{الحمد لله رب العالمين "2"}
(سورة الفاتحة)

{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون "1"}
(سورة الأنعام)

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

{الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة .. "1"}
(سورة سبأ)

{الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحةٍ .. "1"}
(سورة فاطر)

ولكن، لكل حمد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى لأن الله رب العالمين، ورب يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من عدم، وأمد من عدم، وتولى تربية عباده، فهو رب لكل العالمين؛ لذلك يجب أن نحمد الله على أنه هو الرب الذي خلق العالمين، وأمدهم بفضله.
وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونعم من نعمه، فالسماوات والأرض فيها قيام البشر كله بما يمد حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم بالتكاثر.
والظلمات والنور من نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، فلظلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور للسعي والحركة، ولا يمكن لساع أن يسعى ويجد في عمل، إلا إذا ارتاح وسكن وجدد نشاطه، فتقابل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم.
وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه بـ(الحمد لله) ـ والتي نحن بصددها ـ أراد الحق سبحانه أن يوضح أنه لم يرب الخلق تربية مادية فقط، بل هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخلق الإنسان، فهو لم يخلق لمادته فحسب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف القيم والرب والدين، وأن يعمل لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال تعالى:

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

فحيثية الحمد هنا إنزال الكتاب الذي يجمع كل القيم. وقلنا: إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أن يخلق الخلق وضع له النماذج التي تصلح حركة الحياة، كما قال تعالى:

{الرحمن "1" علم القرآن "2" خلق الإنسان "3" علمه البيان "4"}
(سورة الرحمن)

فتعليم القرآن جاء قبل خلق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظم لحياتهم قبل أن يخلقهم، لعلمه سبحانه بطبيعة خلقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويحدد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية، فيجب أن توطن عليها نفسك، وتعلم أنه المنظم لحياتك، وبه قانون صيانتك.
وقوله:

{على عبده .. "1"}
(سورة الكهف)

كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرفعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه:

{سبحان الذي أسرى بعبده .. "1"}
(سورة الإسراء)

فالعبودية رفعته إلى حضرته تعالى؛ لأنه كان عبداً بحق، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبداً بحق قبل أن يسري به، وحمل منهج الله أولاً فالتفت لربه لفتة أراد أن يلفت بها سواه، فأخلص هو أولاً في العبودية، وتحمل ما تحمل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فعرج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزل بها إلى الخلق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج.
إذن: فالنبي تناول ليناول، وتناول لأنه أخلص العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلغها لقومه، وكأنه يقول لهم: من أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة. و

{الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى (الكتاب) وهو لم يكتمل بعد؟
نقول: الكتاب يطلق ويراد به بعضه، كما في قوله تعالى:

{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه "18"}
(سورة القيامة)

فالآية الواحدة تسمى قرآناً، والسورة تسمى قرآناً، والكل نسميه قرآناً.
أو: يكون المراد أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزله بعد ذلك منجماً حسب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل. وقوله تعالى:

{ولم يجعل له عوجا "1"}
(سورة الكهف)

أي: جعله مستقيماً، لا عوج فيه، كما قال في آية أخرى:

{قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ .. "28"}
(سورة الزمر)

والاعوجاج، أن يأخذ الشيء امتداداً منحنياً ملتوياً، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يميناً أو شمالاً، ومعلوم أن الخط المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة.
فالحق سبحانه وتعالى خلق الخلق متكاملين، فكل منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقوم بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلابد أن يتواجه الناس في الحياة، وأن يتكاملوا.
هذا التواجه إن لم ينظم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لابد من استقامة الطريق ليرى كل منا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة.
وقد ذكر الاعوجاج أيضاً في قوله تعالى:

{ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا "105" فيذرها قاعا صفصفا "106" لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً "107"}
(سورة طه)

{لا ترى فيها عوجا .. "107"}
(سورة طه)

أي: أرضاً مستوية خالية من أي شيء.

{ولا أمتاً "107"}
(سورة طه)

أي: مستقيمة. أي: مستوية ولا يوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضاً وتسبب التصادم، وهذا ما يسميه رجال المرور (العقبة).


قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا

قوله: (قيماً) أي: القرآن، وقالوا: قيم يعني مستقيم، كأنها تأكيد لقوله:

{ولم يجعل له عوجا "1"}
(سورة الكهف)

لأن الاستقامة والعود قد لا يدرك بالعين المجردة وتحتاج إلى ميزان دقيق يكشف لك مدى العود أو الاستقامة، وهذه الظاهرة تراها في الطرق المستوية المرصوفة، والتي تراها للوهلة الأولى مستقيمة تماماً ومستوية، فإذا ما نزل المطر فضح هذا الاستواء وأظهر ما فيه من عيوب؛ لذلك أكد الاستقامة بقوله:

{قيماً "2"}
(سورة الكهف)

ومن معاني القيم: المهيمن على ما دونه، كما تقول: فلان قيم على فلان أي: مهيمن عليه وقائم على أمره. فالقرآن ـ إذن ـ لاعوج فيه، وهو أيضاً مهيمن على الكتب السابقة وله الوصاية عليها كما قال تعالى:

{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه .. "48" }
(سورة المائدة)

ومنه قوله تعالى:

{فأقم وجهك للدين القيم "43"}
(سورة الروم)

أي: المهيمن على الأديان السابقة. ثم يقول تعالى:

{لينذر بأساً شديداً من لدنه "2"}
(سورة الكهف)

وهذه هي العلة في الإنزال.
والإنذار: التخويف بشر قادم، والمنذر هنا هم الكفار؛ لأنه لا ينذر بالعذاب الشديد إلا الكفار، لكن سياق الآية لم يذكرها ليترك مجالاً للملكة العربية وللذهن أن يعمل، وأن يستقبل القرآن بفكر متفتح وعقل يستنبط، وليس بالضرورة أن يعطينا القرآن كل شيء هكذا على طرف الثمام أي قريباً سهل التناول.
ثم ضخم العذاب بأنه شديد، ليس ذلك وفقط بل (من لدنا)، والعذاب يتناسب مع المعذب وقوته، فإن كان العذاب من الله فلا طاقة لأحد به، ولا مهرب لأحد منه.
ثم يقول تعالى:

{ويبشر المؤمنين "2"}
(سورة الكهف)

والبشارة تكون بالخير المنتظر في المستقبل، وتلاحظ أنه في البشارة ذكر المبشر (المؤمنين) ولم يسكت عنهم كما سكت عن الكفار في الإنذار، فهذا من رحمة الله بنا حتى في الأسلوب، والبشارة هنا بالأجر الحسن؛ لأنه أجر من الكريم المتفضل
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

أي: باقين فيه بقاءً أبدياً، وكان لابد أن يوصف أجر الله الحسن بأنه دائم، وأنهم ماكثون فيه أبداً؛ لأن هناك فرقاً بين أجر الناس للناس في الدنيا، وأجر المنعم سبحانه في الآخرة، لقد ألف الناس الأجر على أنه جعل على عمل، فعلى قدر ما تعمل يكون أجرك، فإن لم تعمل فلا أجر لك.
أما أجر الله لعباده في الآخرة فهو أجر عظيم دائم، فإن ظلمك الناس في تقدير أجرك في الدنيا، فالله تعالى عادل لا يظلم يعطيك بسخاء؛ لأنه المنصف المتفضل، وإن انقطع الأجر في الدنيا فإنه دائم في الآخرة؛ لأنك مهما أخذت من نعيم الدنيا فهو نعيم زائل، إما أن تتركه، وإما أن يتركك.

وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا

والإنذار هنا غير الإنذار الأول، لقد كرر الإنذار ليكون خاصاً بقمة المعاصي، إنذار للذين قالوا اتخذ الله ولداً، أما الإنذار الأول فهو لمطلق الكفر والمعصية، وأما الثاني فهو لإعادة الخاص مع العام، كأن لهؤلاء الذين نسبوا لله الولد عذاباً يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على الحق سبحانه وتعالى.
وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله:

{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا "88" لقد جئتم شيئا إدا "89" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا "90" أن دعوا للرحمن ولدا "91" وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً "92"}
(سورة مريم)

إنها قمة المعاصي أن نخوض في ذات الله تعالى بمقولة تتفطر لها السماء، وتنشق

مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا

فهذه القضية التي ادعوها، وهذه المقولة التي كذبوها على الله من أين أتوا بها؟ الحقيقة أنهم ادعوها ولا علم لهم بها، والعلم إما ذاتي، وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم لا يملكون شيئاً من هذا ويقولون بأمر لا واقع له؛ لذلك يقول تعالى:

{ما لهم به من علمٍ .. "5"}
(سورة الكهف)

وعدم العلم ينشأ من أمرين: إما أن الشيء موجود وأنت لا تعلم به؛ لأنه مستور عنك، وإما لأن الشيء لا وجود له أصلاً، وأنت لا تعلم أنه غير موجود؛ لأن غير الموجود لا يمكن أن يتعلق به علم.
وقوله تعالى:

{كبرت كلمة تخرج من أفواههم .. "5"}
(سورة الكهف)

(كبرت) أي: عظمت وتناهت في الإثم؛ لأنهم تناولوا مسألة فظيعة، كبرت أن تخرج هذه الكلمة من أفواههم.
(كلمة) الكلمة قول مفرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد أو ذهب أو في، فالاسم والفعل والحرب كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تطلق ويراد بها الكلام، فالآية عبرت عن قولهم:

{اتخذ الله ولداً "4"}
(سورة الكهف)

بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة. والواقع أنه ألقى خطبة. ومن ذلك قوله تعالى:

{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون "99" لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها .. "100"}
(سورة المؤمنون)

فسمى قولهم هذا (كلمة). ومنها قوله تعالى:

{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .. "64"}
(سورة آل عمران)

فسمى كل هذا الكلام كلمة. وقوله تعالى:

{تخرج من أفواههم .. "5"}
(سورة الكهف)

أي: أن هذه الكلمة كبرت لأنها خرجت منهم وقالوها فعلاً، ولو أنهم كتموها في نفوسهم ولم يجهروا بها واستعظموا أن تخرج منهم لكانوا في عداد المؤمنين،

<بدليل أن وفد اليمن حينما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله تدور بأنفسنا أفكار عن الله، نتعاظم أن نقولها ـ أي: لا نقدر على النطق بها فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك صريح الإيمان">
إذن: المعيب عليهم أنهم أخرجوا هذه المسألة من أفواههم، وهذا منتهى القبح، فالأفكار والخواطر مهما بلغت من السوء وكتمها صاحبها لا يترتب عليها شيء، وكأنها لم تكن. ثم يقول تعالى:

{إن يقولون إلا كذباً .. "5"}
(سورة الكهف)

أي: ما يقولون إلا كذباً، والكذب ألا يطابق الكلام واقع الأمر، فالعاقل قبل أن يتكلم يدير الكلام على ذهنه ويعرضه على تفكيره، فتأتي النسبة في ذهنه وينطقها لسانه، وهذه النسبة قبل أن يفكر فيها وينطق بها لها واقع.
فمثلاً حين تقول: محمد مجتهد. قبل أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد، وهذه تسمى نسبة ذهنية، فإن قلت: محمد مجتهد فعلاً، فإن النسبة الذهنية الكلامية أصبحت نسبة واقعية، والخبر بها خبر صادق. فإن كانت النسبة الكلامية لا واقع لها كأن لا يوجد شخص اسمه محمد أو وجد ولكنه غير مجتهد، فالخبر هنا كاذب. وهذا هو الأسلوب الخبري الذي يحتمل الصدق أو الكذب.
وهناك الأسلوب الخبري الذي لا يحتمل الصدق، ولا يحتمل الكذب؛ لأن النسبة الواقعية فيه متأخرة عن النسبة الكلامية كما لو قلت: ذاكر دروسك. فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل؛ لذلك لا يوصف الإنشاء بالصدق أو بالكذب.
والتدقيق العلمي يقول: الصدق الحقيقي أن تطابق النسبة الكلامية الواقع والاعتقاد، فإن اعتقدت شيئاً ولم يحدث، فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب؛ لأن هناك فرق بين الخبر والمخبر. وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى:

{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون "1"}
(سورة المنافقون)

فقولهم: إنك لرسول الله نسبة صادقة؛ لأنها تطابق الواقع، إنما هل وافقت معتقدهم؟ لم توافق معتقدهم؛ لذلك شهد الله أنهم كاذبون؛ لأن كلامهم لم يوافق واقعهم الاعتقادي. أو: لأن التكذيب لم يرد به قولهم: إنك لرسول الله وإنما يراد به قولهم: نشهد، فالتكذيب للشهادة لأن الشهادة أن يواطئ القلب اللسان، وهم شهدوا بألسنتهم، ولم تؤمن به قلوبهم.
وهنا لما قالوا (اتخذ الله ولداً)، فهذه نسبة كلامية ليس لها واقع، فهي نسبة كاذبة، فقال تعالى:

{إن يقولون إلا كذباً "5"}
(سورة الكهف)

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
ومعنى:

{باخع نفسك .. "6"}
(سورة الكهف)

أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهاداً يهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله؛ لأنه حمل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيعرضوا ويتولوا عنه فيشيع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحرصه على هدايتهم يكاد يهلك نفسه (أسفاً).
والأسف: الحزن العميق، ومنه قول يعقوب عليه السلام:

{يا أسفي على يوسف .. "84"}
(سورة يوسف)

وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضباً من عبادتهم العجل:

{فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً .. "86"}
(سورة طه)

وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

وكأن هذه الآية تعقيب على سابقتها، وإشارة لرسول الله بأن الدنيا قصيرة، فالمسألة ـ إذن ـ قريبة فلا داعي لأن يهلك نفسه حزناً على عناد قومه، فالدنيا لكل إنسان مدة بقائه بها وعيشه فيها، ولا دخل له بعمرها الحقيقي؛ لأن حياة غيره لا تعود عليه بشيء، وعلى هذا فما أقصر الدنيا، وما أسرع انتهائها، ثم يرجعون إلينا فنجازيهم بما عملوا، فلا تحزن ولا تيأس، ولا تكدر نفسك، لأنهم لم يؤمنوا.
فقوله تعالى:

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها .. "7"}
(سورة الكهف)

أي: كل ما على الأرض هو زينة، والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى، وقد أوضح لنا القرآن هذه المسألة في قوله تعالى:

{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .. "45"}
(سورة الكهف)

فإياك أن يأخذك هذا الزخرف؛ لأنه زهر سرعان ما يذبل ويصير حطاماً. وقوله:

{لنبلوهم .. "7"}
(سورة الكهف)

البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض؛ لأن المصيبة تكون على من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مسبقاً، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع.
وما أشبه هذه المسألة بالتلميذ الذي يتنبأ له أستاذه بالفشل لما يراه من مقدمات يعرفها عن عقليته وعن اجتهاده والتفاته يحكم من خلالها، فإذا ما دخل التلميذ الاختبار فشل فيه وأخفق، لكن هل يعني هذا أن نلغي الاختبارات في مدارسنا اعتماداً على خبرة المعلم بتلاميذه؟ لابد من الاختبار ليقوم شاهداً واقعياً على من يخفق. إذن معنى:

{لنبلوهم .. "7"}
(سورة الكهف)

أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم.

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا

الصعيد: هو طبقة التراب التي تظهر على وجه الأرض، ولا نبات فيها و(جرزاً) هي الأرض الخالية من النبات، وقد يكون بها نبات، إلا أن الجراد أكله أو جاءته جائحة أهلكته، يقول تعالى:

{أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون "27"}
(سورة السجدة)

ومادام الأمر كذلك والدنيا زخرف سرعان ما يزول، فالأجل قريب، فدعهم لي أختبرهم، وأجازيهم بأعمالهم.

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا

وقد وردت قصة أهل الكهف نتيجة لسؤال كفار مكة الذين أرادوا أن يحرجوا رسول الله، ويروي أنهم أرسلوا رجلين منهم هما: النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أهل الكتاب في المدينة ليسألوهم عن صدق رسول الله، وما خبره عندهم، وما ورد عنه في كتبهم.
وقد كان يهود المدينة قبل البعثة يتوعدون الأوس والخزرج عباد الأصنام ببعثة النبي الجديد، يقولون: لقد أطل زمان نبي نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم؛ لذلك رغب أهل مكة في سؤال يهود المدينة عن صدق رسول اللهن فلما ذهب الرجلان إلى يهود المدينة قالوا: إن أردتم معرفة صدق محمد فاسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو صادق، اسألوه: ما قصة القوم الذين ذهبوا في الدهر مذاهب عجيبة؟ وما قصة الرجل الطواف الذي طاف الأرض شرقاً وغرباً؟ وما الروح؟
وفعلاً ذهب الرجلان إلى رسول الله، وسألاه هذه الأسئلة فقال صلى الله عليه وسلم: "أخبركم بما سألتم عنه غداً" وجاء غد وبعد غد ومرت خمسة عشر يوماً دون أن يوحي لرسول الله شيء من أمر هذه الأسئلة، فشق ذلك على رسول الله وكبر في نفسه أن يعطي وعداً ولا ينجزه.
وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه المسألة أنه قال: "أخبركم بما سألتم عنه غداً" ولم يقل: إن شاء الله؛ ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله .. "24"}
(سورة الكهف)

وهذه الآية في حد ذاتها دليل على صدق رسول الله، وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجاً لغيره، وحتى لا يستنكف أحد إذا استدرك عليه شيء، فهاهو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويعدل له.
فكأن قوله تعالى:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله .. "24"}
(سورة الكهف)

تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربى من توجيه المربي، مادام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإن كان من الخلق، فما بالك إن كان الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟
وإليك مثال لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم، لقد ورد هذا الدرس في قوله تعالى:

{وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين "78"}
(سورة الأنبياء)

فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أن يأخذ صاحب الزرع الغنم التي أكلت زرعه، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك عليها قائلاً: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود إلى ما كان عليه، ثم تعود الغنم إلى صاحبها، والزرع إلى صاحبه.
لذلك قال تعالى بعدها:

{ففهمناها سليمان .. "79"}
(سورة الأنبياء)

ولم يتهم داود بالخطأ، بل قال:

{وكلاً آتينا حكماً وعلماً .. "79"}
(سورة الأنبياء)

ونلحظ هنا أن الاستدراك لم يأت من الأب للابن، فيكون أمراً طبيعياً، بل جاء من الابن للأب ليؤكد على أنه لا غضاضة أن يستدرك الصغير على الكبير، أو الابن على الأب، فالهدف هو الوصول إلى الحق والصواب، وبني الله سليمان في هذه المسألة لم يغض الطرف عن هذا القصور في حكومة أبيه، بل جهر بالحق ونطق به؛ لأن الحق أعز من أي صلة حتى لو كانت صلة الأبوة.

ومن هذه القضية نعلم استدراك الخلق على الخلق أمر طبيعي ومقبول لا يستنكف منه أحد، ومن هنا جاءت فكرة الاستئناف في المحاكم، فلعل القاضي في محكمة الاستئناف يستدرك على زميله في المحكمة الابتدائية، أو يقف على شيء لم يقف عليه، أو يرى جانباً من القضية لم يره.
ولنا هنا وقفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئاً حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، فكأنه أمين حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23"}
(سورة الكهف)

وهو الذي بلغنا:

{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .. "1"}
(سورة التحريم)

وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر:

{عفا الله عنك لم أذنت لهم .. "43"}
(سورة التوبة)

وغيرها كثير من آيات القرآن؛ لذلك مدحه ربه تعالى بقوله:

{وما هو إلى الغيب بضنينٍ "24"}
(سورة التكوير)

حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي حرفاً واحداً، انظر إلى قوله تعالى:

{ولو تقول علينا بعض الأقاويل "44" لأخذنا منه باليمين "45" ثم لقطعنا منه الوتين "46"}
(سورة الحاقة)

إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يخفي شيئاً.
ألم يكن جديراً بالقوم أن يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكروا في صدقه صلى الله عليه وسلم حين يخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، وكان من المنتظر أن يخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلاً قاطعاً على صدقه فيما يقول؟
والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا أقدمنا على عمل في المستقبل إنما يكرم عبده ويحميه حتى لا يوصف بالكذب إذا لم يحقق ما وعد به، وليس في قولنا: إن شاء الله حجر على أحد، أو تقييد لطموحات البشر كما يدعي البعض أن قول إن شاء الله يلغي التخطيط للمستقبل.
نقول: خطط كما تريد، ودبر من أمرك ما شئت، واصنع من المقدمات ما تراه مناسباً لإنجاح سعيك، لكن ما عليك إن قرنت هذا كله بمشيئة الله، وهي في حد ذاتها عون لك على ما تريد، فإن أخفقت فقد جعلت لنفسك حماية في مشيئة الله، فأنت غير كاذب، والحق تبارك وتعالى لم يشأ بعد أن تنجز ما تسعى إليه.
والحقيقة أن الحدث في المستقبل لا يملكه أحد، ولا يضمنه أحد إلا الله تبارك وتعالى؛ لذلك عليك أن تعلق الفعل على مشيئة الله، فإن قلت مثلاً: سأقابل فلاناً غداً لأكلمه في كذا، فهل تملك أنت من عناصر هذا الحدث شيئاً؟
أضمنت أن تعيش إلى غد؟ أضمنت حياة فلان هذا إلى الغد؟ أضمنت أن موضوع المقابلة باق لا يتغير فيه شيء، ولا يطرأ عليه طارئ؟ إذن: فكيف تقطع بالقول أنك ستفعل غداً كذا؟ قل: إن شاء الله، واخرج من دائرة الحرج هذه.
نعود إلى الآية التي نحن بصددها فالحق سبحانه يقول:

{أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً "9"}
(سورة الكهف)

(أم) حرف من حروف العطف، ويفيد الإضراب عما قبله وتوجيه الاهتمام إلى ما بعده، كما في قوله تعالى:

{قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور .. "16"}
(سورة الرعد)

فالمراد: إن سألك كفار مكة عن مسألة أصحاب الكهف على أنها معضلة يريدون إحراجك بها، فدعك من كلامهم، ودعك من سوء نيتهم، ولا تحسب أن أهل الكهف هي العجيبة الوحيدة لدينا، فالعجائب عندنا كثيرة، وهذه واحدة منها.
و(الكهف): الفجوة في الجبل و(الرقيم) الشيء المرقوم أي: المكتوب عليه كحجر أو نحوه، ولعله حجر كان على باب الكهف رقم عليه أسماء هؤلاء الفتية، ومن ذلك قوله تعالى:

{كتاب مرقوم "9"}
(سورة المطففين)

أي: مكتوب. وقوله:

{كانوا من آياتنا عجباً "9"}
(سورة الكهف)

أي: ليست هذه هي العجيبة الوحيدة، فكل آياتنا عجيبة تستحق التأمل. ثم تأخذ الآيات في تفصيل هذه العجيبة،

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا

(أوى) من المأوى، وهو المكان الذي يأوي الهي الإنسان ويلجأ إليه (الفتية) جمع فتى، وهو الشاب في مقتبل العمر، والشباب هم معقد الآمال في حمل الأعباء والنهوض بكل أمر صعب، وهؤلاء شباب مؤمن وقفوا يحملون راية عقيدتهم وإيمانهم أمام جبروت الكفر وطغيان الشرك، فالفتاء فيهم فتاء إيمان وعقيدة.
لذلك لجأوا إلى الكهف مخلفين وراءهم أموالهم وأهلهم وكل ما يملكون، وفروا بدينهم إلى هذا المكان الضيق الخالي من أي مقوم من مقومات الحياة؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم بهذه المقومات، بل يعلمون أن لهم رباً سيتولى أمرهم؛ لذلك ضرعوا إليه قائلين:

{ربنا آتنا من لدنك رحمة .. "10"}
(سورة الكهف)

أي: رحمة من عندك، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مقومات الحياة، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر، الرحمن هنا لا تكون إلا من الله:

{وهيئ لنا من أمرنا رشداً .. "10"}
(سورة الكهف)

أي: يسر لنا طريقاً سديداً للخير وللحق.
إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرعوا واتجهوا إلى ربهم، فهو وحده القادر على أن يوسع عليهم هذا الضيق، كما قال تعالى:

{فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا .. "43"}
(سورة الأنعام)



[size=12]
[/size]


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت يونيو 07, 2008 1:41 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
الخواطر الايمانيه لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى حول سورة الكهف

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا

ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد لله دائماً هو الشعار الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير الكلمات: "سبحان الله والحمد" سبحان الله بدئت بها سورة الإسراء، والحمد لله بدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقلنا: الحمد لله، فسبحان الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء.
والحمد يشترك معه في المعنى العام: ثناء وشكر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإن تقاربت في المعنى العام فلكل منها معناه الخاص، وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن الشكر يكون من منعم عليه بنعمة خاصة به، كأن يسدي لك إنسان جميلاً لك وحدك، فتشكره عليه.
أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرقعة الحمد أوسع من رقعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئاً، كأن تمدح مثلاً الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك.
فقول الحق: (الحمد لله) بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إن حمدك لأي إنسان قدم لك جميلاً فهو ـ إذا سلسلته ـ حمد لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة التي أمدك بها موهبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلت الحمد لأي إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعم الأول سبحانه وتعالى.
وكلمة (الحمد لله) هذه هي الصيغة التي علمنا الله أن نحمده بها، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يحدد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخلق في الحمد حسب قدراتهم وتمكنهم من الأداء وحسب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح في العيي والأمي. فتحمل الله عنا جميعاً هذه الصيغة، وجعلها متساوية للجميع، الكل يقول (الحمد لله) البليغ يقولها، والعيي يقولها، والأمي يقولها.

<لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ويثني عليه: "سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك">

فإن أردنا أن نحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت، ولا يحصيه غيرك، ولا نملك إلا أن نقول ما علمتنا من حمدك: الحمد لله.
إذن: فاستواء الناس جميعاً في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما علمنا من الحمد لله، والحمد الأول أيضاً نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما علمنا من الحمد لله بالحمد لله.
وهكذا، لو تتبعت الحمد لوجدته سلسلة لا تنتهي، حمد على حمد على حمد على حمد، فيظل الله محموداً دائماً، يظل العبد حامداً إلى ما لا نهاية.
والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خمس سور من القرآن:

{الحمد لله رب العالمين "2"}
(سورة الفاتحة)

{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون "1"}
(سورة الأنعام)

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

{الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة .. "1"}
(سورة سبأ)

{الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحةٍ .. "1"}
(سورة فاطر)

ولكن، لكل حمد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى لأن الله رب العالمين، ورب يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من عدم، وأمد من عدم، وتولى تربية عباده، فهو رب لكل العالمين؛ لذلك يجب أن نحمد الله على أنه هو الرب الذي خلق العالمين، وأمدهم بفضله.
وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونعم من نعمه، فالسماوات والأرض فيها قيام البشر كله بما يمد حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم بالتكاثر.
والظلمات والنور من نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، فلظلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور للسعي والحركة، ولا يمكن لساع أن يسعى ويجد في عمل، إلا إذا ارتاح وسكن وجدد نشاطه، فتقابل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم.
وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه بـ(الحمد لله) ـ والتي نحن بصددها ـ أراد الحق سبحانه أن يوضح أنه لم يرب الخلق تربية مادية فقط، بل هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخلق الإنسان، فهو لم يخلق لمادته فحسب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف القيم والرب والدين، وأن يعمل لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال تعالى:

{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

فحيثية الحمد هنا إنزال الكتاب الذي يجمع كل القيم. وقلنا: إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أن يخلق الخلق وضع له النماذج التي تصلح حركة الحياة، كما قال تعالى:

{الرحمن "1" علم القرآن "2" خلق الإنسان "3" علمه البيان "4"}
(سورة الرحمن)

فتعليم القرآن جاء قبل خلق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظم لحياتهم قبل أن يخلقهم، لعلمه سبحانه بطبيعة خلقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويحدد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية، فيجب أن توطن عليها نفسك، وتعلم أنه المنظم لحياتك، وبه قانون صيانتك.
وقوله:

{على عبده .. "1"}
(سورة الكهف)

كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرفعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه:

{سبحان الذي أسرى بعبده .. "1"}
(سورة الإسراء)

فالعبودية رفعته إلى حضرته تعالى؛ لأنه كان عبداً بحق، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبداً بحق قبل أن يسري به، وحمل منهج الله أولاً فالتفت لربه لفتة أراد أن يلفت بها سواه، فأخلص هو أولاً في العبودية، وتحمل ما تحمل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فعرج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزل بها إلى الخلق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج.
إذن: فالنبي تناول ليناول، وتناول لأنه أخلص العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلغها لقومه، وكأنه يقول لهم: من أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة. و

{الكتاب .. "1"}
(سورة الكهف)

هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى (الكتاب) وهو لم يكتمل بعد؟
نقول: الكتاب يطلق ويراد به بعضه، كما في قوله تعالى:

{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه "18"}
(سورة القيامة)

فالآية الواحدة تسمى قرآناً، والسورة تسمى قرآناً، والكل نسميه قرآناً.
أو: يكون المراد أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزله بعد ذلك منجماً حسب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل. وقوله تعالى:

{ولم يجعل له عوجا "1"}
(سورة الكهف)

أي: جعله مستقيماً، لا عوج فيه، كما قال في آية أخرى:

{قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ .. "28"}
(سورة الزمر)

والاعوجاج، أن يأخذ الشيء امتداداً منحنياً ملتوياً، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يميناً أو شمالاً، ومعلوم أن الخط المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة.
فالحق سبحانه وتعالى خلق الخلق متكاملين، فكل منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقوم بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلابد أن يتواجه الناس في الحياة، وأن يتكاملوا.
هذا التواجه إن لم ينظم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لابد من استقامة الطريق ليرى كل منا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة.
وقد ذكر الاعوجاج أيضاً في قوله تعالى:

{ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا "105" فيذرها قاعا صفصفا "106" لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً "107"}
(سورة طه)

{لا ترى فيها عوجا .. "107"}
(سورة طه)

أي: أرضاً مستوية خالية من أي شيء.

{ولا أمتاً "107"}
(سورة طه)

أي: مستقيمة. أي: مستوية ولا يوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضاً وتسبب التصادم، وهذا ما يسميه رجال المرور (العقبة).


قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا

قوله: (قيماً) أي: القرآن، وقالوا: قيم يعني مستقيم، كأنها تأكيد لقوله:

{ولم يجعل له عوجا "1"}
(سورة الكهف)

لأن الاستقامة والعود قد لا يدرك بالعين المجردة وتحتاج إلى ميزان دقيق يكشف لك مدى العود أو الاستقامة، وهذه الظاهرة تراها في الطرق المستوية المرصوفة، والتي تراها للوهلة الأولى مستقيمة تماماً ومستوية، فإذا ما نزل المطر فضح هذا الاستواء وأظهر ما فيه من عيوب؛ لذلك أكد الاستقامة بقوله:

{قيماً "2"}
(سورة الكهف)

ومن معاني القيم: المهيمن على ما دونه، كما تقول: فلان قيم على فلان أي: مهيمن عليه وقائم على أمره. فالقرآن ـ إذن ـ لاعوج فيه، وهو أيضاً مهيمن على الكتب السابقة وله الوصاية عليها كما قال تعالى:

{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه .. "48" }
(سورة المائدة)

ومنه قوله تعالى:

{فأقم وجهك للدين القيم "43"}
(سورة الروم)

أي: المهيمن على الأديان السابقة. ثم يقول تعالى:

{لينذر بأساً شديداً من لدنه "2"}
(سورة الكهف)

وهذه هي العلة في الإنزال.
والإنذار: التخويف بشر قادم، والمنذر هنا هم الكفار؛ لأنه لا ينذر بالعذاب الشديد إلا الكفار، لكن سياق الآية لم يذكرها ليترك مجالاً للملكة العربية وللذهن أن يعمل، وأن يستقبل القرآن بفكر متفتح وعقل يستنبط، وليس بالضرورة أن يعطينا القرآن كل شيء هكذا على طرف الثمام أي قريباً سهل التناول.
ثم ضخم العذاب بأنه شديد، ليس ذلك وفقط بل (من لدنا)، والعذاب يتناسب مع المعذب وقوته، فإن كان العذاب من الله فلا طاقة لأحد به، ولا مهرب لأحد منه.
ثم يقول تعالى:

{ويبشر المؤمنين "2"}
(سورة الكهف)

والبشارة تكون بالخير المنتظر في المستقبل، وتلاحظ أنه في البشارة ذكر المبشر (المؤمنين) ولم يسكت عنهم كما سكت عن الكفار في الإنذار، فهذا من رحمة الله بنا حتى في الأسلوب، والبشارة هنا بالأجر الحسن؛ لأنه أجر من الكريم المتفضل
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

أي: باقين فيه بقاءً أبدياً، وكان لابد أن يوصف أجر الله الحسن بأنه دائم، وأنهم ماكثون فيه أبداً؛ لأن هناك فرقاً بين أجر الناس للناس في الدنيا، وأجر المنعم سبحانه في الآخرة، لقد ألف الناس الأجر على أنه جعل على عمل، فعلى قدر ما تعمل يكون أجرك، فإن لم تعمل فلا أجر لك.
أما أجر الله لعباده في الآخرة فهو أجر عظيم دائم، فإن ظلمك الناس في تقدير أجرك في الدنيا، فالله تعالى عادل لا يظلم يعطيك بسخاء؛ لأنه المنصف المتفضل، وإن انقطع الأجر في الدنيا فإنه دائم في الآخرة؛ لأنك مهما أخذت من نعيم الدنيا فهو نعيم زائل، إما أن تتركه، وإما أن يتركك.

وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا

والإنذار هنا غير الإنذار الأول، لقد كرر الإنذار ليكون خاصاً بقمة المعاصي، إنذار للذين قالوا اتخذ الله ولداً، أما الإنذار الأول فهو لمطلق الكفر والمعصية، وأما الثاني فهو لإعادة الخاص مع العام، كأن لهؤلاء الذين نسبوا لله الولد عذاباً يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على الحق سبحانه وتعالى.
وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله:

{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا "88" لقد جئتم شيئا إدا "89" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا "90" أن دعوا للرحمن ولدا "91" وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً "92"}
(سورة مريم)

إنها قمة المعاصي أن نخوض في ذات الله تعالى بمقولة تتفطر لها السماء، وتنشق

مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا

فهذه القضية التي ادعوها، وهذه المقولة التي كذبوها على الله من أين أتوا بها؟ الحقيقة أنهم ادعوها ولا علم لهم بها، والعلم إما ذاتي، وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم لا يملكون شيئاً من هذا ويقولون بأمر لا واقع له؛ لذلك يقول تعالى:

{ما لهم به من علمٍ .. "5"}
(سورة الكهف)

وعدم العلم ينشأ من أمرين: إما أن الشيء موجود وأنت لا تعلم به؛ لأنه مستور عنك، وإما لأن الشيء لا وجود له أصلاً، وأنت لا تعلم أنه غير موجود؛ لأن غير الموجود لا يمكن أن يتعلق به علم.
وقوله تعالى:

{كبرت كلمة تخرج من أفواههم .. "5"}
(سورة الكهف)

(كبرت) أي: عظمت وتناهت في الإثم؛ لأنهم تناولوا مسألة فظيعة، كبرت أن تخرج هذه الكلمة من أفواههم.
(كلمة) الكلمة قول مفرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد أو ذهب أو في، فالاسم والفعل والحرب كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تطلق ويراد بها الكلام، فالآية عبرت عن قولهم:

{اتخذ الله ولداً "4"}
(سورة الكهف)

بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة. والواقع أنه ألقى خطبة. ومن ذلك قوله تعالى:

{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون "99" لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها .. "100"}
(سورة المؤمنون)

فسمى قولهم هذا (كلمة). ومنها قوله تعالى:

{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .. "64"}
(سورة آل عمران)

فسمى كل هذا الكلام كلمة. وقوله تعالى:

{تخرج من أفواههم .. "5"}
(سورة الكهف)

أي: أن هذه الكلمة كبرت لأنها خرجت منهم وقالوها فعلاً، ولو أنهم كتموها في نفوسهم ولم يجهروا بها واستعظموا أن تخرج منهم لكانوا في عداد المؤمنين،

<بدليل أن وفد اليمن حينما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله تدور بأنفسنا أفكار عن الله، نتعاظم أن نقولها ـ أي: لا نقدر على النطق بها فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك صريح الإيمان">
إذن: المعيب عليهم أنهم أخرجوا هذه المسألة من أفواههم، وهذا منتهى القبح، فالأفكار والخواطر مهما بلغت من السوء وكتمها صاحبها لا يترتب عليها شيء، وكأنها لم تكن. ثم يقول تعالى:

{إن يقولون إلا كذباً .. "5"}
(سورة الكهف)

أي: ما يقولون إلا كذباً، والكذب ألا يطابق الكلام واقع الأمر، فالعاقل قبل أن يتكلم يدير الكلام على ذهنه ويعرضه على تفكيره، فتأتي النسبة في ذهنه وينطقها لسانه، وهذه النسبة قبل أن يفكر فيها وينطق بها لها واقع.
فمثلاً حين تقول: محمد مجتهد. قبل أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد، وهذه تسمى نسبة ذهنية، فإن قلت: محمد مجتهد فعلاً، فإن النسبة الذهنية الكلامية أصبحت نسبة واقعية، والخبر بها خبر صادق. فإن كانت النسبة الكلامية لا واقع لها كأن لا يوجد شخص اسمه محمد أو وجد ولكنه غير مجتهد، فالخبر هنا كاذب. وهذا هو الأسلوب الخبري الذي يحتمل الصدق أو الكذب.
وهناك الأسلوب الخبري الذي لا يحتمل الصدق، ولا يحتمل الكذب؛ لأن النسبة الواقعية فيه متأخرة عن النسبة الكلامية كما لو قلت: ذاكر دروسك. فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل؛ لذلك لا يوصف الإنشاء بالصدق أو بالكذب.
والتدقيق العلمي يقول: الصدق الحقيقي أن تطابق النسبة الكلامية الواقع والاعتقاد، فإن اعتقدت شيئاً ولم يحدث، فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب؛ لأن هناك فرق بين الخبر والمخبر. وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى:

{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون "1"}
(سورة المنافقون)

فقولهم: إنك لرسول الله نسبة صادقة؛ لأنها تطابق الواقع، إنما هل وافقت معتقدهم؟ لم توافق معتقدهم؛ لذلك شهد الله أنهم كاذبون؛ لأن كلامهم لم يوافق واقعهم الاعتقادي. أو: لأن التكذيب لم يرد به قولهم: إنك لرسول الله وإنما يراد به قولهم: نشهد، فالتكذيب للشهادة لأن الشهادة أن يواطئ القلب اللسان، وهم شهدوا بألسنتهم، ولم تؤمن به قلوبهم.
وهنا لما قالوا (اتخذ الله ولداً)، فهذه نسبة كلامية ليس لها واقع، فهي نسبة كاذبة، فقال تعالى:

{إن يقولون إلا كذباً "5"}
(سورة الكهف)

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
ومعنى:

{باخع نفسك .. "6"}
(سورة الكهف)

أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهاداً يهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله؛ لأنه حمل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيعرضوا ويتولوا عنه فيشيع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحرصه على هدايتهم يكاد يهلك نفسه (أسفاً).
والأسف: الحزن العميق، ومنه قول يعقوب عليه السلام:

{يا أسفي على يوسف .. "84"}
(سورة يوسف)

وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضباً من عبادتهم العجل:

{فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً .. "86"}
(سورة طه)

وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

وكأن هذه الآية تعقيب على سابقتها، وإشارة لرسول الله بأن الدنيا قصيرة، فالمسألة ـ إذن ـ قريبة فلا داعي لأن يهلك نفسه حزناً على عناد قومه، فالدنيا لكل إنسان مدة بقائه بها وعيشه فيها، ولا دخل له بعمرها الحقيقي؛ لأن حياة غيره لا تعود عليه بشيء، وعلى هذا فما أقصر الدنيا، وما أسرع انتهائها، ثم يرجعون إلينا فنجازيهم بما عملوا، فلا تحزن ولا تيأس، ولا تكدر نفسك، لأنهم لم يؤمنوا.
فقوله تعالى:

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها .. "7"}
(سورة الكهف)

أي: كل ما على الأرض هو زينة، والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى، وقد أوضح لنا القرآن هذه المسألة في قوله تعالى:

{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح .. "45"}
(سورة الكهف)

فإياك أن يأخذك هذا الزخرف؛ لأنه زهر سرعان ما يذبل ويصير حطاماً. وقوله:

{لنبلوهم .. "7"}
(سورة الكهف)

البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض؛ لأن المصيبة تكون على من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مسبقاً، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع.
وما أشبه هذه المسألة بالتلميذ الذي يتنبأ له أستاذه بالفشل لما يراه من مقدمات يعرفها عن عقليته وعن اجتهاده والتفاته يحكم من خلالها، فإذا ما دخل التلميذ الاختبار فشل فيه وأخفق، لكن هل يعني هذا أن نلغي الاختبارات في مدارسنا اعتماداً على خبرة المعلم بتلاميذه؟ لابد من الاختبار ليقوم شاهداً واقعياً على من يخفق. إذن معنى:

{لنبلوهم .. "7"}
(سورة الكهف)

أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم.

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا

الصعيد: هو طبقة التراب التي تظهر على وجه الأرض، ولا نبات فيها و(جرزاً) هي الأرض الخالية من النبات، وقد يكون بها نبات، إلا أن الجراد أكله أو جاءته جائحة أهلكته، يقول تعالى:

{أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون "27"}
(سورة السجدة)

ومادام الأمر كذلك والدنيا زخرف سرعان ما يزول، فالأجل قريب، فدعهم لي أختبرهم، وأجازيهم بأعمالهم.

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا

وقد وردت قصة أهل الكهف نتيجة لسؤال كفار مكة الذين أرادوا أن يحرجوا رسول الله، ويروي أنهم أرسلوا رجلين منهم هما: النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أهل الكتاب في المدينة ليسألوهم عن صدق رسول الله، وما خبره عندهم، وما ورد عنه في كتبهم.
وقد كان يهود المدينة قبل البعثة يتوعدون الأوس والخزرج عباد الأصنام ببعثة النبي الجديد، يقولون: لقد أطل زمان نبي نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم؛ لذلك رغب أهل مكة في سؤال يهود المدينة عن صدق رسول اللهن فلما ذهب الرجلان إلى يهود المدينة قالوا: إن أردتم معرفة صدق محمد فاسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو صادق، اسألوه: ما قصة القوم الذين ذهبوا في الدهر مذاهب عجيبة؟ وما قصة الرجل الطواف الذي طاف الأرض شرقاً وغرباً؟ وما الروح؟
وفعلاً ذهب الرجلان إلى رسول الله، وسألاه هذه الأسئلة فقال صلى الله عليه وسلم: "أخبركم بما سألتم عنه غداً" وجاء غد وبعد غد ومرت خمسة عشر يوماً دون أن يوحي لرسول الله شيء من أمر هذه الأسئلة، فشق ذلك على رسول الله وكبر في نفسه أن يعطي وعداً ولا ينجزه.
وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه المسألة أنه قال: "أخبركم بما سألتم عنه غداً" ولم يقل: إن شاء الله؛ ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله .. "24"}
(سورة الكهف)

وهذه الآية في حد ذاتها دليل على صدق رسول الله، وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجاً لغيره، وحتى لا يستنكف أحد إذا استدرك عليه شيء، فهاهو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويعدل له.
فكأن قوله تعالى:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله .. "24"}
(سورة الكهف)

تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربى من توجيه المربي، مادام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإن كان من الخلق، فما بالك إن كان الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟
وإليك مثال لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم، لقد ورد هذا الدرس في قوله تعالى:

{وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين "78"}
(سورة الأنبياء)

فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أن يأخذ صاحب الزرع الغنم التي أكلت زرعه، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك عليها قائلاً: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود إلى ما كان عليه، ثم تعود الغنم إلى صاحبها، والزرع إلى صاحبه.
لذلك قال تعالى بعدها:

{ففهمناها سليمان .. "79"}
(سورة الأنبياء)

ولم يتهم داود بالخطأ، بل قال:

{وكلاً آتينا حكماً وعلماً .. "79"}
(سورة الأنبياء)

ونلحظ هنا أن الاستدراك لم يأت من الأب للابن، فيكون أمراً طبيعياً، بل جاء من الابن للأب ليؤكد على أنه لا غضاضة أن يستدرك الصغير على الكبير، أو الابن على الأب، فالهدف هو الوصول إلى الحق والصواب، وبني الله سليمان في هذه المسألة لم يغض الطرف عن هذا القصور في حكومة أبيه، بل جهر بالحق ونطق به؛ لأن الحق أعز من أي صلة حتى لو كانت صلة الأبوة.

ومن هذه القضية نعلم استدراك الخلق على الخلق أمر طبيعي ومقبول لا يستنكف منه أحد، ومن هنا جاءت فكرة الاستئناف في المحاكم، فلعل القاضي في محكمة الاستئناف يستدرك على زميله في المحكمة الابتدائية، أو يقف على شيء لم يقف عليه، أو يرى جانباً من القضية لم يره.
ولنا هنا وقفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئاً حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، فكأنه أمين حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23"}
(سورة الكهف)

وهو الذي بلغنا:

{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك .. "1"}
(سورة التحريم)

وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر:

{عفا الله عنك لم أذنت لهم .. "43"}
(سورة التوبة)

وغيرها كثير من آيات القرآن؛ لذلك مدحه ربه تعالى بقوله:

{وما هو إلى الغيب بضنينٍ "24"}
(سورة التكوير)

حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي حرفاً واحداً، انظر إلى قوله تعالى:

{ولو تقول علينا بعض الأقاويل "44" لأخذنا منه باليمين "45" ثم لقطعنا منه الوتين "46"}
(سورة الحاقة)

إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يخفي شيئاً.
ألم يكن جديراً بالقوم أن يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكروا في صدقه صلى الله عليه وسلم حين يخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، وكان من المنتظر أن يخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلاً قاطعاً على صدقه فيما يقول؟
والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا أقدمنا على عمل في المستقبل إنما يكرم عبده ويحميه حتى لا يوصف بالكذب إذا لم يحقق ما وعد به، وليس في قولنا: إن شاء الله حجر على أحد، أو تقييد لطموحات البشر كما يدعي البعض أن قول إن شاء الله يلغي التخطيط للمستقبل.
نقول: خطط كما تريد، ودبر من أمرك ما شئت، واصنع من المقدمات ما تراه مناسباً لإنجاح سعيك، لكن ما عليك إن قرنت هذا كله بمشيئة الله، وهي في حد ذاتها عون لك على ما تريد، فإن أخفقت فقد جعلت لنفسك حماية في مشيئة الله، فأنت غير كاذب، والحق تبارك وتعالى لم يشأ بعد أن تنجز ما تسعى إليه.
والحقيقة أن الحدث في المستقبل لا يملكه أحد، ولا يضمنه أحد إلا الله تبارك وتعالى؛ لذلك عليك أن تعلق الفعل على مشيئة الله، فإن قلت مثلاً: سأقابل فلاناً غداً لأكلمه في كذا، فهل تملك أنت من عناصر هذا الحدث شيئاً؟
أضمنت أن تعيش إلى غد؟ أضمنت حياة فلان هذا إلى الغد؟ أضمنت أن موضوع المقابلة باق لا يتغير فيه شيء، ولا يطرأ عليه طارئ؟ إذن: فكيف تقطع بالقول أنك ستفعل غداً كذا؟ قل: إن شاء الله، واخرج من دائرة الحرج هذه.
نعود إلى الآية التي نحن بصددها فالحق سبحانه يقول:

{أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً "9"}
(سورة الكهف)

(أم) حرف من حروف العطف، ويفيد الإضراب عما قبله وتوجيه الاهتمام إلى ما بعده، كما في قوله تعالى:

{قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور .. "16"}
(سورة الرعد)

فالمراد: إن سألك كفار مكة عن مسألة أصحاب الكهف على أنها معضلة يريدون إحراجك بها، فدعك من كلامهم، ودعك من سوء نيتهم، ولا تحسب أن أهل الكهف هي العجيبة الوحيدة لدينا، فالعجائب عندنا كثيرة، وهذه واحدة منها.
و(الكهف): الفجوة في الجبل و(الرقيم) الشيء المرقوم أي: المكتوب عليه كحجر أو نحوه، ولعله حجر كان على باب الكهف رقم عليه أسماء هؤلاء الفتية، ومن ذلك قوله تعالى:

{كتاب مرقوم "9"}
(سورة المطففين)

أي: مكتوب. وقوله:

{كانوا من آياتنا عجباً "9"}
(سورة الكهف)

أي: ليست هذه هي العجيبة الوحيدة، فكل آياتنا عجيبة تستحق التأمل. ثم تأخذ الآيات في تفصيل هذه العجيبة،

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا

(أوى) من المأوى، وهو المكان الذي يأوي الهي الإنسان ويلجأ إليه (الفتية) جمع فتى، وهو الشاب في مقتبل العمر، والشباب هم معقد الآمال في حمل الأعباء والنهوض بكل أمر صعب، وهؤلاء شباب مؤمن وقفوا يحملون راية عقيدتهم وإيمانهم أمام جبروت الكفر وطغيان الشرك، فالفتاء فيهم فتاء إيمان وعقيدة.
لذلك لجأوا إلى الكهف مخلفين وراءهم أموالهم وأهلهم وكل ما يملكون، وفروا بدينهم إلى هذا المكان الضيق الخالي من أي مقوم من مقومات الحياة؛ لأنهم لا يشغلون أنفسهم بهذه المقومات، بل يعلمون أن لهم رباً سيتولى أمرهم؛ لذلك ضرعوا إليه قائلين:

{ربنا آتنا من لدنك رحمة .. "10"}
(سورة الكهف)

أي: رحمة من عندك، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مقومات الحياة، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر، الرحمن هنا لا تكون إلا من الله:

{وهيئ لنا من أمرنا رشداً .. "10"}
(سورة الكهف)

أي: يسر لنا طريقاً سديداً للخير وللحق.
إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرعوا واتجهوا إلى ربهم، فهو وحده القادر على أن يوسع عليهم هذا الضيق، كما قال تعالى:

{فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا .. "43"}
(سورة الأنعام)



[size=12]
[/size]


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يونيو 08, 2008 6:14 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
الخواطر الايمانيه لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى حول سورة الكهف

فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)

يُقَال: ضُرِب الفسطاط على الأرض يعني الخيمة، أي: غُطِّيتْ الأرض بها بعد أنْ كانت فضاءً، والضرب: أن تلمس شيئاً بشيء بشدة شريطة أن يكون المضروب به أقوى من المضروب، وإلاّ كان الضارب ضارباً لنفسه.
لذلك، فالشاعر عندما تكلم عن المعترضين على القدر قال:أَيا هَازِئاً مِنْ صُنُوفِ القَدَرِ بنفْسِـكَ تُعنـف لاَ بالقَـدَروَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضرَبْتَ الحَجَر؟فمعنى: { فَضَرَبْنَا عَلَىا آذَانِهِمْ.. } [الكهف: 11] أي: غطيناها بغطاء محكم يحجبهم عن العالم الخارجي، والضرب على آذانهم هو الرحمة التي دعوا الله بها وطلبوها؛ لأن الإنسان الذي يحمل الفأس مثلاً ويعمل بها إنْ تعب وأجهده العمل يقف بعض الوقت ليستريح، فإنْ تعب من الوقوف قعد، فإنْ تعب من القعود استلقى واضطجع، فإنْ لم يسترح فلا يبقى إلا أن ينام، ففي النوم تهدأ الأعصاب، ويستريح الإنسان، حتى مع الآلام في أعنف الأمراض إذا نام المريض لا يشعر بشيء من الألم؛ لذلك اختار لهم ربهم هذا الوضع ليريحهم به طوال فترة مُكْثهم في الكهف.
فالحق سبحانه ـ إذن ـ هو الضارب، والمضروب هو الآذان، والضرب على الآذان هنا للرحمة لا للعذاب؛ لأن الله تعالى أراد لهم أقصى درجات الراحة والنوم الهادئ الذي لا يُعكّر صَفْوه شيء، والنوم هو الراحة التامة التي تطغى على الآلام العضوية في الذات الإنسانية.
وقد أختار الحق سبحانه الضرب على آذانهم؛ لأن حاسة السمع هي أول الحواس عملاً في الإنسان، وهي أول آلة إدراك تُؤدّي مهمتها في الطفل، كما قال الحق سبحانه وتعالى:{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[النحل: 78]
هذه الحواس هي منافذ العلم والإدراك للإنسان، فلو وضعتَ أصبعك أمام عين الطفل المولود تراه لا يرمش؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، أما لو صرختَ في أُذنه فإنه ينتبه فحاسة السمع تؤدي مهمتها منذ ولادته. وكذلك فالأذن تمتاز أيضاً بأنها الإدراك الوحيد الذي لا يتعطل ولا يتوقف أثناء النوم لأن بها يتم الاستدعاء من النوم.
وهؤلاء الفتية دخلوا وأَوَوْا إلى الكهف، وهو فَجْوة في جبل في صحراء وهي عُرْضة للعواصف والرياح وأصوات الحيوانات وأشياء كثيرة يمكن أن تزعج النائم، فلو تركهم الخالق سبحانه في نومهم هذا على طبيعتهم لأزعجتهم هذه الأصوات وأقلقتْ راحتهم؛ لذلك عطّل حاسة السمع عندهم، وبذلك استطاعوا أن يناموا كل هذه المدة.
ثم يقول تعالى: { فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً } [الكهف: 11] ومعنى عدداً أي: سنين كثيرة؛ لأن القليل لا يُعَدُّ لأنه معروف، فإنْ ذكر العدّ فاعلم أنه للشيء الكثير، كما تقول: فلان عنده مليون عَدّاً ونقداً.
ثم يقول الحق سبحانه: { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىا لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً }.
(/2135)
________________________________________
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)

{ بَعَثْنَاهُمْ } أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا فالأمر إذن ليس موتاً إلا أنهم لما طالتْ مدة نومهم شبَّهها بالموت: { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ.. } [الكهف: 12] أي: الفريقين منهم؛ لأنهم سأل بعضهم بعضاً عن مُدَّة لُبْثهم فقالوا: يوماً أو بعض يوم.
أو: المراد الفريقان من الناس الذين اختلفوا في تحديد مدة نومهم: { أَحْصَىا لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً } [الكهف: 12] أي: لنرى أيّ الفريقين سيُقدِّر مُدّتهم تقديراً صائباً. والأمد: هو المدة وعدد السنين.
والمتأمل في الآيات السابقة يجد فيها ملخصاً للقصة وموجزاً لها، وكأنها برقية سريعة بما حدث، فأهل الكهف فتية مؤمنون فروا بدينهم إلى كهف من الكهوف، وضرب الله على آذانهم فناموا مدة طويلة، ثم بعثهم الله ليعلم مَنْ يحصي مدة نومهم، وهذه البرقية بالطبع لم تُعطِنَا تفصيلاً لكل لقطات القصة؛ لذلك تبدأ الآيات في التفصيل فيقول تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقِّ.. }.
(/2136)
________________________________________
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)

{ نَحْنُ } أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقصُّ ما حدث بالحق، فلو أن القاصَّ غير الله لتُوقّع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من الأحداث لِهَوىً في نفسه، إنما إنْ جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال في آية أخرى:{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ.. }[يوسف: 3]
إذن: هناك قصَص ليس بالحسن، وهو القَصَص غير الدقيق.
فالقصَصُ القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويُصوّر لك كل اللقطات، وكلمة قصة أو قَصَص تدلُّ على دقة التتبع؛ لأنها من قصَّ الأثر أي: تتبَّعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصّاصي الأثر، وهم الذين يتتبعون الواقع.
و { نبَأَهُم } النبأ: هو الخبر العظيم.
ثم يقول تبارك وتعالى: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى.. } [الكهف: 13]
هذا هو تفصيل القصة بعد أنْ لخَّصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناسٌ هذه القصة من قبل، لكنها قُصَّتْ بغير الحق، وغُيّر فيها، لكن قَصّنا لها هو القَصَص الحق الذي لا كذبَ فيه.
فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى:{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتٰهم تَقْوَاهُمْ }[محمد: 17]
وما أشبه هذه المسألة بالمعلِّم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مُجيباً حريصاً على العلم فيُولِيه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات.
ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان و فتاء عقيدة.
والحق سبحانه يقول: { وَرَبَطْنَا عَلَىا قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا... }.
(/2137)
________________________________________
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)

والربط يعني أن تربط على الشيء وتشدّ عليه لتحفظ ما فيه، كما تربط القِرْبة حتى لا يسيل الماء، وتربط الدابة حتى لا تنفلت، وقد وردتْ مادة (ربط) في القرآن كثيراً، منها قوله تعالى في قصة أم موسى:{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىا فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَىا قَلْبِهَا.. }[القصص: 10]
أي: ربط على ما في قلبها من الإيمان بالله الذي أوحى إليها أن تُلْقِيَ بولدها في الماء، ولولا أنْ ربط الله على قلبها وثبّتها لانطلقتْ خلف ولدها تصرخ وتنتحب وتُلفِت إليه الأنظار:{ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا.. }[القصص: 10]
أي: تكشف عن الخُطّة التي أمرها الله بها لنجاة موسى عليه السلام، وهكذا اطمأن قلب أم موسى، وأصبح فؤادها فارغاً ـ أي: من الانفعالات الضارة، ومعلوم أن القلب هو محلُّ الانفعالات، بدليل ما يحدث فيه من اضطراب وزيادة ضربات وتدفُّق للدم عند الغضب مثلاً.
ولا يُسمَّى القلب فؤاداً إلا إذا توقّد بالمشاعر وتحرك بها، وربط الله على قلب أم موسى أحدث لها ضَبْطاً للشعور يحكم تصرفاتها فتأتي سليمة مُتمشّية مع الخطة المرادة.
ومن هنا نأمر الغاضب الذي تغلي الدماء في عروقه بالهدوء وضبط النفس؛ لأن الهدوء سيعينه على الحق، ويُلجم جماح غضبه الذي لا تُحمد عُقباه، ألا ترى التوجيه النبوي في حال الغضب؟ إنه ينصح بتغيير الوضع الذي أنت عليه؛ لأن هذه العملية تحدث لديك نزوعية، تصرف عنك الغضب.
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:{ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ.. }[إبراهيم: 43]
أي: فارغة خالية ليس فيها شيء؛ لأن الشيء إذا فرغته من محتواه امتلأ بالهواء. وهنا يقول الحق سبحانه في أهل الكهف: { وَرَبَطْنَا عَلَىا قُلُوبِهِمْ.. } [الكهف: 14] لتظل بداخلها العقيدة والإيمان بالله لا تتزعزع ولا تُخرِجها الأحداث والشدائد، وهذا من زيادة الهدى الذي أَخبرتْ به الآية السابقة.
وقوله تعالى: { إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. } [الكهف: 14]
قاموا: القيام هنا دليل على مواجهتهم للباطل ووقوفهم في وجهه، وأن الباطل أفزعهم فهُّبوا للتصدِّي له بقولهم: { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. } [الكهف: 14] ولا بُدَّ أنهم سمعوا كلاماً يناقض قولهم، وتعرّضوا في دعوتهم للحرب والاضطهاد، فالآية تعطي صورة لفريقين: فريق الكفر الذي ينكر وجود الله أو يشرك به، وفريق الإيمان الذي يُعلنها مُدوّية: { رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. } [الكهف: 14]
وإنْ كان فريق الكفر يدعو إلى عبادة آلهة من دون الله فإن فريق الإيمان يقول: { لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـاهاً } [الكهف: 14] فإن ادّعَيْنَا إلهاً من دون الله { لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } [الكهف: 14] أي: فقد تجاوزنا الحدّ، وبَعُدْنا عن الصواب.
ثم يقول الحق سبحانه: { هَـاؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً... }.
(/2138)
________________________________________
هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)

وهنا يخبر أهل الكهف الفتية المؤمنون عن قومهم أنهم اتخذوا من دون الله آلهة متعددة، دون أن يكون لهم دليل أو حُجّة واضحة على صِدْق ما ذهبوا إليه من عبادة هذه الآلهة.
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىا عَلَى اللَّهِ كَذِباً } [الكهف: 15] فأفظع الظلم وأقبحه أنْ نفتريَ على الله الكذب، كما قال تعالى:{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }[لقمان: 13]
ثم يقول الحق سبحانه: { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ... }.
(/2139)
________________________________________
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)

هذا حديث الفتية بعضهم إلى بعض: ما دُمْنا اعتزلنا أهل الكفر، ونأينا عن طريقهم، وسلكنا مسلكَ الإيمان بالله الذي يسَّره الله لنا، فهيا بنا إلى الكهف نلجأ إليه ونحتمي فيه فراراً بديننا، ومخافة أن يفتننا القوم عن ديننا.
ويلفتنا هنا إلى فرار هؤلاء الفتية ليس إلى بلد آخر فيه مُتّسع للحياة، بل إلى كهف ضيق في جبل في صحراء، وليس به مُقوّم من مُقوّمات الحياة؛ لذلك ينبهنا الحق سبحانه: إياك أن تقول: إن الكهف ضيق، وكيف يعيشون فيه؟ لأنهم مهاجرون إلى الله لاجئون إليه مُتوكّلون عليه.
لذلك قال بعدها: { يَنْشُرْ لَكُمْ } [الكهف: 16] فالضيق يقابلُه البَسْط والسّعة، لقد قالوا هذه الكلمة وهم واثقون في رحمة الله معتقدون أن الذي هاجروا إليه لن يُسلمهم ولن يخذلهم، وسوف يُوسِّع عليهم برحمته هذا الضيق، وقد وَسَّعه الله عليهم فعلاً حين أنامهم، أَلاَ ترى النائم يربع في الدنيا هنا وهناك ولا تحدُّه حدود؟
ومن هذه السعة ما حدث في قصة نبي الله موسى ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ حينما تبعه فرعون بجنود حتى قال أتباعه:{ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ.. }[الشعراء: 61]، فقد ضاق عليهم الخناق حيث البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، ولا مهربَ لهم فيما يرون من واقع الأمر. فماذا قال موسى لقومه في هذا الموقف؟ قال بملء فيه قوْلَة الواثق من نصر الله:{ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }[الشعراء: 62]
فجاءه التأييد من ربه في التوِّ واللحظة، وفُرّج عنه وعن أصحابه ما يُلاَقون من ضيق المخرج، فأوحى الله إليه:{ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ }[الشعراء: 63]
كذلك هنا: { يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ.. } [الكهف: 16]
ثم يقول تعالى: { وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً } [الكهف: 16] والمراد بالمرفق جمع مرافق، وهي مُقوّمات الحياة التي لا يستغني عنها الإنسان، فلما أنامهم الله أغناهم عن مرافق الحياة، لأنهم إنْ ظلوا في حال اليقظة فلا بُدَّ أنْ يحتاجوا إلى هذه المرافق.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ... }.
(/2140)
________________________________________
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)

بعد أنْ ضرب الله على آذانهم فعصمهم من الأصوات التي تُزعجهم وتُقلِق نومهم عصمهم أيضاً من ضوء الشمس، وقد أثبتت الأبحاث خطر الأشعة خاصة على النائم، وأن للظُّلمة مهمةً، فبها تهدأ الأعصاب وترتاح الأعضاء، والشمس خَلْق من خَلْق الله، لها مَدارٌ ثابت وقانون لا يتخلّف، كما قال تعالى:{ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }[الأنبياء: 33]
ولكن الخالق سبحانه وتعالى خرق لهم نظام الشمس حتى لا يزعجهم ضوؤها فجعلها { تَّزَاوَرُ } أي: تميل عند طلوعها عن الكهف، ومنه الزُّور: أي الميل عن الحق، وازورّ عن الشيء أي: مال عنه، فكانت الشمس إذا طلعتْ تميل عن الكهف جهة اليمين.
{ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ } [الكهف: 17] والقرْض ـ كما هو معلوم ـ أنْ تعطي غيرك شيئاً يحتاج إليه، فكأن الشمس تقرضهم وتسلفهم، كونها لا تدخل عليهم عند غروبها، وهذا أمر ليس من حقهم، فكأنها تقرضهم إياه. ولا شَكَّ أن هذه العملية مظهرٌ من مظاهر قدرة الله التي تصنع الشيء وضده.
ونلحظ أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الفعل للشمس في تزاور وتقرضهم، وكأنها تفعل ذلك من نفسها بعد أنْ ضبط الله تعالى حركتها على هذه الأفعال كما تضبط الآلة اليوم.
وقوله: { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ } [الكهف: 17] أي: في الكهف { ذالِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } [الكهف: 17] وما دامت هذه الأفعال للشمس آيةً من آيات الله، ومعجزة من معجزاته تعالى، فإياك أنْ تعترضَ: كيف تميل الشمس؟ وكيف تُغيِّر اتجاهها؟ لأن الخالق سبحانه خلق الخَلْق، وأعطى لكل مخلوق قانونه الذي يسير به، ومع ذلك لم يترك لكل مخلوق أنْ يفعل بقانونه ما يريد، بل له سبحانه وتعالى قيُّومية على القانون، تبطله إنْ شاء، وتحركه إنْ شاء.
ثم يقول تعالى: { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [الكهف: 17] فقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم، ولا تزال ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن، فهناك دائماً من يقول: إذا كان الله هو الهادي والمُضِل، فلماذا يعذبني إن ضللت؟
وشاع هذا السؤال وأخذه المستشرقون والفلاسفة، ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير الملتزمة، ونقول لكل مجادل: لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب إن ضللت؟ ولماذا لم تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت؟ إن اقتصارك على الأولى دون الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت المسألة التي فيها ضرر، ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم.
والهداية نوعان: هداية دلالة، وهي للجميع، للمؤمن والكافر؛ لأن الحق سبحانه لم يدل المؤمن فقط، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان به، فمن يُقبل على الإيمان به، فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلاً للمعونة، فيأخذ بيده ويعينه، ويجعل الإيمان خفيفاً على قلبه، ويعطي له طاقة لفعل الخير، ويشرح له صدره وييسر له أمره.
فمن شاء الحق سبحانه هدايته أعطاه الهداية، ومن شاء له الضلال زاده ضلالاً، وقد بيّن أن من شاء هدايته يهتدي، وهذه معونة من الله، والكافر لا يهتدي، وكذلك الظالم والفاسق، لأنه سبحانه قد ترك كل واحد منهم لاختياره، وهكذا يمنع الحق سبحانه عنهم هداية المعونة.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ... }.
(/2141)
________________________________________
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)

أي: لو أتيح لك النظر إليهم لخُيّل إليك أنهم أيقاظٌ غير نائمين ذلك لأن ربهم سبحانه حفظهم على حال اليقظة وعلى هيئتها، ثم أظهر فيهم آية أخرى من الإعجاز بأنْ يُقلِّبهم في نومهم مرة ناحية اليمين، وأخرى ناحية الشمال، لتظلّ أجسامهم على حالها، ولا تأكلها الأرض.
ومعلوم أن الإنسان إذا قُدِّر له أنْ ينام فترة طويلة على سرير المرض يُصَاب بمرض آخر يُسمُّونه قرحة الفراش، نتيجة لنومه المستمر على جانب واحد ـ عافانا الله وإياكم ـ وقد جعل لهم هذا التقليب ذات اليمين وذات الشمال على هيئة الإيقاظ.
وقوله: { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ } [الكهف: 18] ويبدو أنهم كانوا من الرعاة، فتبعهم كلبهم وجلس مَادّاً ذراعيْه بفناء الكهف أو على بابه { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } [الكهف: 18] فقد ألقى الله مهابتهم والخوف منهم في نفوس الناس، فإذا ما اطلع عليهم إنسان خاف ووَلّى هارباً يملؤه الرعب؛ لأن هيئتهم تُوحي بذلك، حيث يتقلّبُون يميناً وشمالاً، ومع ذلك لا يصحُو منهم أحد، ولا يقوم منهم أحد طوال هذه المدة.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَكَذالِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ... }
(/2142)
________________________________________
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)

قوله: { بَعَثْنَاهُمْ } أي: أيقظناهم من نومهم؛ لأن نومهم الطويل الذي استغرق ثلاثمائة سنة وتِسْعاً أشبه الموت، فقال { بَعَثْنَاهُمْ } ، والبعْثُ هنا لقضية خاصة بهم، وهي أنْ يسأل بعضهم بعضاً عن مُدّة لُبْثهم في الكهف، وقد انقسموا في سؤالهم هذا إلى فريقين الفريق الأول: { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ.. } [الكهف: 19]
فَردَّ الفريق الآخر بما تقضيه طبيعة الإنسان في النوم العادي فقال: { قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.. } [الكهف: 19] فالإنسان لا يستطيع تقدير مدّة نومه بالضبط، لكن المعتاد في النوم أن يكون كذلك يوماً أو بعض يوم.
وقد أخذ العلماء من هذا القول أنهم حين تساءلوا هذا السؤال لم يجدوا في ذواتهم شيئاً يدلُّ على مرور زمن طويل، حيث وجدوا أنفسهم على الحال التي ناموا عليها، فلم يتغير مثلاً حالهم من الشباب إلى الشيخوخة، ولم يتغير شعرهم مثلاً إلى البياض؛ لذلك قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ولو وجدوا أنفسهم شيباً لقدَّروا الزمن المناسب لهذا الشيب.
وهذه وقفة المشدوه حين يُسْأل عن زمن لا يدري مُدته، إنه طويل عند الله إنما قصير عنده، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة:{ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىا طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَىا حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ.. }[البقرة: 259]
لقد حكم على مُدّة لُبْثه بيوم أو بعض يوم؛ لأنه وجد نفسه على الحال التي عهدها لم يتغير منه شيء، فكيف يتأتّى الصدق من الحق سبحانه في قوله (مائة عام) والصدق في قول العُزَيْر بيوم أو بعض يوم؟
لا شكَّ أننا أمام آية من آيات الخالق سبحانه، ومعجزة من معجزاته لا يقدر عليها إلا المالك للزمان والمكان، القابض للزمان ليوم أو بعض يوم، الباسط له إلى مائة عام.
لذلك أظهر الخالق سبحانه في هذه المعجزة الدليل على صدق القولين: ففي طعام العُزَير الذي ظلَّ على حاله طازجاً لم يتغير دليل على يوم أو بعض يوم، وفي حماره الذي رآه عظاماً بالية دليل على المائة عام، فسبحان الذي يجمع الشيء وضده في آن واحد.
ثم يقول تعالى حكاية عنهم: { قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ.. } [الكهف: 19] وهو قَوْل الجماعة الذين أرادوا إنهاء الخلاف في هذه المسألة، فقالوا لإخوانهم: دعونا من هذه القضية التي لا تفيد، واتركوا أمرها لله تعالى. ودائماً يأمرنا الحق سبحانه بأنْ ننقلَ الجدل من شيء لا ننتهي فيه إلى شيء، ونُحوله للأمر المثمر النافع؛ لذلك قالوا: { فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـاذِهِ إِلَىا الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىا طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } [الكهف: 19]
والوَرِق يعني العملة من الفضة، فأرادوا أنْ يرسلوا أحدهم بما معهم من النقود ليشتري لهم من المدينة طعاماً؛ لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت حالتهم الاستثنائية، وعادوا إلى طبيعتهم؛ لذلك طلبوا الطعام، لكن نلحظ هنا أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام، بل تراهم حريصين على تزكية طعامهم واختيار أَطيبه وأَطْهره، وأبعده عن الحرام.

وكذلك لم يَفُتْهم أنْ يكونوا على حذر من قومهم، فَمْن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن يدخل المدينة خِلْسة، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم، ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها، وما زالوا على حَذَر من قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم، ويسعَوْن للقضاء عليهم.
ثم يقول الحق سبحانه: } إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ... {.
(/2143)
________________________________________
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)

وهذا احتياط منهم للدين، وحماية للعقيدة التي فَرُّوا بها. فإن يرجموكم فسينتصرون عليكم في الدنيا، إنما ستأخذون الآخرة، وإن ردوكم إلى دينهم، فلن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ.. }.
(/2144)
________________________________________
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)

في قوله تعالى: { وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا.. } [الكهف: 21] يقيم من أهل الكهف دليلاً على قيام الساعة والبعث بعد الموت، فها أنتم ما زِلْتم على قَيْد الحياة وفي سَعَة الدنيا، ومع ذلك أنامكم الله هذه النَّوْمة الطويلة ثم بعثكم وقد عُثِر عليهم، وما زالت فيهم حياة.
ثم يقول تعالى: { إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ.. } [الكهف: 21] حدث هذا التنازع من الجماعة الذين عثروا عليهم، ويبدو أنهم كانوا على مِسْحة من الدين، فأرادوا أنْ يحافظوا على هذه الآية الإلهية، ويصحّ أنهم بمجرد أنْ عثروا عليهم قضى أجلهم فماتوا.
وهذه مسألة يجب أن يُؤرّخ لها، وأن تخلد؛ لذلك جعلوها مثلاً شَرُوداً للعالم كله لتُعرف قصة هؤلاء الفتية الذين ضَحَّوْا في سبيل عقيدتهم وفَرُّوا بدينهم من سَعَة الحياة إلى ضيق الكهف؛ ليكونوا مثلاً لكل أهل العقيدة، ودليلاً على أن الله تعالى ينصر أهله ويدافع عنهم ويُخلِّد ذكراهم إلى قيام الساعة.
لذلك قال بعضهم لبعض: { ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً.. } [الكهف: 21] أي: مطلق البنيان، فعارضهم آخرون بأن البناء يجب أن يكون مسجداً: { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىا أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً } [الكهف: 21] ليكون موضعاً للسجود لله وللعبادة ليتناسب مع هذه الآية العظيمة الخالدة.
ثم تحدَّث الحق سبحانه عن الاختلاف التي نشأت عن فضول الناس لمعرفة عدد أهل الكهف، وما يتعلَّق بهم من تفصيلات هي في حقيقتها عِلْم لا ينفع وجَهْل لا يضر، فقال تعالى: { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ... }.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 09, 2008 10:10 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)

لقد اختلف القوم في عدد أهل الكهف، منهم مَنْ قال: ثلاثة رابعهم كلبهم. ومنهم مَنْ قال: خمسة سادسهم كلبهم، وعلَّق الحق سبحانه على هذا القول بأنه { رَجْماً بِالْغَيْبِ }؛ لأنه قَوْل بلا عِلْم، مما يدلُّنا على خطئه ومخالفته للواقع. ومنهم مَنْ قال: سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يعلق القرآن على هذا الرأي مما يدُّل على أنه الأقرب للصواب.
ثم يأتي القول الفَصْل في هذه المسألة: { قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ.. } [الكهف: 22] فلم يُبيّن لنا الحق سبحانه عددهم الحقيقي، وأمرنا أن نترك هذا لعلمه سبحانه، ولا نبحث في أمر لا طائل منه، ولا فائدة من ورائه، فالمهم أنْ يثبت أَصْل القصة وهو: الفتية الأشدّاء في دينهم والذين فَرُّوا به وضَحَّوْا في سبيله حتى لا يفتنهم أهل الكفر والطغيان، وقد لجأوا إلى الكهف ففعل الله بهم ما فعل، وجعلهم آيةً وعبرةً ومثَلاً وقدْوة.
أما فرعيات القصة فهي أمور ثانوية لا تُقدّم ولا تُؤخّر؛ لذلك قال تعالى بعدها: { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً.. } [الكهف: 22] أي: لا تجادل في أمرهم.
ثم يأتي فضول الناس ليسألوا عن زمن القصة ومكانها، وعن أشخاصها وعددهم وأسمائهم، حتى كلبهم تكلموا في اسمه. وهذه كلُّها أمور ثانوية لا تنفع في القصة ولا تضرُّ، ويجب هنا أن نعلم أن القَصَص القرآني حين يبهم أبطاله يبهمهم لحكمة، فلو تأملتَ إبهام الأشخاص في قصة أهل الكهف لوجدته عَيْن البيان لأصل القصة؛ لأن القرآن لو أخبرنا مثلاً عن مكان هؤلاء الفتية لقال البعض: إن هذا الحدث من الفتية خاص بهذا المكان؛ لأنه كان فيه قدر من حرية الرأي.
ولو حدد زمانهم لَقال البعض: لقد حدث ما حدث منهم؛ لأن زمانهم كان من الممكن أن يتأتّى فيه مثل هذا العمل، ولو حدد الأشخاص وعيَّنهم لقالوا: هؤلاء أشخاص لا يتكررون مرة أخرى.
لذلك أبهمهم الله لتتحقّق الفائدة المرجوّة من القصة، أبهمهم زماناً، أبهمهم مكاناً، وأبهمهم عدداً، وأبهمهم أشخاصاً ليشيع خبرهم بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص، فحمل راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عَيْن البيان للقصة، وهذا هو المغزى من هذه القصة.
وانظر إلى قوله تبارك وتعالى: { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ.. } [غافر: 28]
هكذا { رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ } دون أن يذكر عنه شيئاً، فالمهم أن الرجولة في الإيمان، أيّاً كان هذا المؤمن في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، وبأيّ اسم، وبأيّ صفة.
كذلك في قوله تعالى:{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ.. }[التحريم: 10] ولم يذكر عنهما شيئاً، ولم يُشخِّصهما؛ لأن التشخيص هنا لا يفيد، فالمهم والمراد من الآية بيانُ أن الهداية بيد الله وحده، وأن النبي المرسَل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه، وأن للمرأة حريةً عَقَيدة مُطْلقة.

وكذلك في قوله:{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. }[التحريم: 11] ولم يذكر لنا مَنْ هي، ولم يُشخِّصها؛ لأن تعيُّنها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، المهم أن نعلم أن فرعونَ الذي ادَّعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أنْ يحمل امرأته على الإيمان به.
إذن: العقيدة والإيمان أمر شخصيّ قلبي، لا يُجبر عليه الإنسان، وها هي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول:{ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }[التحريم: 11]
أما في قصة مريم، فيقول تعالى:{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ.. }[التحريم: 12] فشخَّصها باسمها، بل واسم أبيها، لماذا؟ قالوا: لأن الحدث الذي ستتعرَّض له حَدَثٌ فريد وشيء خاصٌّ بها لن يتكرر في غيرها؛ لذلك عيَّنها الله وعرَّفها، أما الأمر العام الذي يتكرر، فمن الحكمة أنْ يظلَّ مُبْهماً غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان، كما في قصة أهل الكهف، فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالاً وقُدْوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان.
ثم يقول الحق سبحانه: } وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً {.
(/2146)
________________________________________
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23)

وتتجلى في هذه الآية رحمة الله بالمحبوب محمد صلى الله عليه وسلم فلم يُرِدْ سبحانه وتعالى أن يصدم رسوله بمسألة المخالفة هذه، بل أعطاه ما أراد، وأجابه إلى ما طَلب من مسألة أهل الكهف، ثم في النهاية ذكَّره بهذه المخالفة في أسلوب وَعْظ رقيق: { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ.. } [الكهف: 23-24]
وقد سبق أنْ ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم حينما سأله القوم عن هذه القصة قال: سأجيبكم غداً ولم يَقُلْ: إن شاء الله. فلم يعاجله الله تعالى بالعتاب، بل قضى له حاجته، ثم لفتَ نظره إلى أمر هذه المخالفة، وهذا من رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم.
كما خاطبه بقوله:{ عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. }[التوبة: 43]
فقدَّم العفو أولاً وقرَّره؛ لأن هذه المسألة منتهية ومعلومة للرسول، ثم عاتبه بعد ذلك. كما لو طلب منك شخص عَوْناً أو مساعدة، وقد سبق أنْ أساء إليك، فمن اللياقة أَلاَّ تَصدِمه بأمر الإساءة، وتُذكّره به أولاً، بل اقْضِ له حاجته، ثم ذكّره بما فعل.
والحق سبحانه يقول: { إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ.. }.
(/2147)
________________________________________
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)

أي: على فَرْض أنك نسيت المشيئة ساعة البَدْء في الفعل، فعليك أن تعيدها ثانية لتتدارك ما حدث منك من نسيان في بداية الأمر.
وقوله تعالى: { وَقُلْ عَسَىا أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَداً } [الكهف: 24] أي: يهديني ويعينني، فلا أنسى أبداً، وأن يجعل ذِكْره لازمة من لوازمي في كل عمل من أعمالي فلا أبدأ عملاً إلا بقوْل: إنْ شاء الله.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ... }.
(/2148)
________________________________________
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)

وهذه الآية تعطينا لقطةً من المذكرة التفصيلية التي أعطاها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف، وهي تُحدِّد عدد السنين التي قضاها الفِتْية في كهفهم بأنها ثلاثمائة سنة، وهذا هو عددها الفعليّ بحساب الشمس.
لذلك؛ فالحق سبحانه لم يَقُلْ ثلاثمائة وتسعاً، بل قال: { وَازْدَادُواْ تِسْعاً } [الكهف: 25] ولما سمع أهل الكتاب هذا القول اعترضوا وقالوا: نعرف ثلاثمائة سنة، ولكن لا نعرف التسعة؛ ذلك لأن حسابهم لهذه المدة كان حساباً شمسياً.
ومعلوم أن الخالق سبحانه حينما خلق السماوات والأرض قسَّم الزمن تقسيماً فلكياً، فجعل الشمس عنواناً لليوم، نعرفه بشروقها وغروبها، ولما كانت الشمس لا تدلّنا على بداية الشهر جعل الخالق سبحانه الشهر مرتبطاً بالقمر الذي يظهر هلالاً في أول كل شهر، وقد قال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.. } [التوبة: 36]
فلو حسبتَ الثلاثمائة سنة هذه بالحساب القمري لوجدتها ثلاثمائة سنة وتسعاً، إذن: هي في حسابكم الشمسي ثلاثمائة سنة، وفي حسابنا القمري ثلاثمائة وتسعاً. ونعرف أن السنة الميلادية تزيد عن الهجرية بأحد عشر يوماً تقريباً في كل عام.
ومن حكمة الخالق سبحانه أن ترتبط التوقيتات في الإسلام بالأهلة، ولك أن تتصور لو ارتبط الحج مثلاً بشهر واحد من التوقيت الشمسي في طقس واحد لا يتغير، فإنْ جاء الحج في الشتاء يظل هكذا في كل عام، وكم في هذا من مشقة على مَنْ لا يناسبهم الحج في فصل الشتاء. والأمر كذلك في الصيام.
أما في التوقيت القمري فإن هذه العبادات تدور بمدار العام، فتأتي هذه العبادات مرة في الصيف، ومرة في الخريف، ومرة في الشتاء، ومرة في الربيع، فيؤدي كل إنسان هذه العبادة في الوقت الذي يناسبه؛ لذلك قالوا: يا زمن وفيك كل الزمن.
والمتأمل في ارتباط شعائر الإسلام بالدورة الفلكية يجد كثيراً من الآيات والعجائب، فلو تتبعتَ مثلاً الأذان للصلاة في ظل هذه الدورة لوجدت أن كلمة " الله أكبر " نداء دائم لا ينقطع في ليل أو نهار من مُلْك الله تعالى، وفي الوقت الذي تنادي فيه " الله أكبر " يُنادي آخر " أشهد ألا إله إلا الله " وينادي آخر " أشهد أن محمداً رسول الله " وهكذا دواليك في منظومة لا تتوقف.
وكذلك في الصلاة، ففي الوقت الذي تصلي أنت الظهر، هناك آخرون يُصلّون العصر، وآخرون يُصلُّون المغرب، وآخرون يُصلّون العشاء، فلا يخلو كَوْنُ الله في لحظة من اللحظات من قائم أو راكع أو ساجد. إذن: فلفظ الأذان وأفعال الصلاة شائعة في كُلِّ أوقات الزمن، وبكُلّ ألوان العبادة.
ثم يقول الحق سبحانه: { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. }.
(/2149)
________________________________________
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)

الأسلوب في قوله تعالى: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ.. } [الكهف: 26] وأسلوب تعجُّب أي: ما أشدّ بصره، وما أشدّ سمعه؛ لأنه البصر والسمع المستوعب لكلِّ شيء بلا قانون.
وقوله: { مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف: 26] كأن الحق سبحانه وتعالى يُطمئِن عباده بأن كلامه حَقٌّ لا يتغير ولا يتبدل؛ لأنه سبحانه واحد أحد لا شريك له يمكن أن يُغيّر كلامه.
ثم يقول الحق سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.. }.
(/2150)
________________________________________
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)

أي بعد هذه الأسئلة التي سألك كفار مكة إياها، وأخبرك الله بها فأجبتهم، اعلم أن لك رباً رفيقاً بك، لا يتخلّى عنك ولا يتركك لكيدهم، فإنْ أرادوا أن يصنعوا لك مأزقاً أخرجك الله منه، وإياك أنْ تظنَّ أن العقبات التي يقيمها خصومك ستُؤثّر في أمر دعوتك.
وإنْ أبطأتْ نُصْرة الله لك فاعلم أن الله يريد أنْ يُمحِّص جنود الحق الذين يحملون الرسالة إلى أن تقوم الساعة، فلا يبقى في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الناضجون، فالأحداث والشدائد التي تمرُّ بطريق الدعوة إنما لتغربل أهل الإيمان حتى لا يصمد فيها إلا مَنْ هو مأمون على حَمْل هذه العقيدة.
وقوله: { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.. } [الكهف: 27] لأن كلمات الله لا يستطيع أحد أنْ يُبدِّلها إلا أنْ يكون معه سبحانه إله آخر، فما دام هو سبحانه إلهاً واحداً لا شريك له، فاعلم أن قوله الحق الذي لا يُبدّل ولا يُغيّر: { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } [الكهف: 27] أي: ملجأ تذهب إليه؛ لأن حَسْبك الله وهو نِعْم الوكيل، كما قال تعالى:{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىا عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذالِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىا لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[العنكبوت: 51]
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَواةِ وَالْعَشِيِّ... }.
(/2151)
________________________________________
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)

نزلتْ هذه الآية في " أهل الصُّفَّة " وهم جماعة من أهل الله انقطعوا للعبادة فتناولتهم ألسنة الناس واعترضوا عليهم، لماذا لا يعملون؟ ولماذا لا يشتغلون كباقي الناس؟ بل وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: نريد أن تلتفت إلينا، وأن تترك هؤلاء المجاذيب، فأنزل الله تعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم.. } [الكهف: 28]
لذلك علينا حينما نرى مثل هؤلاء الذين نُسمِّيهم المجاذيب الذين انقطعوا لعبادة الله أن لا نحتقرهم، ولا نُقلِّل من شأنهم أو نتهمهم؛ لأن الله تعالى جعلهم موازين للتكامل في الكون، ذلك أن صاحب الدنيا الذي انغمس فيها وعاش لها وباع دينه من أجل دُنْياه حينما يرى هذا العابد قد نفض يديه من الدنيا، وألقاها وراء ظهره، وراح يستند إلى حائط المسجد مُمدّداً رجلاً، لا تعنيه أمور الدنيا بما فيها.
ومن العجيب أن صاحب الدنيا هذا العظيم صاحب الجاه تراه إنْ أصابه مكروه أو نزلتْ به نازلة يُهْرَع إلى هذا الشيخ يُقبّل يديه ويطلب منه الدعاء، وكأن الخالق سبحانه جعل هؤلاء المجاذيب ليرد بهم جماح أهل الدنيا المنهمكين في دوامتها المغرورين بزهرتها.
وأيضاً، كثيراً ما ترى أهل الدنيا في خِدْمة هؤلاء العباد، ففي يوم من الأيام قُمْنا لصلاة المغرب في مسجد سيدنا الحسين، وكان معنا رجل كبير من رجال الاقتصاد، فإذا به يُخرج مبلغاً من المال ويطلب من العامل صرفه إلى جنيهات، فأتى العامل بالمبلغ في صورة جنيهات من الحجم الصغير، فإذا برجل الاقتصاد الكبير يقول له: لا، لا بُدَّ من جنيهات من الحجم الكبير؛ لأن فلاناً المجذوب على باب الحسين لا يأخذ إلا بالجنيه الكبير، فقلت في نفسي: سبحان الله مجذوب على باب المسجد وشغل أكبر رجل اقتصاد في مصر، ويحرص الرجل على إرضائه ويعطيه ما يريد.
ثم يقول تعالى: { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ.. } [الكهف: 28] أي: اجعل عينيك فيهم، ولا تصرفها عنهم إلى غيرهم من أهل الدنيا؛ لأن مَدد النظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد للمؤمن { تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. } [الكهف: 28] لأنك إنْ فعلتَ ذلك وانصرفتَ عنهم، فكأنك تريد زينة الحياة الدنيا وزخارفها.
وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بملازمة أهل الصُّفَّة وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما يُقوِّي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا دَيْدنهم وشاغلهم الشاغل عبادة الله والتقرُّب إليه.
لكن، هل المطلوب أن يكون الناس جميعاً كأهل الصُّفَّة منقطعين للعبادة؟ بالطبع لا، فالحق سبحانه وتعالى جعلهم بين الناس قِلّة، في كل بلد واحد أو اثنان ليكونوا أُسْوة تُذكِّر الناس وتكبح جماح تطلّعاتهم إلى الدنيا.

ومن العجيب أن ترى البعض يدَّعي حال هؤلاء، ويُوهِم الناس أنه مجذوب، وأنه وَليٌّ نَصْباً واحتيالاً، والشيء لا يُدَّعَى إلا إذا كانت من ورائه فائدة، كالذي يدَّعي الطب أو يدَّعي العلم لما رأى من مَيْزات الطبيب والعالم. فلما رأى البعض حال هؤلاء المجاذيب، وكيف أنهم عزفوا عن الدنيا فجاءتْ إليهم تدقُّ أبوابهم، وسعى إليهم أهلها بخيراتها، فضلاً عَمَّا لهم من مكانة ومنزلة في النفس ومحبة في القلوب.
فلماذا ـ إذنْ ـ لا يدعون هذه الحال؟ ولماذا لا ينعمون بكل هذه الخيرات دون أدنى مجهود؟ وما أفسد على هؤلاء العباد حالَهم، وما خاض الناس في سيرتهم إلا بسبب هذه الطبقة الدخيلة المدَّعية التي استمرأتْ حياة الكسل والهوان.
ثم يقول تعالى: } وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا.. { [الكهف: 28] لأنه لا يأمرك بالانصراف عن هؤلاء والالتفات إلى أهل الدنيا إلا مَنْ غفل عن ذكر الله، أما مَن اطمأن قلبه إلى ذِكْرنا وذاق حلاوة الإيمان فإنه لا يأمر بمثل هذا الأمر، بل هو أقرب ما يكون إلى هؤلاء المجاذيب الأولياء من أهل الصُّفَّة، بل وربما تراوده نفسه أن يكون مثلهم، فكيف يأمر بالانصراف عنهم؟
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم الموقف من الدنيا في قوله: " أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خدمك فاستخدميه.. " فالدنيا بأهلها في خدمة المؤمن الذي يعمر الإيمانُ قلبه، وليس في باله إلا الله في كل ما يأتي أو يَدَع.
وقوله تعالى: } وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.. { [الكهف: 28] أي: أن هذا الذي يُحرِّضك على أهل الصُّفَّة ما غفل قلبه عن ذكرنا إلا لأنه سار خلف هواه، فأخذه هواه وألهاه عن ذكر الله، فما دام قد انشغل بشيء يوافق هواه فلن يهتم بمطلوب الله، إنه مشغول بمطلوب نفسه؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تِبَعاً لما جئتُ به ".
فالمؤمن الحق سليم الإيمان مَنْ كان هواه ورغبته موافقة لمنهج الله، لا يحيد عنه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى:{ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ.. }[المؤمنون: 71]
وقوله تعالى: } وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً { [الكهف: 28] أي: كان أمره ضياعاً وهباءً، فكأنه أضاع نفسه.
ثم يقول الحق سبحانه: } وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن... {.
(/2152)
________________________________________
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)

قوله تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: قُلِ الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يَقُلْ من الله، لأن الكل معتقد أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىا يُؤْفَكُونَ }[الزخرف: 87]
وقوله:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ }[لقمان: 25]
فمعنى: { مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: بإقراركم أنتم، فالذي خلقكم وربّاكم وتعهدكم هو الذي نزَّل لكم هذا الحق و { رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: ليس ربي وحدي، بل ربكم وربّ الناس جميعاً.
والحق: هو الشيء الثابت، وما دام من الله فلن يُغيِّره أحد؛ لأن الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئاً ويجهل شيئاً مُقبلاً، وبعد ذلك يُعدِّل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يَخْفَى عليه شيء ولا يَعْزُب عن عمله شيء، لذلك لا استدراك على حُكْم من أحكامه من أحد من خلقه.
فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدَّك بالنعم، وهو الذي يُربّيك كما يُربِّي الوالد ولده؛ لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية فمطلوبها تكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تُقيِّد اختياراتهم والإنسان بطبعه لا يميل إلى ما يُقيّد اختياراته؛ لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها ليس لها مطلوبات.
فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره: بماذا أمرك معبودك؟ وعَمَّا نهاك؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن: فلهم أن يقولوا: نِعْمَ هذا الإله، ونِعْمَ هذا الدين؛ لأنه يتركني بحريتي أفعل ما أريد.
لذلك؛ نجد الذين يدَّعُون ألوهية، أو يدعون نُبوّة دائماً يميلون إلى تخفيف المناهج؛ لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعُب على الناس؛ لأن فيها حَجْراً على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادَّعى مسيلمة النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعتّ سجاح النبوة خففتْ الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم؟
وما أشبه مُدَّعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعَرَضٍ من الدنيا، فيُفْتون الناس بتحليل ما حرَّم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى هان أمر الدين على الناس. والدين وإنْ كان فطرياً في النفس الإنسانية إلا أن الإنسان يميل إلى مَنْ يُخفِّف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويصدقونهم، وترى الواحد منهم يُكذِّب نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد.
إذن: ما دُمْتم مؤمنين بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، كما نقول في المثل: (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي)، ومع ذلك ورغم فضل الله ونعمه عليهم قُلْ لهم: لا جبرَ في الإيمان { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.

. { [الكهف: 29] لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم.
وقد جاء في الحديث القدسي: " إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضُرّي فتضروني، ولو أن أوّلكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ".
" ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كُلٌّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمِغْرز إبرة إذا غمسها أحدكم في بحر، وذلك أَنَّي جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقولَ له كُنْ فيكون ".
إذن: فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى:{ مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا.. }[فصلت: 46] لكني أحب لخَلْقي أن يكونوا دائماً على خير مني، فأنا أعطيهم خير الدنيا، وأحب أيضاً أن أعطيهم خير الآخرة.
جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.. }[الكهف: 28]
وكان خصوم الإسلام حينما يَرَوْنَ الدعوة تنتشر شيئاً فشيئاً يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على مَنْ يؤمن، ولكن من جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وَفْداً، قالوا: يا محمد إنّا بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، لقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدخِلْه أحد قبلك، شتمتَ آلهتنا وسفَّهْتَ أحلامنا وسبَبْت ديننا، فإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإنْ كنت تريد جاهاً سوَّدناكَ علينا، وجعلناك رئيسنا، وإنْ كنت تريد مُلْكاً ملكْناك.
فقال صلى الله عليه وسلم: " والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإنْ أنتم أطعتُم فبها، وإلاَّ فإنَّ الله ناصري عليكم ".
وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون سِراً يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بُغْيتهم قالوا: نتوسل إليك بمَنْ تحب، فربما خجل أنْ يقبلَ منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه مَنْ يحبه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: " والله، يا عَمِّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أتركَ هذا الأمر ما تركته، حتى يُظِهره الله، أو أَهْلِك دونه ".
فلما فشلت هذه المحاولة أيضاً أتَوْهُ من ناحية ثالثة، فقالوا: ننتهي إلى أمر هو وسط بيننا وبينك: دَعْكَ من هؤلاء الفقراء، واصْرِف وجهك عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجِّه وجهك إلينا، فأنزل الله:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ.. }[الكهف: 28]
ثم بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي أًَنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أُنزِل عليهم؛ لأن رسول الله إنما أُرسِلَ ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه الموازين، فيأمرون رسول الله بأنْ يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجّه إليهم؟
لذلك قال: } وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.

. { [الكهف: 29] لأنه بعثني بالحق رسولاً إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، فإنْ كنتم تريدون توجيهي حسْب أهوائكم فقد انقلبتْ المسألة، ودعوتكم لي أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعُون ربهم بالغداة والعشيّ وأتوجه إليكم، فهذا دليل على عدم صِدْق إيمانكم، وأنكم لستم جادِّين في اتباعي؛ لذلك فلا حاجة بي إليكم.
ثم يقول تعالى: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] أي: ادخلوا على هذا الأساس: أن كل حَقٍّ ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أردّه إليكم، بل الحق الذي أرسلني الله به إليكم، وعلى هذا مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر.
والأمر في هذه الآية سبق أنْ أوضحناه فقلنا: إذا وجدنا أمراً بغير مطلوب فلنفهم أن الأمر استُعمِل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل: العب كما تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه.
وهكذا في: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] وإلا لو أخذتَ الآية على إطلاقها لَكانَ مَنْ آمن مطيعاً للأمر: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن.. { [الكهف: 29] والعاصي أيضاً مطيع للأمر: } وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] فكلاهما ـ إذن ـ مطيع، فكيف تُعذِّب واحداً دون الآخر؟
فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما هو للتسوية والتهديد، أي: سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في هذه المسألة؛ لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غنيّ عنكم وعن إيمانكم، وكذلك خَلْق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضاً أغنياء عنكم، فاستغناء الله عنكم مَسْحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر دين الله دونكم.
وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أُذن صناديد الكفر وعُتَاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم؛ لأن لهم مكانةً وسيادة بين قبائل العرب.
ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأْتِ نصر الإسلام على يد هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل: إنهم أَلِفُوا النصر وألفوا السيادة على العرب، وقد تعصَّبوا لواحد منهم ليسُودوا به الدنيا كلها، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد.
ثم يقول الحق سبحانه: } إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. { [الكهف: 29]
والعذاب هنا لمن اختار الكفر، لكن لماذا تُهوّل الآية وتُفخِّم أمر العذاب؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه الإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل لينتهوا عن الجريمة، وينأوْا عن أسبابها، إذن: فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد؛ لأن خَوْف العذاب سيمنعهم من الجريمة.

ومعنى } أَعْتَدْنَا { أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مُسْبقاً، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومُعدَّة ومُجهّزة، لا أنها ستُعَدُّ في المستقبل، وقد أُعِدَّتْ إعداد قادر حكيم، فأعدَّ الله الجنة لتتسع لكل الخَلْق إنْ آمنوا، وأعدّ النار لتتسع لكل الخلق إنْ كفروا، فإنْ آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وَفّر مكانه في النار، والذي كفر وفَّر مكانه في الجنة.
لذلك قال تعالى في هذه المسألة:{ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }[الزخرف: 72]
إذن: فخَلْق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماماً، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبداً، بل لكلٍّ مكانه المعدّ المخصّص.
وقوله تعالى: } لِلظَّالِمِينَ.. { [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقاً وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حَقَّ الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قَدْر ظُلْمه، إلا أن يكون مشركاً. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتُر عنه، فإنْ ظلم المؤمن ظلماً دون الشرك فإنه يُعذَّب به، ثم يُدخِله الله الجنة، إنْ لم يتُبْ، وإنْ لم يغفر الله له.
وقوله تعالى: } أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. { [الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقاً على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خالٍ من النار؛ لأن رؤيته لمكان خَالٍ من النار قد تُوحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أنْ يؤيسَهم من الخروج.
ثم يقول تعالى: } وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 29]
الاستغاثة: صَرْخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى:{ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. }[إبراهيم: 22] أي: حين يصرخون من العذاب لا أستطيع أنْ أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي.
فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب } يُغَاثُواْ { يتبادر إلى الذِّهْن أنهم يُغَاثُون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يُخفّف عنهم العذاب.. لا } يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ.. { [الكهف: 29] أي: فإنْ طلبوا الغَوْث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل.
والمهْل هو عُكَارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدُّرْدِيّ، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غَلْي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ويُعذَّبون من حيث ينتظرون الرحمة.
وقوله تعالى هنا: } يُغَاثُواْ { أسلوب تهكميّ؛ لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أنْ تخاطب المخاطب على مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، فإنْ أخرجتَ المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إنْ أردتَ التهكُّمَ أو الاستهزاء.

إذن: فقوله تعالى: } وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ.. { [الكهف: 29] تهكّم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط.
ومعنى: } يَشْوِي الْوجُوهَ.. { [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: } بِئْسَ الشَّرَابُ.. { [الكهف: 29]أي: الذي يغاثون به } وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء الذي يضع الإنسان عليه مِرْفقه ليجلس مُستريحاً، لكن بالله هل هناك راحة في جهنم؟
إذن: فهذه أيضاً من التهكّم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى مخاطباً جبابرة الدنيا وأعزّتها وأصحاب العظمة فيها مِمَّنْ عَصَوْا الله: } ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ { [الدخان: 49]
والحق سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة منها استخدام كلمة (النُّزُل) وهو ما يُعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }[الكهف: 107]
وقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }[فصلت: 30-32] فالذي أَعَدَّ هذا النُّزُل وهذه الضيافة هو الغفور الرحيم، والذي يُعِد نُزُلاً لضيفه يُعِدّه على قَدْر غِنَاه وبَسْطة كرمه، فما بالك بنُزل أعدّه الله لأحبابه وأوليائه؟
وذيّل الآية بقوله:{ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }[فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو همَّ بها، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أنْ تذكرَ ما كان منك وأنت في هذا النُّزُل الكريم، فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك.
والحديث عن النُّزل هنا في الجنة، فهي محلُّ الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار فهو للتهكُّم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى:{ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ }[الواقعة: 92-93]
فقد استخدم النزل في غير مقتضاه.
بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] أراد سبحانه أنْ يُبيّن حكم كُلٍّ من الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللَّفِّ والنشر، وهو أسلوب معروف في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تُورِد أحكامها حَسْب ترتيبها الأول، أو تذكرها مُشوَّشة دون ترتيب.
ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللَّفُّ والنشْر على الترتيب قوله تعالى:{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. }[القصص: 73]
أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار.

فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر:قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسان وخالقي هذه أربع مُخْبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول:قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسَانُ وخالِقِي رَاضٍ وباكٍ شَاكِرٌ وغَفُورُفتكون على الترتيب: قلبي راضٍ، وجفني باكٍ، ولساني شاكر، وخالقي غفور.
ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقةً بأن نباهةَ السامع ستردُّ كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن قال: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولاً: } إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً.. { [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }[الكهف: 30]
وليكُنْ في الاعتبار أن المتكلم رَبٌّ حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلّم عن الإيمان جعله اختياراً خاضعاً لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجّح أن يكونَ الإيمانُ أولاً وأنْ يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أنْ " دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة ".
ثم يقول الحق سبحانه: } إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ... {.
(/2153)
________________________________________
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)

وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العملَ الصالح؛ لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أنْ تُوثّق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنتَ به؛ لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدّة من كتاب الله، منها قوله تعالى:{ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ }[العصر: 1-3]
ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمانُ العملَ الصالح فإنهم سيتعرضون ولا بُدّ لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحمّلوا عِبء الدعوة وصبروا على الأذى في سبيل إيمانهم بالله تعالى.
ثم يقول تعالى: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30]
نلاحظ أن { مَنْ } هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل سبحانه: إنَّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يُحسِن العمل قد يكون كافراً، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حَقّه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا.
فالكافر إن اجتهد واحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يُحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تُعجَّل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حَظَّ له في الآخرة.
ويقول تبارك وتعالى:{ وَقَدِمْنَآ إِلَىا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }[الفرقان: 23]
ويقول تعالى:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً }[الإسراء: 18]
ويقول تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىا إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور: 39]
فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظّهم في الدنيا ألواناً من النعيم والمدح والثناء، وخُلِّدتْ ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل والاحتفالات؛ لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فُوجئ بوجود إله لم يكُنْ يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره مِمَّن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يَبْقَ لهم شيء في الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: { أُوْلَـائِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ... }.
(/2154)
________________________________________
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

{ أُوْلَـائِكَ } أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات { لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ.. } [الكهف: 31]الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتُطلق إطلاقاً شرعياً وإطلاقاً لغوياً. أما الشرعي: فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي: فهي المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تُوارِي مَنْ سار فيها وتستره؛ ومادة الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل والجن مخلوقات لا ترى والجُنّة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم.. الخ.
وقلنا: إن الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن شيء غيبيّ يُحدِّثنا بما يوجد في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يُوجَد المعنى أولاً ثم يوجد اللفظ الدالّ عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإنْ نُطِق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يُحدِّثنا الله عنها غيباً كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر "
إذن: فمن أين نأتي بالألفاظ الدَّالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها؟ لذلك يُعبِّر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف الذي يُميّزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى:{ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله: { غَيْرِ آسِنٍ } ليميز ماء الآخرة عن ماء الدنيا، وكذلك في:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ }[محمد: 15]
فالخمر في الدنيا معروفة؛ لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها يبتلعها بسرعة؛ لأنه لا يستسيغ لها طعماً أو رائحة، كما تشرب مثلاً كوباً من العصير رشفة رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال العقول على خلاف خمر الآخرة؛ لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميَّزها بأنها لذة، وخَمْر الدنيا ليست كذلك؛ لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، والعين إدراكاتها أقلّ من إدراكات الأذن؛ لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول: " ولا خطر على قلب بشر " فوسَّع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه.
وكذلك في قوله تعالى:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف العسل فميَّزه هنا بأنه مُصفّى، ومعروف أن العسل قديماً كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلَقُ به الحصى والرمل؛ لذلك مُيِّز عسل الجنة بأنه مُصفّى.
وكذلك في قوله سبحانه:{ سِدْرٍ مَّخْضُودٍ }[الواقعة: 28] ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك سِدْر الجنة؛ لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يُدْمِي يديك كسِدْر الدنيا.

وهنا ميَّز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال: } جَنَّاتُ عَدْنٍ.. { [الكهف: 31] أي: إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك جنات الدنيا، فهَبْ أن واحداً يتمتع في الدنيا بالدُّور والقصور في الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له؟ إن جنات الدنيا مهما عَظُم نعيمها، إما أنْ تفوتك، وإما أنْ تفوتها.
والعَدْن اسم للجَنّة، فهناك فَرْق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق خاصة، فالمؤمن في الجنة له مسكن خاص في جنة عدن.
ويقول تعالى عن أنهار الجنة:{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.. }[محمد: 12]
وفي آية أخرى يقول:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] ليعطينا صورتين لجريان الماء، ففي قوله:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] يدلُّ على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه أحد عنك أنْ يَسُدَّه دونك؛ لذلك يقول لك: اطمئن فالماء يجري } مِن تَحْتِهَا { أي: من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك.
وفي هذه الآية كأنَّ الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني عليها، خُذْ مثلاً المسطحات المائية للنيل، أو الريَّاح التوفيقي من القناطر الخيرية حتى دمياط لَوجدْتَ مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أنْ نقيم المساكن الكافية لسُّكْنى أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخُضْرة وللزرع ولِقُوتِ الناس.
ويمكن أن تُطبَّق هذه الطريقة أيضاً في الريف، فيقيم الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية.
لقد هجمتْ الحركة العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب لتوسيع القاهرة توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء لكل منزل.
إذن: في الآية لفتة يمكن أنْ تحلَّ لنا أزمة الإسكان، وتحمي لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى: } يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. { [الكهف: 31] وقد يقول قائل: وما هذه الأساور من الذهب التي يتحلَّى بها الرجال؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في طموحات الإنسان في زُخْرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يُسمَّى (بالانسيال) وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول تعالى:{ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ.. }[الإنسان: 21]
ومرة أخرى يقول:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }[فاطر: 33]
فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن.

ونلحظ في قوله تعالى:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. }[الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل } يُحَلَّوْنَ { أي: حلاَّهم غيرهم ولم يقل يتحلون؛ لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال: } وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ { [الكهف: 31]
فأتى بالفعل مبنياً للمعلوم؛ لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قُدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ.. }[يونس: 58]
أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته؛ لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ذلك لأنك لو نظرتَ إلى عملك لوجدتَه بعد تكليفك الذي كلفت به في سِنِّ البلوغ، وقد عِشْت طوال هذه المدة ترتع في نِعَم الله ورزقه دون أنْ يُكلِّفك بشيء؛ لذلك مهما قَدَّمْتَ لله تعالى من طاعات، فلن تفَِي بما أنعم به عليك.
وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلاً من الله عليك، لأنك أخذتَ حقك سابقاً ومُقدَّماً في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: } يَلْبَسُونَ.. { [الكهف: 31] أي: بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: } يُحَلَّوْنَ { كالرجل الذي يُجهِّز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزُخْرف الحياة من نجف أو سَجَّاد أو خلافه.
واللباس من ضروريات الحياة التي امتنّ الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى:{ يَابَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً.. }[الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفَخْفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسُّندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: الحرير الغليظ السميك.
وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة } إِسْتَبْرَقٍ { وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة (آمين) التي نتخذها شعاراً في الصلاة وأصلها يمني أو حبشي. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟
نقول: هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعةَ نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظاً عربية دارتْ على الألسنة، وجرتْ مجرى الكلمة العربية.
ومن الكلمات التي دخلتْ العربية حديثاً استخدمت ككلمة عربية (بنك)، وربما كانت أخفّ في الاستعمال من كلمة (مصرف)؛ لذلك أقرَّها مَجْمع اللغة العربية وأدخلها العربية.

إذن: فهذا القول يمكن أن يُقبَل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئاً أولياً، وأدخلها في اللغة ولم تكُن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جُزْءاً من لغتهم.
ثم يقول تعالى: } مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ.. { [الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يُريحه، والأرائك: هي السُّرر التي لها حِلْية مثل الناموسية مثلاً. } نِعْمَ الثَّوَابُ.. { [الكهف: 31] كلام منطقيّ: } وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 31] أي: أن هذا هو مُقْتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار:{ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً }[الكهف: 29]


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يونيو 10, 2008 12:06 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)

لقد اختلف القوم في عدد أهل الكهف، منهم مَنْ قال: ثلاثة رابعهم كلبهم. ومنهم مَنْ قال: خمسة سادسهم كلبهم، وعلَّق الحق سبحانه على هذا القول بأنه { رَجْماً بِالْغَيْبِ }؛ لأنه قَوْل بلا عِلْم، مما يدلُّنا على خطئه ومخالفته للواقع. ومنهم مَنْ قال: سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يعلق القرآن على هذا الرأي مما يدُّل على أنه الأقرب للصواب.
ثم يأتي القول الفَصْل في هذه المسألة: { قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ.. } [الكهف: 22] فلم يُبيّن لنا الحق سبحانه عددهم الحقيقي، وأمرنا أن نترك هذا لعلمه سبحانه، ولا نبحث في أمر لا طائل منه، ولا فائدة من ورائه، فالمهم أنْ يثبت أَصْل القصة وهو: الفتية الأشدّاء في دينهم والذين فَرُّوا به وضَحَّوْا في سبيله حتى لا يفتنهم أهل الكفر والطغيان، وقد لجأوا إلى الكهف ففعل الله بهم ما فعل، وجعلهم آيةً وعبرةً ومثَلاً وقدْوة.
أما فرعيات القصة فهي أمور ثانوية لا تُقدّم ولا تُؤخّر؛ لذلك قال تعالى بعدها: { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً.. } [الكهف: 22] أي: لا تجادل في أمرهم.
ثم يأتي فضول الناس ليسألوا عن زمن القصة ومكانها، وعن أشخاصها وعددهم وأسمائهم، حتى كلبهم تكلموا في اسمه. وهذه كلُّها أمور ثانوية لا تنفع في القصة ولا تضرُّ، ويجب هنا أن نعلم أن القَصَص القرآني حين يبهم أبطاله يبهمهم لحكمة، فلو تأملتَ إبهام الأشخاص في قصة أهل الكهف لوجدته عَيْن البيان لأصل القصة؛ لأن القرآن لو أخبرنا مثلاً عن مكان هؤلاء الفتية لقال البعض: إن هذا الحدث من الفتية خاص بهذا المكان؛ لأنه كان فيه قدر من حرية الرأي.
ولو حدد زمانهم لَقال البعض: لقد حدث ما حدث منهم؛ لأن زمانهم كان من الممكن أن يتأتّى فيه مثل هذا العمل، ولو حدد الأشخاص وعيَّنهم لقالوا: هؤلاء أشخاص لا يتكررون مرة أخرى.
لذلك أبهمهم الله لتتحقّق الفائدة المرجوّة من القصة، أبهمهم زماناً، أبهمهم مكاناً، وأبهمهم عدداً، وأبهمهم أشخاصاً ليشيع خبرهم بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص، فحمل راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عَيْن البيان للقصة، وهذا هو المغزى من هذه القصة.
وانظر إلى قوله تبارك وتعالى: { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ.. } [غافر: 28]
هكذا { رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ } دون أن يذكر عنه شيئاً، فالمهم أن الرجولة في الإيمان، أيّاً كان هذا المؤمن في أيّ زمان، وفي أيّ مكان، وبأيّ اسم، وبأيّ صفة.
كذلك في قوله تعالى:{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ.. }[التحريم: 10] ولم يذكر عنهما شيئاً، ولم يُشخِّصهما؛ لأن التشخيص هنا لا يفيد، فالمهم والمراد من الآية بيانُ أن الهداية بيد الله وحده، وأن النبي المرسَل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه، وأن للمرأة حريةً عَقَيدة مُطْلقة.

وكذلك في قوله:{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ.. }[التحريم: 11] ولم يذكر لنا مَنْ هي، ولم يُشخِّصها؛ لأن تعيُّنها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، المهم أن نعلم أن فرعونَ الذي ادَّعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أنْ يحمل امرأته على الإيمان به.
إذن: العقيدة والإيمان أمر شخصيّ قلبي، لا يُجبر عليه الإنسان، وها هي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول:{ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }[التحريم: 11]
أما في قصة مريم، فيقول تعالى:{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ.. }[التحريم: 12] فشخَّصها باسمها، بل واسم أبيها، لماذا؟ قالوا: لأن الحدث الذي ستتعرَّض له حَدَثٌ فريد وشيء خاصٌّ بها لن يتكرر في غيرها؛ لذلك عيَّنها الله وعرَّفها، أما الأمر العام الذي يتكرر، فمن الحكمة أنْ يظلَّ مُبْهماً غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان، كما في قصة أهل الكهف، فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالاً وقُدْوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان.
ثم يقول الحق سبحانه: } وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً {.
(/2146)
________________________________________
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23)

وتتجلى في هذه الآية رحمة الله بالمحبوب محمد صلى الله عليه وسلم فلم يُرِدْ سبحانه وتعالى أن يصدم رسوله بمسألة المخالفة هذه، بل أعطاه ما أراد، وأجابه إلى ما طَلب من مسألة أهل الكهف، ثم في النهاية ذكَّره بهذه المخالفة في أسلوب وَعْظ رقيق: { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذالِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ.. } [الكهف: 23-24]
وقد سبق أنْ ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم حينما سأله القوم عن هذه القصة قال: سأجيبكم غداً ولم يَقُلْ: إن شاء الله. فلم يعاجله الله تعالى بالعتاب، بل قضى له حاجته، ثم لفتَ نظره إلى أمر هذه المخالفة، وهذا من رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم.
كما خاطبه بقوله:{ عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. }[التوبة: 43]
فقدَّم العفو أولاً وقرَّره؛ لأن هذه المسألة منتهية ومعلومة للرسول، ثم عاتبه بعد ذلك. كما لو طلب منك شخص عَوْناً أو مساعدة، وقد سبق أنْ أساء إليك، فمن اللياقة أَلاَّ تَصدِمه بأمر الإساءة، وتُذكّره به أولاً، بل اقْضِ له حاجته، ثم ذكّره بما فعل.
والحق سبحانه يقول: { إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ.. }.
(/2147)
________________________________________
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)

أي: على فَرْض أنك نسيت المشيئة ساعة البَدْء في الفعل، فعليك أن تعيدها ثانية لتتدارك ما حدث منك من نسيان في بداية الأمر.
وقوله تعالى: { وَقُلْ عَسَىا أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَداً } [الكهف: 24] أي: يهديني ويعينني، فلا أنسى أبداً، وأن يجعل ذِكْره لازمة من لوازمي في كل عمل من أعمالي فلا أبدأ عملاً إلا بقوْل: إنْ شاء الله.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ... }.
(/2148)
________________________________________
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)

وهذه الآية تعطينا لقطةً من المذكرة التفصيلية التي أعطاها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف، وهي تُحدِّد عدد السنين التي قضاها الفِتْية في كهفهم بأنها ثلاثمائة سنة، وهذا هو عددها الفعليّ بحساب الشمس.
لذلك؛ فالحق سبحانه لم يَقُلْ ثلاثمائة وتسعاً، بل قال: { وَازْدَادُواْ تِسْعاً } [الكهف: 25] ولما سمع أهل الكتاب هذا القول اعترضوا وقالوا: نعرف ثلاثمائة سنة، ولكن لا نعرف التسعة؛ ذلك لأن حسابهم لهذه المدة كان حساباً شمسياً.
ومعلوم أن الخالق سبحانه حينما خلق السماوات والأرض قسَّم الزمن تقسيماً فلكياً، فجعل الشمس عنواناً لليوم، نعرفه بشروقها وغروبها، ولما كانت الشمس لا تدلّنا على بداية الشهر جعل الخالق سبحانه الشهر مرتبطاً بالقمر الذي يظهر هلالاً في أول كل شهر، وقد قال تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.. } [التوبة: 36]
فلو حسبتَ الثلاثمائة سنة هذه بالحساب القمري لوجدتها ثلاثمائة سنة وتسعاً، إذن: هي في حسابكم الشمسي ثلاثمائة سنة، وفي حسابنا القمري ثلاثمائة وتسعاً. ونعرف أن السنة الميلادية تزيد عن الهجرية بأحد عشر يوماً تقريباً في كل عام.
ومن حكمة الخالق سبحانه أن ترتبط التوقيتات في الإسلام بالأهلة، ولك أن تتصور لو ارتبط الحج مثلاً بشهر واحد من التوقيت الشمسي في طقس واحد لا يتغير، فإنْ جاء الحج في الشتاء يظل هكذا في كل عام، وكم في هذا من مشقة على مَنْ لا يناسبهم الحج في فصل الشتاء. والأمر كذلك في الصيام.
أما في التوقيت القمري فإن هذه العبادات تدور بمدار العام، فتأتي هذه العبادات مرة في الصيف، ومرة في الخريف، ومرة في الشتاء، ومرة في الربيع، فيؤدي كل إنسان هذه العبادة في الوقت الذي يناسبه؛ لذلك قالوا: يا زمن وفيك كل الزمن.
والمتأمل في ارتباط شعائر الإسلام بالدورة الفلكية يجد كثيراً من الآيات والعجائب، فلو تتبعتَ مثلاً الأذان للصلاة في ظل هذه الدورة لوجدت أن كلمة " الله أكبر " نداء دائم لا ينقطع في ليل أو نهار من مُلْك الله تعالى، وفي الوقت الذي تنادي فيه " الله أكبر " يُنادي آخر " أشهد ألا إله إلا الله " وينادي آخر " أشهد أن محمداً رسول الله " وهكذا دواليك في منظومة لا تتوقف.
وكذلك في الصلاة، ففي الوقت الذي تصلي أنت الظهر، هناك آخرون يُصلّون العصر، وآخرون يُصلُّون المغرب، وآخرون يُصلّون العشاء، فلا يخلو كَوْنُ الله في لحظة من اللحظات من قائم أو راكع أو ساجد. إذن: فلفظ الأذان وأفعال الصلاة شائعة في كُلِّ أوقات الزمن، وبكُلّ ألوان العبادة.
ثم يقول الحق سبحانه: { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. }.
(/2149)
________________________________________
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)

الأسلوب في قوله تعالى: { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ.. } [الكهف: 26] وأسلوب تعجُّب أي: ما أشدّ بصره، وما أشدّ سمعه؛ لأنه البصر والسمع المستوعب لكلِّ شيء بلا قانون.
وقوله: { مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً } [الكهف: 26] كأن الحق سبحانه وتعالى يُطمئِن عباده بأن كلامه حَقٌّ لا يتغير ولا يتبدل؛ لأنه سبحانه واحد أحد لا شريك له يمكن أن يُغيّر كلامه.
ثم يقول الحق سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.. }.
(/2150)
________________________________________
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)

أي بعد هذه الأسئلة التي سألك كفار مكة إياها، وأخبرك الله بها فأجبتهم، اعلم أن لك رباً رفيقاً بك، لا يتخلّى عنك ولا يتركك لكيدهم، فإنْ أرادوا أن يصنعوا لك مأزقاً أخرجك الله منه، وإياك أنْ تظنَّ أن العقبات التي يقيمها خصومك ستُؤثّر في أمر دعوتك.
وإنْ أبطأتْ نُصْرة الله لك فاعلم أن الله يريد أنْ يُمحِّص جنود الحق الذين يحملون الرسالة إلى أن تقوم الساعة، فلا يبقى في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الناضجون، فالأحداث والشدائد التي تمرُّ بطريق الدعوة إنما لتغربل أهل الإيمان حتى لا يصمد فيها إلا مَنْ هو مأمون على حَمْل هذه العقيدة.
وقوله: { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.. } [الكهف: 27] لأن كلمات الله لا يستطيع أحد أنْ يُبدِّلها إلا أنْ يكون معه سبحانه إله آخر، فما دام هو سبحانه إلهاً واحداً لا شريك له، فاعلم أن قوله الحق الذي لا يُبدّل ولا يُغيّر: { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } [الكهف: 27] أي: ملجأ تذهب إليه؛ لأن حَسْبك الله وهو نِعْم الوكيل، كما قال تعالى:{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىا عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذالِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىا لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[العنكبوت: 51]
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَواةِ وَالْعَشِيِّ... }.
(/2151)
________________________________________
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)

نزلتْ هذه الآية في " أهل الصُّفَّة " وهم جماعة من أهل الله انقطعوا للعبادة فتناولتهم ألسنة الناس واعترضوا عليهم، لماذا لا يعملون؟ ولماذا لا يشتغلون كباقي الناس؟ بل وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: نريد أن تلتفت إلينا، وأن تترك هؤلاء المجاذيب، فأنزل الله تعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم.. } [الكهف: 28]
لذلك علينا حينما نرى مثل هؤلاء الذين نُسمِّيهم المجاذيب الذين انقطعوا لعبادة الله أن لا نحتقرهم، ولا نُقلِّل من شأنهم أو نتهمهم؛ لأن الله تعالى جعلهم موازين للتكامل في الكون، ذلك أن صاحب الدنيا الذي انغمس فيها وعاش لها وباع دينه من أجل دُنْياه حينما يرى هذا العابد قد نفض يديه من الدنيا، وألقاها وراء ظهره، وراح يستند إلى حائط المسجد مُمدّداً رجلاً، لا تعنيه أمور الدنيا بما فيها.
ومن العجيب أن صاحب الدنيا هذا العظيم صاحب الجاه تراه إنْ أصابه مكروه أو نزلتْ به نازلة يُهْرَع إلى هذا الشيخ يُقبّل يديه ويطلب منه الدعاء، وكأن الخالق سبحانه جعل هؤلاء المجاذيب ليرد بهم جماح أهل الدنيا المنهمكين في دوامتها المغرورين بزهرتها.
وأيضاً، كثيراً ما ترى أهل الدنيا في خِدْمة هؤلاء العباد، ففي يوم من الأيام قُمْنا لصلاة المغرب في مسجد سيدنا الحسين، وكان معنا رجل كبير من رجال الاقتصاد، فإذا به يُخرج مبلغاً من المال ويطلب من العامل صرفه إلى جنيهات، فأتى العامل بالمبلغ في صورة جنيهات من الحجم الصغير، فإذا برجل الاقتصاد الكبير يقول له: لا، لا بُدَّ من جنيهات من الحجم الكبير؛ لأن فلاناً المجذوب على باب الحسين لا يأخذ إلا بالجنيه الكبير، فقلت في نفسي: سبحان الله مجذوب على باب المسجد وشغل أكبر رجل اقتصاد في مصر، ويحرص الرجل على إرضائه ويعطيه ما يريد.
ثم يقول تعالى: { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ.. } [الكهف: 28] أي: اجعل عينيك فيهم، ولا تصرفها عنهم إلى غيرهم من أهل الدنيا؛ لأن مَدد النظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد للمؤمن { تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. } [الكهف: 28] لأنك إنْ فعلتَ ذلك وانصرفتَ عنهم، فكأنك تريد زينة الحياة الدنيا وزخارفها.
وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بملازمة أهل الصُّفَّة وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما يُقوِّي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا دَيْدنهم وشاغلهم الشاغل عبادة الله والتقرُّب إليه.
لكن، هل المطلوب أن يكون الناس جميعاً كأهل الصُّفَّة منقطعين للعبادة؟ بالطبع لا، فالحق سبحانه وتعالى جعلهم بين الناس قِلّة، في كل بلد واحد أو اثنان ليكونوا أُسْوة تُذكِّر الناس وتكبح جماح تطلّعاتهم إلى الدنيا.

ومن العجيب أن ترى البعض يدَّعي حال هؤلاء، ويُوهِم الناس أنه مجذوب، وأنه وَليٌّ نَصْباً واحتيالاً، والشيء لا يُدَّعَى إلا إذا كانت من ورائه فائدة، كالذي يدَّعي الطب أو يدَّعي العلم لما رأى من مَيْزات الطبيب والعالم. فلما رأى البعض حال هؤلاء المجاذيب، وكيف أنهم عزفوا عن الدنيا فجاءتْ إليهم تدقُّ أبوابهم، وسعى إليهم أهلها بخيراتها، فضلاً عَمَّا لهم من مكانة ومنزلة في النفس ومحبة في القلوب.
فلماذا ـ إذنْ ـ لا يدعون هذه الحال؟ ولماذا لا ينعمون بكل هذه الخيرات دون أدنى مجهود؟ وما أفسد على هؤلاء العباد حالَهم، وما خاض الناس في سيرتهم إلا بسبب هذه الطبقة الدخيلة المدَّعية التي استمرأتْ حياة الكسل والهوان.
ثم يقول تعالى: } وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا.. { [الكهف: 28] لأنه لا يأمرك بالانصراف عن هؤلاء والالتفات إلى أهل الدنيا إلا مَنْ غفل عن ذكر الله، أما مَن اطمأن قلبه إلى ذِكْرنا وذاق حلاوة الإيمان فإنه لا يأمر بمثل هذا الأمر، بل هو أقرب ما يكون إلى هؤلاء المجاذيب الأولياء من أهل الصُّفَّة، بل وربما تراوده نفسه أن يكون مثلهم، فكيف يأمر بالانصراف عنهم؟
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم الموقف من الدنيا في قوله: " أوحى الله إلى الدنيا: مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خدمك فاستخدميه.. " فالدنيا بأهلها في خدمة المؤمن الذي يعمر الإيمانُ قلبه، وليس في باله إلا الله في كل ما يأتي أو يَدَع.
وقوله تعالى: } وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.. { [الكهف: 28] أي: أن هذا الذي يُحرِّضك على أهل الصُّفَّة ما غفل قلبه عن ذكرنا إلا لأنه سار خلف هواه، فأخذه هواه وألهاه عن ذكر الله، فما دام قد انشغل بشيء يوافق هواه فلن يهتم بمطلوب الله، إنه مشغول بمطلوب نفسه؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تِبَعاً لما جئتُ به ".
فالمؤمن الحق سليم الإيمان مَنْ كان هواه ورغبته موافقة لمنهج الله، لا يحيد عنه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى:{ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ.. }[المؤمنون: 71]
وقوله تعالى: } وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً { [الكهف: 28] أي: كان أمره ضياعاً وهباءً، فكأنه أضاع نفسه.
ثم يقول الحق سبحانه: } وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن... {.
(/2152)
________________________________________
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)

قوله تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: قُلِ الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يَقُلْ من الله، لأن الكل معتقد أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىا يُؤْفَكُونَ }[الزخرف: 87]
وقوله:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ }[لقمان: 25]
فمعنى: { مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: بإقراركم أنتم، فالذي خلقكم وربّاكم وتعهدكم هو الذي نزَّل لكم هذا الحق و { رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: ليس ربي وحدي، بل ربكم وربّ الناس جميعاً.
والحق: هو الشيء الثابت، وما دام من الله فلن يُغيِّره أحد؛ لأن الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئاً ويجهل شيئاً مُقبلاً، وبعد ذلك يُعدِّل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يَخْفَى عليه شيء ولا يَعْزُب عن عمله شيء، لذلك لا استدراك على حُكْم من أحكامه من أحد من خلقه.
فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدَّك بالنعم، وهو الذي يُربّيك كما يُربِّي الوالد ولده؛ لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية فمطلوبها تكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تُقيِّد اختياراتهم والإنسان بطبعه لا يميل إلى ما يُقيّد اختياراته؛ لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها ليس لها مطلوبات.
فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره: بماذا أمرك معبودك؟ وعَمَّا نهاك؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن: فلهم أن يقولوا: نِعْمَ هذا الإله، ونِعْمَ هذا الدين؛ لأنه يتركني بحريتي أفعل ما أريد.
لذلك؛ نجد الذين يدَّعُون ألوهية، أو يدعون نُبوّة دائماً يميلون إلى تخفيف المناهج؛ لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعُب على الناس؛ لأن فيها حَجْراً على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادَّعى مسيلمة النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعتّ سجاح النبوة خففتْ الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم؟
وما أشبه مُدَّعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعَرَضٍ من الدنيا، فيُفْتون الناس بتحليل ما حرَّم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى هان أمر الدين على الناس. والدين وإنْ كان فطرياً في النفس الإنسانية إلا أن الإنسان يميل إلى مَنْ يُخفِّف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويصدقونهم، وترى الواحد منهم يُكذِّب نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد.
إذن: ما دُمْتم مؤمنين بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، كما نقول في المثل: (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي)، ومع ذلك ورغم فضل الله ونعمه عليهم قُلْ لهم: لا جبرَ في الإيمان { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.

. { [الكهف: 29] لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم.
وقد جاء في الحديث القدسي: " إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضُرّي فتضروني، ولو أن أوّلكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ".
" ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كُلٌّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمِغْرز إبرة إذا غمسها أحدكم في بحر، وذلك أَنَّي جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقولَ له كُنْ فيكون ".
إذن: فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى:{ مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا.. }[فصلت: 46] لكني أحب لخَلْقي أن يكونوا دائماً على خير مني، فأنا أعطيهم خير الدنيا، وأحب أيضاً أن أعطيهم خير الآخرة.
جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.. }[الكهف: 28]
وكان خصوم الإسلام حينما يَرَوْنَ الدعوة تنتشر شيئاً فشيئاً يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على مَنْ يؤمن، ولكن من جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وَفْداً، قالوا: يا محمد إنّا بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، لقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدخِلْه أحد قبلك، شتمتَ آلهتنا وسفَّهْتَ أحلامنا وسبَبْت ديننا، فإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإنْ كنت تريد جاهاً سوَّدناكَ علينا، وجعلناك رئيسنا، وإنْ كنت تريد مُلْكاً ملكْناك.
فقال صلى الله عليه وسلم: " والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإنْ أنتم أطعتُم فبها، وإلاَّ فإنَّ الله ناصري عليكم ".
وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون سِراً يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بُغْيتهم قالوا: نتوسل إليك بمَنْ تحب، فربما خجل أنْ يقبلَ منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه مَنْ يحبه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: " والله، يا عَمِّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أتركَ هذا الأمر ما تركته، حتى يُظِهره الله، أو أَهْلِك دونه ".
فلما فشلت هذه المحاولة أيضاً أتَوْهُ من ناحية ثالثة، فقالوا: ننتهي إلى أمر هو وسط بيننا وبينك: دَعْكَ من هؤلاء الفقراء، واصْرِف وجهك عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجِّه وجهك إلينا، فأنزل الله:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ.. }[الكهف: 28]
ثم بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي أًَنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أُنزِل عليهم؛ لأن رسول الله إنما أُرسِلَ ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه الموازين، فيأمرون رسول الله بأنْ يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجّه إليهم؟
لذلك قال: } وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.

. { [الكهف: 29] لأنه بعثني بالحق رسولاً إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، فإنْ كنتم تريدون توجيهي حسْب أهوائكم فقد انقلبتْ المسألة، ودعوتكم لي أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعُون ربهم بالغداة والعشيّ وأتوجه إليكم، فهذا دليل على عدم صِدْق إيمانكم، وأنكم لستم جادِّين في اتباعي؛ لذلك فلا حاجة بي إليكم.
ثم يقول تعالى: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] أي: ادخلوا على هذا الأساس: أن كل حَقٍّ ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أردّه إليكم، بل الحق الذي أرسلني الله به إليكم، وعلى هذا مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر.
والأمر في هذه الآية سبق أنْ أوضحناه فقلنا: إذا وجدنا أمراً بغير مطلوب فلنفهم أن الأمر استُعمِل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل: العب كما تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه.
وهكذا في: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] وإلا لو أخذتَ الآية على إطلاقها لَكانَ مَنْ آمن مطيعاً للأمر: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن.. { [الكهف: 29] والعاصي أيضاً مطيع للأمر: } وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] فكلاهما ـ إذن ـ مطيع، فكيف تُعذِّب واحداً دون الآخر؟
فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما هو للتسوية والتهديد، أي: سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في هذه المسألة؛ لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غنيّ عنكم وعن إيمانكم، وكذلك خَلْق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضاً أغنياء عنكم، فاستغناء الله عنكم مَسْحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر دين الله دونكم.
وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أُذن صناديد الكفر وعُتَاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم؛ لأن لهم مكانةً وسيادة بين قبائل العرب.
ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأْتِ نصر الإسلام على يد هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل: إنهم أَلِفُوا النصر وألفوا السيادة على العرب، وقد تعصَّبوا لواحد منهم ليسُودوا به الدنيا كلها، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد.
ثم يقول الحق سبحانه: } إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. { [الكهف: 29]
والعذاب هنا لمن اختار الكفر، لكن لماذا تُهوّل الآية وتُفخِّم أمر العذاب؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه الإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل لينتهوا عن الجريمة، وينأوْا عن أسبابها، إذن: فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد؛ لأن خَوْف العذاب سيمنعهم من الجريمة.

ومعنى } أَعْتَدْنَا { أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مُسْبقاً، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومُعدَّة ومُجهّزة، لا أنها ستُعَدُّ في المستقبل، وقد أُعِدَّتْ إعداد قادر حكيم، فأعدَّ الله الجنة لتتسع لكل الخَلْق إنْ آمنوا، وأعدّ النار لتتسع لكل الخلق إنْ كفروا، فإنْ آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وَفّر مكانه في النار، والذي كفر وفَّر مكانه في الجنة.
لذلك قال تعالى في هذه المسألة:{ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }[الزخرف: 72]
إذن: فخَلْق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماماً، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبداً، بل لكلٍّ مكانه المعدّ المخصّص.
وقوله تعالى: } لِلظَّالِمِينَ.. { [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقاً وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حَقَّ الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قَدْر ظُلْمه، إلا أن يكون مشركاً. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتُر عنه، فإنْ ظلم المؤمن ظلماً دون الشرك فإنه يُعذَّب به، ثم يُدخِله الله الجنة، إنْ لم يتُبْ، وإنْ لم يغفر الله له.
وقوله تعالى: } أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. { [الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقاً على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خالٍ من النار؛ لأن رؤيته لمكان خَالٍ من النار قد تُوحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أنْ يؤيسَهم من الخروج.
ثم يقول تعالى: } وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 29]
الاستغاثة: صَرْخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى:{ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. }[إبراهيم: 22] أي: حين يصرخون من العذاب لا أستطيع أنْ أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي.
فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب } يُغَاثُواْ { يتبادر إلى الذِّهْن أنهم يُغَاثُون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يُخفّف عنهم العذاب.. لا } يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ.. { [الكهف: 29] أي: فإنْ طلبوا الغَوْث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل.
والمهْل هو عُكَارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدُّرْدِيّ، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غَلْي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ويُعذَّبون من حيث ينتظرون الرحمة.
وقوله تعالى هنا: } يُغَاثُواْ { أسلوب تهكميّ؛ لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أنْ تخاطب المخاطب على مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، فإنْ أخرجتَ المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إنْ أردتَ التهكُّمَ أو الاستهزاء.

إذن: فقوله تعالى: } وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ.. { [الكهف: 29] تهكّم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط.
ومعنى: } يَشْوِي الْوجُوهَ.. { [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: } بِئْسَ الشَّرَابُ.. { [الكهف: 29]أي: الذي يغاثون به } وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء الذي يضع الإنسان عليه مِرْفقه ليجلس مُستريحاً، لكن بالله هل هناك راحة في جهنم؟
إذن: فهذه أيضاً من التهكّم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى مخاطباً جبابرة الدنيا وأعزّتها وأصحاب العظمة فيها مِمَّنْ عَصَوْا الله: } ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ { [الدخان: 49]
والحق سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة منها استخدام كلمة (النُّزُل) وهو ما يُعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }[الكهف: 107]
وقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }[فصلت: 30-32] فالذي أَعَدَّ هذا النُّزُل وهذه الضيافة هو الغفور الرحيم، والذي يُعِد نُزُلاً لضيفه يُعِدّه على قَدْر غِنَاه وبَسْطة كرمه، فما بالك بنُزل أعدّه الله لأحبابه وأوليائه؟
وذيّل الآية بقوله:{ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }[فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو همَّ بها، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أنْ تذكرَ ما كان منك وأنت في هذا النُّزُل الكريم، فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك.
والحديث عن النُّزل هنا في الجنة، فهي محلُّ الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار فهو للتهكُّم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى:{ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ }[الواقعة: 92-93]
فقد استخدم النزل في غير مقتضاه.
بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] أراد سبحانه أنْ يُبيّن حكم كُلٍّ من الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللَّفِّ والنشر، وهو أسلوب معروف في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تُورِد أحكامها حَسْب ترتيبها الأول، أو تذكرها مُشوَّشة دون ترتيب.
ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللَّفُّ والنشْر على الترتيب قوله تعالى:{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. }[القصص: 73]
أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار.

فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر:قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسان وخالقي هذه أربع مُخْبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول:قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسَانُ وخالِقِي رَاضٍ وباكٍ شَاكِرٌ وغَفُورُفتكون على الترتيب: قلبي راضٍ، وجفني باكٍ، ولساني شاكر، وخالقي غفور.
ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقةً بأن نباهةَ السامع ستردُّ كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن قال: } فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. { [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولاً: } إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً.. { [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }[الكهف: 30]
وليكُنْ في الاعتبار أن المتكلم رَبٌّ حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلّم عن الإيمان جعله اختياراً خاضعاً لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجّح أن يكونَ الإيمانُ أولاً وأنْ يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أنْ " دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة ".
ثم يقول الحق سبحانه: } إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ... {.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يونيو 10, 2008 6:16 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)

وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العملَ الصالح؛ لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أنْ تُوثّق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنتَ به؛ لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدّة من كتاب الله، منها قوله تعالى:{ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ }[العصر: 1-3]
ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمانُ العملَ الصالح فإنهم سيتعرضون ولا بُدّ لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحمّلوا عِبء الدعوة وصبروا على الأذى في سبيل إيمانهم بالله تعالى.
ثم يقول تعالى: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30]
نلاحظ أن { مَنْ } هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل سبحانه: إنَّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يُحسِن العمل قد يكون كافراً، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حَقّه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا.
فالكافر إن اجتهد واحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يُحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تُعجَّل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حَظَّ له في الآخرة.
ويقول تبارك وتعالى:{ وَقَدِمْنَآ إِلَىا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }[الفرقان: 23]
ويقول تعالى:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً }[الإسراء: 18]
ويقول تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىا إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور: 39]
فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظّهم في الدنيا ألواناً من النعيم والمدح والثناء، وخُلِّدتْ ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل والاحتفالات؛ لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فُوجئ بوجود إله لم يكُنْ يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره مِمَّن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يَبْقَ لهم شيء في الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: { أُوْلَـائِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ... }.
(/2154)
________________________________________
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

{ أُوْلَـائِكَ } أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات { لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ.. } [الكهف: 31]الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتُطلق إطلاقاً شرعياً وإطلاقاً لغوياً. أما الشرعي: فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي: فهي المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تُوارِي مَنْ سار فيها وتستره؛ ومادة الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل والجن مخلوقات لا ترى والجُنّة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم.. الخ.
وقلنا: إن الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن شيء غيبيّ يُحدِّثنا بما يوجد في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يُوجَد المعنى أولاً ثم يوجد اللفظ الدالّ عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإنْ نُطِق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يُحدِّثنا الله عنها غيباً كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر "
إذن: فمن أين نأتي بالألفاظ الدَّالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها؟ لذلك يُعبِّر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف الذي يُميّزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى:{ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله: { غَيْرِ آسِنٍ } ليميز ماء الآخرة عن ماء الدنيا، وكذلك في:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ }[محمد: 15]
فالخمر في الدنيا معروفة؛ لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها يبتلعها بسرعة؛ لأنه لا يستسيغ لها طعماً أو رائحة، كما تشرب مثلاً كوباً من العصير رشفة رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال العقول على خلاف خمر الآخرة؛ لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميَّزها بأنها لذة، وخَمْر الدنيا ليست كذلك؛ لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، والعين إدراكاتها أقلّ من إدراكات الأذن؛ لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول: " ولا خطر على قلب بشر " فوسَّع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه.
وكذلك في قوله تعالى:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف العسل فميَّزه هنا بأنه مُصفّى، ومعروف أن العسل قديماً كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلَقُ به الحصى والرمل؛ لذلك مُيِّز عسل الجنة بأنه مُصفّى.
وكذلك في قوله سبحانه:{ سِدْرٍ مَّخْضُودٍ }[الواقعة: 28] ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك سِدْر الجنة؛ لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يُدْمِي يديك كسِدْر الدنيا.

وهنا ميَّز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال: } جَنَّاتُ عَدْنٍ.. { [الكهف: 31] أي: إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك جنات الدنيا، فهَبْ أن واحداً يتمتع في الدنيا بالدُّور والقصور في الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له؟ إن جنات الدنيا مهما عَظُم نعيمها، إما أنْ تفوتك، وإما أنْ تفوتها.
والعَدْن اسم للجَنّة، فهناك فَرْق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق خاصة، فالمؤمن في الجنة له مسكن خاص في جنة عدن.
ويقول تعالى عن أنهار الجنة:{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.. }[محمد: 12]
وفي آية أخرى يقول:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] ليعطينا صورتين لجريان الماء، ففي قوله:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] يدلُّ على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه أحد عنك أنْ يَسُدَّه دونك؛ لذلك يقول لك: اطمئن فالماء يجري } مِن تَحْتِهَا { أي: من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك.
وفي هذه الآية كأنَّ الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني عليها، خُذْ مثلاً المسطحات المائية للنيل، أو الريَّاح التوفيقي من القناطر الخيرية حتى دمياط لَوجدْتَ مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أنْ نقيم المساكن الكافية لسُّكْنى أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخُضْرة وللزرع ولِقُوتِ الناس.
ويمكن أن تُطبَّق هذه الطريقة أيضاً في الريف، فيقيم الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية.
لقد هجمتْ الحركة العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب لتوسيع القاهرة توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء لكل منزل.
إذن: في الآية لفتة يمكن أنْ تحلَّ لنا أزمة الإسكان، وتحمي لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى: } يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. { [الكهف: 31] وقد يقول قائل: وما هذه الأساور من الذهب التي يتحلَّى بها الرجال؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في طموحات الإنسان في زُخْرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يُسمَّى (بالانسيال) وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول تعالى:{ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ.. }[الإنسان: 21]
ومرة أخرى يقول:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }[فاطر: 33]
فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن.

ونلحظ في قوله تعالى:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. }[الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل } يُحَلَّوْنَ { أي: حلاَّهم غيرهم ولم يقل يتحلون؛ لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال: } وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ { [الكهف: 31]
فأتى بالفعل مبنياً للمعلوم؛ لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قُدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ.. }[يونس: 58]
أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته؛ لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ذلك لأنك لو نظرتَ إلى عملك لوجدتَه بعد تكليفك الذي كلفت به في سِنِّ البلوغ، وقد عِشْت طوال هذه المدة ترتع في نِعَم الله ورزقه دون أنْ يُكلِّفك بشيء؛ لذلك مهما قَدَّمْتَ لله تعالى من طاعات، فلن تفَِي بما أنعم به عليك.
وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلاً من الله عليك، لأنك أخذتَ حقك سابقاً ومُقدَّماً في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: } يَلْبَسُونَ.. { [الكهف: 31] أي: بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: } يُحَلَّوْنَ { كالرجل الذي يُجهِّز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزُخْرف الحياة من نجف أو سَجَّاد أو خلافه.
واللباس من ضروريات الحياة التي امتنّ الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى:{ يَابَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً.. }[الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفَخْفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسُّندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: الحرير الغليظ السميك.
وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة } إِسْتَبْرَقٍ { وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة (آمين) التي نتخذها شعاراً في الصلاة وأصلها يمني أو حبشي. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟
نقول: هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعةَ نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظاً عربية دارتْ على الألسنة، وجرتْ مجرى الكلمة العربية.
ومن الكلمات التي دخلتْ العربية حديثاً استخدمت ككلمة عربية (بنك)، وربما كانت أخفّ في الاستعمال من كلمة (مصرف)؛ لذلك أقرَّها مَجْمع اللغة العربية وأدخلها العربية.

إذن: فهذا القول يمكن أن يُقبَل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئاً أولياً، وأدخلها في اللغة ولم تكُن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جُزْءاً من لغتهم.
ثم يقول تعالى: } مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ.. { [الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يُريحه، والأرائك: هي السُّرر التي لها حِلْية مثل الناموسية مثلاً. } نِعْمَ الثَّوَابُ.. { [الكهف: 31] كلام منطقيّ: } وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 31] أي: أن هذا هو مُقْتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار:{ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً }[الكهف: 29]
ثم يقول الحق سبحانه: } وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ.. {.
(/2155)
________________________________________
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)

وما زال الكلام موصولاً بالقوم الذين أرادوا أن يصرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين يدعُونَ ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبذلك انقسم الناس إلى قسميْن: قسم مُتكبّر حريص على جاهه وسلطانه، وقسم ضعيف مستكين لا جاهَ له ولا سلطان، لكن الحق سبحانه يريد استطراق آياته استطراقاً يشمل الجميع، ويُسوِّي بينهم.
لذلك؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثَلاً موجوداً في الحياة، ففي الناس الكافر الغني والمؤمن الفقير، وعليك أنْ تتأمل موقف كل منهما.
قوله تعالى: { وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ.. } [الكهف: 32] قلنا: إن الضرب معناه أن تلمس شيئاً بشيء أقوى منه بقوة تؤلمه، ولا بُدّ أن يكون الضارب أقوى من المضروب، إلا فلو ضربتَ بيدك شيئاً أقوى منك فقد ضربتَ نفسك، ومن ذلك قول الشاعر:وَيَا ضَارِباً بِعَصَاهُ الحَجَر ضربْتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَر؟وضَرْب المثل يكون لإثارة الانتباه والإحساس، فيُخرجك من حالة إلى أخرى، كذلك المثَل: الشيء الغامض الذي لا تفهمه ولا تعيه، فيضرب الحق سبحانه له مثلاً يُوضِّحه ويُنبِّهك إليه؛ لذلك قال: { وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً.. } [الكهف: 32] وسبق أن أوضحنا أن الأمثال كلام من كلام العرب، يردُ في معنى من المعاني، ثم يشيع على الألسنة، فيصير مثلاً سائراً، كما نقول: جود حاتم، وتقابل أي جَوّاد فتناديه: يا حاتم، فلما اشتهر حاتم بالجود أُطلِقَتْ عليه هذه الصفة. وعمرو بن معد اشتُهِر بالشجاعة والإقدام، وإياس اشتُهِر بالذكاء، وأحنف بن قيس اشتهر بالحلم. لذلك قال أبو تمام في مدح الخليفة:إِقْدامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِم في حِلْمِ أحنَفَ فِي ذَكَاءِ إياسفأراد خصوم أبي تمام أن يُحقِّروا قوله، وأن يُسقِطوه من عين الخليفة، فقالوا له: إن الخليفة فوق مَنْ وصفتَ، وكيف تُشبّه الخليفة بهؤلاء وفي جيشه ألفٌ كعمرو، وفي خُزَّانه ألف كحاتم فكيف تشبهه بأجلاف العرب؟ كما قال أحدهم: ـوَشبَّهه المـدّاحُ في البـَاسِ والغِنَى بمَنْ لَوْ رآهُ كانَ أَصْغر خَادِمٍفَفِي جيْشِه خَمْسُونَ أَلْفاً كعنْترٍ وَفي خُزَّانِه ألْفُ حَاتِمِفألهمه الله الردَّ عليهم، وعلى نفس الوزن ونفس القافية، فقال:لاَ تُنكِرُوا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَه مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى وَالبَاسفاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلّ لِنُوِره مَثَلاً مِنَ المشْكَاةِ والنِّبْراسِإذن: فالمثل يأتي لِيُنَبّه الناس، وليُوضّح القضية غير المفهومة، والحق تبارك وتعالى قال:{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا.. }[البقرة: 26]
ثم يعطينا القرآن الكريم أمثالاً كثيرة لتوضيح قضايا معينة، كما في قوله تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }[العنكبوت: 41]
وكذا قوله تعالى عن نقض الوعد وعدم الوفاء به:{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً }

[النحل: 92]
ومنه قوله تعالى:{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }[البقرة: 17]
ومنه قوله تعالى مُصوِّراً حال الدنيا، وأنها سريعة الزوال:{ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً }[الكهف: 45]
فالمثل يُوضِّح لك الخفيّ بشيء جَلِيٍّ، يعرفه كل مَنْ سمعه، من ذلك مثلاً الشاعر الذي أراد أنْ يصفَ لنا الأحدب فيُصوِّره تصويراً دقيقاً كأنك تنظر إليه:قَصُـرَتْ أَخَادعه وَغَاص قَذَالُه فكأنه مُـتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَاوكأنما صُفِعْتَ قَفَاهُ مرةً وأَحسَّ ثانيةً لَهَا فتجمَّعَاوهنا يقول الحق سبحانه: اضرب لهم يا محمد مثلاً للكافر إذا استغنى، والفقير إذا رَضِى بالإيمان.
وقوله: } رَّجُلَيْنِ.. { [الكهف: 32] أي: هما مَحَلُّ المثل: } جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً { [الكهف: 32] لكن، هل هذا المثل كان موجوداً بالفعل، وكان للرجلين وجود فِعليّ في التاريخ؟
نعم، كانوا واقعاً عند بني إسرائيل وهما براكوس ويهوذا، وكان يهوذا مؤمناً راضياً، وبراكوس كان مستغنياً، وقد ورثا عن أبيهم ثمانية آلاف دينار لكل منهما، أخذ براكوس نصيبه واشترى به أرضاً يزرعها وقَصْراً يسكنه وتزوج فأصبح له ولدان وحاشية، أما يهوذا، فقد رأى أنْ يتصدّق بنصيبه، وأن يشتري به أرضاً في الجنة وقصراً في الجنة وفضَّل الحور العين والولدان في جنة عدن على زوجة الدنيا وولدانها وبهجتها.
وهكذا استغنى براكوس بما عنده واغتَرَّ به، كما قال تعالى:{ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىا * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىا }[العلق: 6-7]
وأول الخيبة أن تشغلك النعمة عن المنعِم، وتظن أن ما أنت فيه من نعيم ثمرةُ جهدك وعملك، ونتيجة سعْيك ومهارتك، كما قال قارون:{ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىا عِلْمٍ عِندِي }[القصص: 78]
فتركه الله لِعلْمه ومهارته، فليحرص على ماله بما لديه من علم وقوة:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. }[القصص:81] ولم ينفعه ماله أو علمه.
إذن: هاتان صورتان واقعيتان في المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه، ومؤمن قَنُوع بما قسم الله له.
وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: } جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً { [الكهف: 32]
فقد علَّمنا الله تعالى أن نجعل حول الحدائق والبساتين سُوراً من النخيل ليكون سياجاً يصدُّ الهواء والعواصف، وذكر سبحانه النخل والعنب وهي من الفاكهة قبل الزرع الذي منه القوت الضروري، كما ذكر من قبل الأساور من ذهب، وهي للزينة قبل الثياب، وهي من الضروريات.
وقوله: } جَنَّتَيْنِ.. { [الكهف: 32] نراها إلى الآن فيمَنْ يريد أن يحافظ على خصوصيات بيته؛ لأن للإنسان مسكناً خاصاً، وله عموميات أحباب، فيجعل لهم مسكناً آخر حتى لا يطَّلع أحد على حريمه؛ لذلك يسمونه السلاملك والحرملك.
وكذلك في قوله تبارك وتعالى:{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }[سبأ: 15] ثم يقول الحق سبحانه: } كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً.. {.
(/2156)
________________________________________
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)

أي: أعطتْ الثمرة المطلوبة منها، والأُكُل: هو ما يُؤكل، ونعرف أن الزراعات تتلاحق ثمارها فتعطيك شيئاً اليوم، وشيئاً غداً، وشيئاً بعد غد وهكذا.
{ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً.. } [الكهف: 33] كلمة { تَظْلِم } تعطينا إشارة إلى عمل الخير في الدنيا، فالأرض وهي جماد لا تظلم، ولا تمنعك حقاً، ولا تهدِر لك تعباً، فإنْ أعطيتَها جهدك وعملك جادتْ عليك، تبذر فيها كيلة تعطيك إردباً، وتضع فيها البذرة الواحدة فتُغِلُّ عليك الآلاف.
إذن: فهي كريمة جوادة شريطة أن تعمل ما عليك من حَرْثٍ وبَذْر ورعاية وسُقْيا، وقد تريحك السماء، فتسقى لك.
لذلك، لما أراد الحق سبحانه أنْ يضرب لنا المثل في مضاعفة الأجر، قال:{ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ }[البقرة: 261]
فإذا كانت الأرض تعطيك بالحبة سبعمائة حبة، فما بالك بخالق الأرض؟ لا شك أن عطاءه سيكون أعظم؛ لذلك قال بعدها:{ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة: 261]
إذن: فالأرض لا تظلم، ومن عدل الأرض أنْ تعطيك على قَدْر تعبك وكَدِّك فيها، والحق سبحانه أيضاً يُقدِّر لك هذا التعب، ويشكر لك هذا المجهود، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أحد الصحابة وقد تشققت يداه من العمل قال: " هذه يَدٌ يحبها الله ورسوله ".
يحبها الله ورسوله؛ لأنها تعبت وعملت لا على قَدْر حاجتها، بل على أكثر من حاجتها، عملتْ لها وللآخرين، وإلا لو عمل كُلُّ عامل على قَدْر حاجته، فكيف يعيش الذي لا يقدر على العمل؟
إذن: فعلى أصحاب القدرة والطاقة أنْ يعملوا لما يكفيهم، ويكفي العاجزين عن العمل، وهَبْ أنك لن تتصدَّق بشيء للمحتاج، لكنك ستبيع الفائض عنك، وهذا في حد ذاته نوعٌ من التيسير على الناس والتعاون معهم.
وما أشبه الأرض في عطائها وسخائها بالأم التي تُجزِل لك العطاء إنْ بررْتَ بها، وكذلك الأرض، بل إن الأم بطبيعتها قد تعطيك دون مقابل وتحنو عليك وإنْ كنت جاحداً، وكذلك الأرض ألاَ تراها تُخرج لك من النبات ما لم تزرعه أو تتعب فيه؟ فكيف إذا أنت أكرَمتها بالبر؟ لا شك ستزيد لك العطاء.
والحقيقة أن الأرض ليست أُمَّنا على وجه التشبيه، بل هي أُمّنا على وجه الحقيقة؛ لأننا من ترابها وجزء منها، فالإنسان إذا مرض مثلاً يصير ثقيلاً على كل الناس لا تتحمله وتحنو عليه وتزيل عنه الأذى مثل أمه، وكذلك إن مات وصار جيفة يأنف منه كل أخ محب وكل قريب، في حين تحتضنه الأرض، وتمتص كل ما فيه، وتستره في يوم هو أحوج ما يكون إلى الستر. ثم يقول تعالى: { وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً.. } [الكهف: 33] ذلك لأن الماء هو أَصْل الزرع، فجعل الله للجنتين ماءً مخصوصاً يخرج منهما ويتفجر من خلالهما لا يأتيهما من الخارج، فيحجبه أحد عنهما.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ... }.
(/2157)
________________________________________
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)

أي: لم يقتصر الأمر على أنْ كان له جنتان فيهما النخيل والأعناب والزرع الذي يُؤتي أُكُله، بل كان له فوق ذلك ثمر أي: موارد أخرى من ذهب وفضة وأولاد؛ لأن الولد ثمرة أبيه، وسوف يقول لأخيه بعد قليل: أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً.
ثم تدور بينهما هذه المحاورة: { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [الكهف: 34]
دليل على أن ما تقدم ذِكْره من أمر الجنتين وما فيهما من نِعَم دَعَتْهُ إلى الاستعلاء هو سبب القول { لِصَاحِبِهِ } ، والصاحب هو: مَنْ يصاحبك ولو لم تكن تحبه { يُحَاوِرُهُ } أي: يجادله بأن يقول أحدهما فيرد عليه الآخر حتى يصلوا إلى نتيجة. فماذا قال صاحبه؟ قال: { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً.. } [الكهف: 34] يقصد الجنتين وما فيهما من نعم { وَأَعَزُّ نَفَراً } [الكهف: 34] داخلة في قوله: { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } [الكهف: 34] وهكذا استغنى هذا بالمال والولد.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ... }.
(/2158)
________________________________________
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)

عرفنا أنهما جنتان، فلماذا قال: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.. } [الكهف: 35] نقول: لأن الإنسان إنْ كان له جنتان فلنْ يدخلهما معاً في وقت واحد، بل حَالَ دخوله سوف يواجه جنةً واحدة، ثم بعد ذلك يدخل الأخرى.
وقوله: { وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.. } [الكهف: 35] قد يظلم الإنسان غيره، لكن كيف يظلم نفسه هو؟ يظلم الإنسان نفسه حينما يُرخيِ لها عنان الشهوات، فيحرمها من مشتهيات أخرى، ويُفوِّت عليها ما هو أبقى وأعظم، وظلم الإنسان يقع على نفسه؛ لأن النفس لها جانبان: نفسٌ تشتهي، ووجدان يردع بالفطرة.
فالمسألة ـ إذن ـ جدل بين هذه العناصر؛ لذلك يقولون: أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه، فإنْ قلت: كيف وأنا ونفسي شيء واحد؟ لو تأملتَ لوجدتَ أنك ساعة تُحدِّث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه؛ لأن بداخلك شخصيتين: شخصية فطرية، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية، فإنْ مَالتْ النفس الشهوانية أو انحرفتْ قَوَّمتها النفس الفطرية وعَدلَت من سلوكها.
لذلك قلنا: إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عَمَّتْ المعصية في الناس، ولم يَعُدْ هناك مَنْ ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولاً يرشدهم ويُذكِّرُهم، إلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سبحانه حَمَّلهم رسالة نبيهم، وجعل هدايتهم بأيديهم، وأخرج منهم مَنْ يحملون راية الدعوة إلى الله؛ لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل.
وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يَعُمْ، فإنْ وُجِد من بين هذه الأمة العاصون، ففيها أيضاً الطائعون الذين يحملون راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مسألة ضرورية، وأساسٌ يقوم عليه المجتمع الإسلامي.
ثم يقول تعالى: { قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً } [الكهف: 35]
فهل معنى هذا أنه ظالم لنفسه بالدخول؟ لا، لأنها جنتُه يدخلها كما يشاء، إنما المراد بالظلم هنا ما دار في خاطره، وما حَدَّث نفسه به حالَ دخوله، فقد ظلم نفسه عندما خطر بباله الاستعلاء بالغِنَى، والغرور بالنعمة، فقال: ما أظنُّ أنْ تبيدَ هذه النعمة، أو تزول هذه الجنة الوارفة أو تهلك، لقد غَرَّهُ واقع ملموس أمام عينيه استبعد معه أن يزول عنه كل هذا النعيم، ليس هذا وفقط، بل دعاه غروره إلى أكثر من هذا فقال: { وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً... }.
(/2159)
________________________________________
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)

هكذا أطلق لغروره العنان، وإنْ قُبلَتْ منه:{ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً }[الكهف: 35] فلا يُقبَل منه { وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.. } [الكهف: 36] لذلك لما أنكر قيام الساعة هَزَّته الأوامر الوجدانية، فاستدرك قائلا: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىا رَبِّي.. } [الكهف: 36] أي: على كل حال إنْ رُددتُ إلى ربي في القيامة، فسوف يكون لي أكثر من هذا وأعظم وكأنه ضمن أن الله تعالى أَعدَّ له ما هو أفضل من هذا.
ونقف لنتأمل قَوْل هذا الجاحد المستعلي بنعمة الله عليه المفتون بها: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىا رَبِّي.. } [الكهف: 36] حيث يعرف أن له رباً سيرجع إليه، فإنْ كنت كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، لا تُناقِض نفسك، فما حدَث منك من استعلاء وغرور وشَكٍّ في قيام الساعة يتنافى وقولك { رَبِّي } ولا يناسبه.
و { مُنْقَلَباً } أي: مرجعاً.
ثم يقول الحق سبحانه: { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ... }.
(/2160)
________________________________________
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)

هنا يردُّ عليه صاحبه المؤمن مُحَاوراً ومُجادلاً ليجُلِّيَ له وَجْه الصواب: { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ.. } [الكهف: 37] أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خَلْقك { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ.. } [الكهف: 37] وهي أصل التناسل { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } [الكهف " 37] أي: كاملاً مُسْتوياً (ملو هدومك).
و { سَوَّاكَ.. } [الكهف: 37] التسوية: هي إعداد الشيء إعداداً يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن العود الحديد السَّويّ مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في الخطاف هو عَيْن استقامته واستواء مهمته؛ لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو كان الخطاف هذا مستقيماً لما أدَّى مهمته المرادة.
والهمزة في { أَكَفَرْتَ.. } [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه، وما بدر منه من كُفْر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خَلْقه.
والتراب هو أَصْل الإنسان، وهو أيضاً مرحلة من مراحل خَلْقه؛ لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة{ مِّن مَّآءٍ }[السجدة: 8] ومرة{ مِن تُرَابٍ }[آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة{ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }[الحجر: 26] ومرة{ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ }[الرحمن: 14].
لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خَلْق الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإنْ أضفْتَ الماء للتراب صار طيناً، فإذا ما خلطْتَ الطين بعضه ببعض صار حمأ مسنوناً، فإذا تركته حتى يجفّ ويتماسك صار صَلْصَالاً، إذن: فهي مرحليات لشيء واحد.
ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: { لَّاكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي... }.
(/2161)
________________________________________
لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)

قوله: { لَّاكِنَّاْ.. } [الكهف: 38] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأُدغمت النون في النون. ولكن للاستدراك، المؤمن يستدرك على ما قاله صاحبه: أنا لستُ مثلك فيما تذهب إليه، فإنْ كنت قد كفرتَ بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة. ثم سوَّاك رجلاً، فأنا لم أكفر بمَنْ خلقني، فقَوْلي واعتقادي الذي أومن به: { هُوَ اللَّهُ رَبِّي.. } [الكهف: 38]
وتلاحظ أن الكافر لم يَقُلْ: الله ربي، إنما جاءتْ ربي على لسانه في معرض الحديث، والفرْق كبير بين القولين؛ لأن الربّ هو الخالق المتولّي للتربية، وهذا أمر لا يشكّ فيه أحد، ولا اعتراض عليه، إنما الشكّ في الإله المعبود المطاع، فالربوبية عطاء، ولكن الألوهية تكليف؛ لذلك اعترف الكافر بالربوبية، وأنكر الألوهية والتكليف.
ثم يؤكد المؤمن إيمانه فيقول: { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 38]
ولم يكتفِ المؤمن بأن أبانَ لصاحبه ما هو فيه من الكفر، بل أراد أنْ يُعدّي إيمانه إلى الغير، فهذه طبيعة المؤمن أنْ يكون حريصاً على هداية غيره، لذلك بعد أنْ أوضح إيمانه بالله تعالى أراد أن يُعلِّم صاحبه كيف يكون مؤمناً، ولا يكمُل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأيضاً من العقل للمؤمن أن يحاول أن يهدي الكافر؛ لأن المؤمن صُحح سلوكه بالنسبة للآخرين، ومن الخير للمؤمن أيضاً أن يُصحِّح سلوك الكافر بالإيمان.
لذلك من الخير بدل أنْ تدعوَ على عدوك أن تدعو له بالهداية؛ لأن دعاءك عليه سيُزيد من شقائك به، وها هو يدعو صاحبه، فيقول: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ... }.
(/2162)
________________________________________
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)

يريد أنْ يُعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة، بأنْ يردَّ النعم إلى المنعم؛ لأن النعمة التي يتقلّب فيها الإنسان لا فضْلَ له فيها، فكلها موهوبة من الله، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتتْ أُكُلها؟ إنها الأرض التي خلقها الله لك، وعندما حرثْتها حرثْتها بآلة من الخشب أو الحديد، وهو موهوب من الله لا دَخْلَ لك فيه، والقوة التي أعانتك على العمل موهوبة لك يمكن أن تُسلبَ منك في أيِّ وقت، فتصير ضعيفاً لا تقدر على شيء.
إذن: حينما تنظر إلى كُلِّ هذه المسائل تجدها منتهيةً إلى العطاء الأعلى من الله سبحانه.
خُذْ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحاً وهو في غاية الأناقة وإبداع الصَّنْعة، من أين أتى الصُّنّاع بمادته؟ لو تتبعتَ هذا لوجدته قطعةَ خشب من إحدى الغابات، ولو سألتَ الغابة: من أين لك هذا الخشب لأجابتْك من الله.
لذلك يُعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا، بقوله:{ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ }[الواقعة: 63-64]
هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض، فتنمو معك يوماً بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك، وذلّلها لخدمتك، كما قال تعالى:{ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }[يس: 72]
ما استطعت أنت تسخيرها.
إذن: لو حلَّلْتَ أيَّ نعمة من النعم التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه. وحتى بعد أن ينمو الزرع ويُزهر أو يُثمر لا تأمن أن تأتيه آفةٌ أو تحلُّ به جائحة فتهلكه؛ لذلك يقول تعالى بعدها:{ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }[الواقعة: 65-67]
كما يقول تعالى:{ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ }[القلم: 17-20]
وكذلك في قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ }[الواقعة: 68-69]
هذا الماء الذي تشربونه عَذْباً زلالاً، هل تعرفون كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحاباً تسوقه الريح؟ هل دريْتُم بهذه العملية؟{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً.. }[الواقعة: 70]
أي: مِلْحاً شديداً لا تنتفعون به.
فحينما يمتنُّ الله على عبيده بأيّ نعمة يُذكِّرهم بما ينقضها، فهي ليست من سَعْيهم، وعليهم أنْ يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلاَّ فَلْيحافظوا عليها هم إنْ كانت من صُنْع أيديهم!
وكذلك في مسألة خَلْق الإنسان يوضح سبحانه وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى:

{ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ }[الواقعة: 58-60] فإنْ كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه الموت. فذكر سبحانه النعمة في الخَلْق، وما ينقض النعمة في أَصْل الخَلْق.
أما في خَلْق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ }[الواقعة: 71-72]
فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطاماً، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجاً، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيِّل الآية بقوله تعالى:{ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ }[الواقعة: 73]
كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ففي الحديث عن الزرع ـ ولأن للإنسان عملاً فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره ـ نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول:{ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً.. }[الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك.
أما في الحديث عن الماء ـ وليس للإنسان دخل في تكوينه ـ فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى:{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً.. }[الواقعة: 70] دون توكيد؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلاً في هذا الماء الذي ينهمر من السماء.
نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ويُعلِّمه كيف يستقبل نعمة الله عليه:{ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. }[الكهف: 39] } لَوْلا { بمعنى: هلاَّ وهي للحثِّ والتحضيض، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة إلا الموت ".
فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألاَّ تُلهيكَ النعمة عن المنعم، كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فتردّ النعمة إلى خالقها ومُسديها، وما دُمْتَ قد رددْتَ النعمة إلى خالقها فقد استأمنْتَهُ عليها واستحفظته إياها، وضمنْتَ بذلك بقاءها.
وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ كان عالماً بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلُّبات تعكر عليه صَفْو الحياة من خوف أو قلق أو همٍّ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها.

فكان رضي الله عنه يُخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن فكان يقول في الخوف: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى:{ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }[آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ }[آل عمران: 174] وعجبتُ لمن اغتمَّ ـ لأن الغَمَّ انسداد القلب وبلبلة الخاطر من شيء لا يعرف سببه ـ وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزع إلى قول الله تعالى:{ لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ }[الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل:{ وَكَذالِكَ نُنجِـي الْمُؤْمِنِينَ }[الأنبياء: 88] وكأنها (وصْفة) عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبيّ الله يونس عليه السلام.
فقوْل المؤمن الذي أصابه الغم:{ لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ.. }[الأنبياء: 87] أي: لا مفزع لي سواك، ولا ملجأ لي غيرك{ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.. }[الأنبياء: 87] اعتراف بالذنب والتقصير، فلعل ما وقعتُ فيه من ذنب وما حدث من ظلم لنفسي هو سبب هذا الغم الذي أعانيه.
وعجبتُ لمن مُكر به، كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى:{ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ.. }[غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ.. }[غافر: 45] فالله تبارك وتعالى هو الذي سيتولى الرد عليهم ومقابلة مكرهم بمكره سبحانه، كما قال تعالى:{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[آل عمران: 54]
وعجبتُ لمن طلب الدنيا وزينتها ـ صاحب الطموحات في الدنيا المتطلع إلى زخرفها ـ كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: } مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. { [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ }[الكهف: 40]
فإن قلتها على نعمتك حُفظتْ ونمَتْ، وإن قلتها على نعمة الغير أعطاك الله فوقها.
والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع الدنيا شيئاً يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير الدنيا، رغم ما يتقلّب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ودوام النعمة فيها أن نقول: } مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. { [الكهف: 39]
ويستطرد المؤمن، فيُبيِّن لصاحبه ما عَيَّره به من أنه فقير وهو غني، وما استعلى عليه بماله وولده: } إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً { [الكهف: 39]
ثم ذكّره بأن الله تعالى قادر على أنْ يُبدِّل هذا الحال، فقال: } فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ... {.
(/2163)
________________________________________
فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)

وعسى للرجاء، فإن كان الرجاء من الله فهو واقع لا شكَّ فيه؛ لذلك حينما تقول عند نعمة الغير: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) يعطيك الله خيراً مما قُلْت عليه: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وإن اعترفتَ بنعمة الله عليك ورددْت الفضل إليه سبحانه زادك، كما جاء في قوله تعالى:{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }[إبراهيم: 7]
فقوله: { فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ } [الكهف: 40] أي: ينقل مسألة الغنى والفقر ويُحوّلها، فأنت لا قدرة لك على حفظ هذه النعمة، كما أنك لا قدرةَ لك على جَلْبها من البداية. إذن: يمكن أنْ يعطيني ربي نعمة مثل نعمتك، في حين تظل نعمتك كما هي، لكن إرادة الله تعالى أن يقلبَ نعمتك ويزيلها: { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ } [الكهف: 40] هذه النعمة التي تعتز بها وتفخر بزهرتها وتتعالى بها على خَلْق الله يمكن أنْ يرسلَ الله عليها حُسْباناً.
والحُسْبان: الشيء المحسوب المقدَّر بدقّة وبحساب، كما جاء في قوله تعالى:{ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }[الرحمن: 5] والخالق سبحانه وتعالى جعل الشمس والقمر لمعرفة الوقت:{ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ }[يونس: 5] ونحن لا نعرف من هذه عدد السنين والحساب إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطةً على نظام دقيق لا يختلّ، مثل الساعة لا تستطيع أنْ تعرفَ بها الوقت وتضبطه إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة، والشيء لا يكون حسباناً لغيره إلا إذا كان هو نفسه مُنْشأ على حُسْبان.
وحَسب حُسْباناً مثل غفر غفراناً، وقد أرسل الله على هذه الجنة التي اغترَّ بها صاحبها صاعقة محسوبة مُقدَّرة على قَدْر هذه الجنة لا تتعدَّاها إلى غيرها، حتى لا يقول: إنها آية كونية عامة أصابتني كما أصابت غيري.. لا. إنها صاعقة مخصوصة محسوبة لهذه الجنة دون غيرها.
ثم يقول تعالى: { فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً } [الكهف: 40] أي: أن هذه الجنة العامرة بالزروع والثمار، المليئة بالنخيل والأعناب بعد أن أصابتها الصاعقة أصبحتْ صَعيداً أي: جدباء يعلُوها التراب، ومنه قوله تعالى في التيمُّم:{ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً }[النساء: 43] ليس هذا وفقط، بل { صَعِيداً زَلَقاً } [الكهف: 40] أي: تراباً مُبلّلاً تنزلق عليه الأقدام، فلا يصلح لشيء، حتى المشي عليه.
(/2164)
________________________________________
أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)

{ غَوْراً } أي: غائراً في الأرض، فإنْ قُلْت: يمكن أنْ يكونَ الماء غائراً، ونستطيع إخراجه بالآلات مثلاً، لذلك يقطع أمله في أيِّ حيلة يفكر فيها: { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً } [الكهف: 41] أي: لن تصل إليه بأيِّ وسيلة من وسائلك، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ }[الملك: 30]
لاحظ أن هذا الكلام من المؤمن لصاحبه الكافر مجرد رجاء يخاطبه به:{ فعسَىا رَبِّي.. }[الكهف: 40] رجاء لم يحدث بَعْد، ولم يصل إلى إيقاعيات القدر.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا... }.
(/2165)
________________________________________
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)

هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ولم يكذب توقعه { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] أحيط: كأنْ جعل حول الثمر سوراً يحيط به، فلا يكون له منفذ، كما قال في آية أخرى:{ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ }[يونس: 22]
وتلاحظ أنه سبحانه قال: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] ولم يقُلْ مثلاً: أحيط بزرعه أو بنخله؛ لأن الإحاطة قد تكون بالشيء، ثم يثمر بعد ذلك، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته، وهو قريب الجنْي قريب التناول، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشدَّ، والثمر هو الغاية والمحصّلة النهائية للزرع. ثم يُصوِّر الحق سبحانه ندم صاحب الجنة وأَسَفه عليها: { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } [الكهف: 42] أي: يضرب كَفّاً بكفٍّ، كما يفعل الإنسان حينما يفاجئه أمر لا يتوقعه، فيقف مبهوتاً لا يدري ما يقول، فيضرب كفّاً بكفٍّ لا يتكلم إلا بعد أن يُفيق من هَوْل هذه المفاجأة ودَهْشتها.
ويُقلِّب كفَّيْه على أيِّ شيء؟ يُقلِّب كفيه ندماً على ما أنفق فيها { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا } [الكهف: 42] خاوية: أي خَربة جَرْداء جَدْباء، كما قال سبحانه في آية أخرى:{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىا قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا }[البقرة: 259]
ومعلوم أن العروش تكون فوق، فلما نزلت عليها الصاعقة من السماء دكَّتْ عروشها، وجعلت عاليها سافلها، فوقع العرش أولاً، ثم تهدَّمتْ عليه الجدران.
وقوله تعالى: { وَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 42] بعد أن ألجمتْه الدهشة عن الكلام، فراحَ يضرب كفَّاً بكفٍّ، أفاق من دهشته، ونزع هذا النزوع القوليّ الفوري: { يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 42] يتمنى أنه لم يشرك بالله أحداً؛ لأن الشركاء الذين اتخذهم من دون الله لم ينفعوه، لذلك قال بعدها: { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ... }.
(/2166)
________________________________________
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)

أي: ليس لديه أعوان ونُصراء يدفعون عنه هذا الذي حَلّ به، ويمنعون عنه الخراب الذي حاقَ بجنته { وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } [الكهف: 43] أي: ما كان ينبغي له أن ينتصر، ولا يجوز له الانتصار، لماذا؟
ثم يقول الحق سبحانه: { هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ... }.
(/2167)
________________________________________
هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)

هنالك: أي في وقت الحالة هذه، وقتَ أنْ نزلتْ الصاعقة من السماء فأتتْ على الجنة، وجعلتها خاوية على عروشها، هناك تذكّر المنعمَ وتمنّى لو لم يشرك بالله، فقوله: { هُنَالِكَ } أي: في الوقت الدقيق وقت القمة، قمة النكَد والكَدَر.
و { هُنَالِكَ } جاءت في القرآن في الأمر العجيب، ويدعو إلى الأمر الأعجب، من ذلك قصة سيدنا زكريا ـ عليه السلام ـ لما دخل على السيدة مريم، فوجد عندها رزقاً:{ قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّىا لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران: 37]
وكان زكريا ـ عليه السلام ـ هو المتكفّل بها، الذي يُحضِر لها الطعام والشراب، فلما رأى عندها أنواعاً من الطعام لم يَأْتِ بها سألها من أيْن؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، فأطمع هذا القولُ زكريا في فضل الله، وأراد أن يأخذ بالأسباب، فدعا الله أن يرزقه الولد، وقد كانت امرأته عاقراً فقال تعالى:{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }[آل عمران: 38]
و { الْوَلاَيَةُ } أن يكون لك ولي ينصرك، فالولي هو الذي يليك، ويدافع عنك وقت الشدة، وفي قراءة أخرى: (هُنَالِكَ الْوِلايَةُ) بكسر الواو يعني الملك، كما في قوله:{ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }[غافر: 16]
وقوله: { هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً.. } [الكهف: 44] لأنه سيجازى على العمل الصالح بثواب، هو خير من الدنيا وما فيها { وَخَيْرٌ عُقْباً } [الكهف: 44] أي: خير العاقبة بالرزق الطيب في جنة الخلد.
هكذا ضرب الله تعالى لنا مثلاً، وأوضح لنا عاقبة الغنيّ الكافر، والفقير المؤمن، وبيَّن لنا أن الإنسان يجب ألاّ تخدعه النعمة ولا يغره النعيم؛ لأنه موهوب من الله، فاجعل الواهب المنعِمَ سبحانه دائماً على بالك، كي يحافظ لك على نعمتك وإلا لَكُنْتَ مثل هذا الجاحد الذي استعلى واغترّ بنعمة الله فكانت عاقبته كما رأيت.
وهذا مثل في الأمر الجزئي الذي يتعلق بالمكلّف الواحد، ولو نظرتَ إليه لوجدتَه يعمُّ الدنيا كلها؛ فهو مثال مُصغَّر لحال الحياة الدنيا؛ لذلك انتقل الحق سبحانه من المثل الجزئيّ إلى المثل العام، فقال تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ... }.
(/2168)
________________________________________
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)

الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يوضح المجهول لنا بما عُلِم لدينا. وأهل البلاغة يقولون: في هذه الآية تشبيه تمثيل؛ لأنه سبحانه شبّه حال الدنيا في قِصَرها وسرعة زوالها بالماء الذي نزل من السماء، فارتوتْ به الأرض، وأنبتتْ ألواناً من الزروع والثمار، ولكن سرعان ما يذبلُ هذا النبات ويصير هشيماً مُتفتتاً تذهب به الريح.
وهذه صورة ـ كما يقولون ـ منتزعة من مُتعدّد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً، بل عِدّة أشياء، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَل، وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل، نقول: هذا مِثْل هذا، لذلك قال تعالى:{ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ }[النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى.
وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً؛ لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة، وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا.
وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها، وتتبدل بهم، واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها.
ومعنى { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ } [الكهف: 45] أي: اختلط بسببه نبات الأرض، وتداخلَ بعضُه في بعض، وتشابكتْ أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في الأرض الخِصْبة، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها تُخرِج النبات مفرداً، عود هنا وعود هناك.
لكن، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته؟ لا، بل سرعان ما جفَّ وتكسر وصار هشيماً تطيح به الريح وتذروه، هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن، كما قال تعالى:{ حَتَّىا إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً.. }[يونس: 24]
ثم يقول تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } [الكهف: 45] لأنه سبحانه القادر دائماً على إخراج الشيء إلى ضِدّه، كما قال سبحانه:{ وَإِنَّا عَلَىا ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ }[المؤمنون: 18]
فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام، فلا تنفكّ عنه صفة القدرة أبداً، أحيا وأمات، وأعزَّ وأذلَّ، وقبض وبسط، وضَرَّ ونفع..
ولما كان الكلام السابق عن صاحب الجنة الذي اغترّ بماله وولده فناسب الحديث عن المال والولد، فقال تعالى: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }.
(/2169)
________________________________________
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)

تلك هي العناصر الأساسية في فتنة الناس في الدنيا: المال والبنون، لكن لماذا قدَّم المال؟ أهو أغلى عند الناس من البنين؟ نقول: قدَّم الحق سبحانه المال على البنين، ليس لأنه أعزُّ أو أغلى؛ إنما لأن المال عام في المخاطب على خلاف البنين، فكلُّ إنسان لديه المال وإنْ قلَّ، أما البنون فهذه خصوصية، ومن الناس مَنْ حُرِم منها.
كما أن البنين لا تأتي إلا بالمال؛ لأنه يحتاج إلى الزواج والنفقة لكي يتناسل ويُنجب، إذن: كل واحد له مال، وليس لكل واحد بنون، والحكم هنا قضية عامة، وهي: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. } [الكهف: 46] كلمة { زِينَةُ } أي: ليست من ضروريات الحياة، فهو مجرد شكل وزخرف؛ لأن المؤمن الراضي بما قُسِمَ له يعيش حياته سعيداً بدون مال، وبدون أولاد؛ لأن الإنسان قد يشقَى بماله، أو يشقى بولده، لدرجة أنه يتمنى لو مات قبل أن يُرزقَ هذا المال أو هذا الولد.
وقد باتت مسألة الإنجاب عُقْدة ومشكلة عند كثير من الناس، فترى الرجل كَدِراً مهموماً؛ لأنه يريد الولد ليكون له عِزْوة وعِزّة، وربما يُزَرق الولد ويرى الذُّلَّ على يديه، وكم من المشاكل تُثار في البيوت؛ لأن الزوجة لا تنجب.
ولو أيقن الناس أن الإيجاد من الله نعمة، وأن السَّلْب من الله أيضاً نعمة لاستراح الجميع، ألم نقرأ قول الله تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }[الشورى: 49-50]
إذن: فالعُقْم في ذاته نعمة وهِبَة من الله لو قبلها الإنسان من ربه لَعوَّضه الله عن عُقْمه بأنْ يجعل كل الأبناء أبناءه، ينظرون إليه ويعاملونه كأنه أبٌ لهم، فيذوق من خلالهم لذَّة الأبناء دون أن يتعب في تربية أحد، أو يحمل هَمَّ أحد.
وكذلك، الذي يتكدر لأن الله رزقه بالبنات دون البنين، ويكون كالذي قال الله فيه:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَىا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }[النحل: 58]
إنه يريد الولد ليكون عِزْوة وعِزّة. ونسى أن عزة المؤمن بالله لا بغيره، ونقول: والله لو استقبلت البنت بالفرح والرضا على أنها هِبَة من الله لكانتْ سبباً في أن يأتي لها زوج أبرّ بك من ولدك، ثم قد تأتي هي لك بالولد الذي يكون أعزّ عندك من ولدك.
إذن: المال والبنون من زينة الحياة وزخرفها، وليسا من الضروريات، وقد حدد لنا النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: " من أصبح مُعَافىً في بدنه، آمناً في سِرْبه ـ أي: لا يهدد أمنه أحد ـ وعنده قوت يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها "


فما زاد عن ذلك فهو من الزينة، فالإنسان ـ إذن ـ يستطيع أن يعيش دون مال أو ولد، يعيش بقيم تعطي له الخير، ورضاً يرضيه عن خالقه تعالى.
ثم يقول تعالى: } وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً { [الكهف: 46]
لأن المال والبنين لن يدخلا معك القبر، ولن يمنعاك من العذاب، ولن ينفعك إلا الباقيات الصالحات. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أُهديَتْ إليه شاة، وكانت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تعرف أن رسول الله يحب من الشاة الكتف؛ لأنه لَحْم رقيق خفيف؛ لذلك احتفظتْ لرسول الله بالكتف وتصدّقت بالباقي، فلما جاء صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا صنعتِ في الشاة "؟ قالت: ذهبتْ كلها إلا كتفها، فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: " بل بقيت كلها إلا كتفها ".
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: " هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فأبقيْتَ ".
وهذا معنى: } وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. { [الكهف: 46]
والسؤال الذي يتبادر إلى الذِّهْن الآن: إذا لم يكُنْ المال والبنون يمثلان ضرورة من ضروريات الحياة، فما الضروريات في الحياة إذن؟ الضروريات في الحياة هي كُلُّ ما يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ووسيلة لحياة باقية دائمة ناعمة مسعدة، لا تنتهي أنت من النعيم فتتركه، ولا ينتهي النعيم منك فيتركك، إنه نعيم الجنة.
الضروريات ـ إذن ـ هي الدين ومنهج الله والقِيَم التي تُنظم حركة الحياة على وَفْق ما أراد الله من خلق الحياة.
ومعنى: } وَالْبَاقِيَاتُ { [الكهف: 46] ما دام قال } وَالْبَاقِيَاتُ { فمعنى هذا أن ما قبلها لم يكُنْ من الباقيات بل هو زائل بزوال الدنيا، ثم وصفها بالصالحات ليفرق بينها وبين الباقيات السيئات التي يخلدون بها في النار.
} وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. { [الكهف: 46] خير عند مَنْ؟ لأن كل مضاف إليه يأتي على قوة المضاف إليه، فخَيْرك غير خير مَنْ هو أغنى منك، غير خير الحاكم، فما بالك بخير عند الله؟
} خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً { [الكهف: 46]
والأمل: ما يتطلع إليه الإنسان مما لم تكُنْ به حالته، فإنْ كان عنده خير تطلَّع إلى أعلى منه، فالأمل الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كُلُّ هذا يُبيّن لنا أن هذه الدنيا زائلة، وأننا ذاهبون إلى يوم بَاقٍ؛ لذلك أردف الحق سبحانه بعد الباقيات الصالحات ما يناسبها، فقال تعالى: } وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً... {.
(/2170)
________________________________________
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)

أي: اذكر جيداً يوم نُسيِّر الجبال وتنتهي هذه الدنيا، واعمل الباقيات الصالحات لأننا سنُسيّر الجبال التي تراها ثابتة راسخة تتوارث الأجيال حجمها وجِرْمها، وقوتها وصلابتها، وهي باقية على حالها.
ومعنى تسيير الجبال: إزالتها عن أماكنها، كما قال في آية أخرى:{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً }[النبأ: 20]
وقال في آية أخرى{ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ }[التكوير: 3]
وقال:{ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ }[المرسلات: 10] وقال:{ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ }[المعارج: 8-9]
ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر أقوى مظهر ثابت في الحياة الدنيا، وإلا ففي الأرض أشياء أخرى قوية وثابتة كالعمائر ناطحات السحاب، والشجر الكبير الضخم المعمّر وغيرها كثير. فإذا كان الحق سبحانه سينسف هذه الجبال ويُزيلها عن أماكنها، فغيرها مما على وجه الأرض زائل من باب أَوْلَى.
ثم يقول سبحانه: { وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً } [الكهف: 47]
الأرض: كُلّ ما أقلَّك من هذه البسيطة التي نعيش عليها، وكل ما يعلوك ويُظِلُّك فهو سماء، ومعنى: { بَارِزَةً } البَرَازُ: هو الفضاء، أي: وترى الأرض فضاءً خالية مما كان عليها من أشكال الجبال والمباني والأشجار، حتى البحر الذي يغطي جزءاً كبيراً من الأرض.
كل هذه الأشكال ذهبتْ لا وجودَ لها، فكأن الأرض بَرزَتْ بعد أنْ كانت مختبئة: بعضها تحت الجبال، وبعضها تحت الأشجار، وبعضها تحت المباني، وبعضها تحت الماء، فأصبحتْ فضاء واسعاً، ليس فيه مَعْلَمٌ لشيء.
ومن ذلك ما نُسمِّيه نحن المبارزة، فنرى الفتوة يقول للآخر (اطلع لي بره) أي: في مكان خال حتى لا يجد شيئاً يحتمي به، أو حائطاً مثلاً يستند عليه، وبرز فلان لفلان وبارزه أي: صارعه.
{ وَحَشَرْنَاهُمْ } [الكهف: 47] أي: جمعناهم ليوم الحساب؛ لأنهم فارقوا الدنيا على مراحل من لَدُن آدم عليه السلام، والموت يحصد الأرواح، وقد جاء اليوم الذي يُجمع فيه هؤلاء.
{ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الكهف: 47] أي: لم نترك منهم واحداً، الكلُّ معرض على الله، وكلمة { نُغَادِرْ } [الكهف: 47] ومادة (غدر) تؤدي جميعها معنى الترْك، فالغدر مثلاً تَرْك الوفاء وخيانة الأمانة، حتى غدير وهو جدول الماء الصغير سُمِّي غديراً؛ لأن المطر حينما ينزل على الأرض يذهب ويترك شيئاً قليلاً في المواطئ.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة:
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يونيو 10, 2008 6:19 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد أكتوبر 21, 2007 6:35 pm
مشاركات: 335
مكان: مصر المحروسه
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)

وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العملَ الصالح؛ لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أنْ تُوثّق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنتَ به؛ لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدّة من كتاب الله، منها قوله تعالى:{ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ }[العصر: 1-3]
ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمانُ العملَ الصالح فإنهم سيتعرضون ولا بُدّ لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحمّلوا عِبء الدعوة وصبروا على الأذى في سبيل إيمانهم بالله تعالى.
ثم يقول تعالى: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30]
نلاحظ أن { مَنْ } هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل سبحانه: إنَّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يُحسِن العمل قد يكون كافراً، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حَقّه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا.
فالكافر إن اجتهد واحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يُحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تُعجَّل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حَظَّ له في الآخرة.
ويقول تبارك وتعالى:{ وَقَدِمْنَآ إِلَىا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }[الفرقان: 23]
ويقول تعالى:{ مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً }[الإسراء: 18]
ويقول تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىا إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }[النور: 39]
فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظّهم في الدنيا ألواناً من النعيم والمدح والثناء، وخُلِّدتْ ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل والاحتفالات؛ لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فُوجئ بوجود إله لم يكُنْ يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره مِمَّن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يَبْقَ لهم شيء في الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: { أُوْلَـائِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ... }.
(/2154)
________________________________________
أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

{ أُوْلَـائِكَ } أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات { لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ.. } [الكهف: 31]الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتُطلق إطلاقاً شرعياً وإطلاقاً لغوياً. أما الشرعي: فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي: فهي المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تُوارِي مَنْ سار فيها وتستره؛ ومادة الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل والجن مخلوقات لا ترى والجُنّة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم.. الخ.
وقلنا: إن الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن شيء غيبيّ يُحدِّثنا بما يوجد في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يُوجَد المعنى أولاً ثم يوجد اللفظ الدالّ عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإنْ نُطِق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يُحدِّثنا الله عنها غيباً كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر "
إذن: فمن أين نأتي بالألفاظ الدَّالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها؟ لذلك يُعبِّر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف الذي يُميّزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى:{ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله: { غَيْرِ آسِنٍ } ليميز ماء الآخرة عن ماء الدنيا، وكذلك في:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ }[محمد: 15]
فالخمر في الدنيا معروفة؛ لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها يبتلعها بسرعة؛ لأنه لا يستسيغ لها طعماً أو رائحة، كما تشرب مثلاً كوباً من العصير رشفة رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال العقول على خلاف خمر الآخرة؛ لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميَّزها بأنها لذة، وخَمْر الدنيا ليست كذلك؛ لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، والعين إدراكاتها أقلّ من إدراكات الأذن؛ لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول: " ولا خطر على قلب بشر " فوسَّع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه.
وكذلك في قوله تعالى:{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى.. }[محمد: 15]
ونحن نعرف العسل فميَّزه هنا بأنه مُصفّى، ومعروف أن العسل قديماً كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلَقُ به الحصى والرمل؛ لذلك مُيِّز عسل الجنة بأنه مُصفّى.
وكذلك في قوله سبحانه:{ سِدْرٍ مَّخْضُودٍ }[الواقعة: 28] ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك سِدْر الجنة؛ لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يُدْمِي يديك كسِدْر الدنيا.

وهنا ميَّز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال: } جَنَّاتُ عَدْنٍ.. { [الكهف: 31] أي: إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك جنات الدنيا، فهَبْ أن واحداً يتمتع في الدنيا بالدُّور والقصور في الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له؟ إن جنات الدنيا مهما عَظُم نعيمها، إما أنْ تفوتك، وإما أنْ تفوتها.
والعَدْن اسم للجَنّة، فهناك فَرْق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق خاصة، فالمؤمن في الجنة له مسكن خاص في جنة عدن.
ويقول تعالى عن أنهار الجنة:{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.. }[محمد: 12]
وفي آية أخرى يقول:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] ليعطينا صورتين لجريان الماء، ففي قوله:{ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ.. }[التوبة: 100] يدلُّ على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه أحد عنك أنْ يَسُدَّه دونك؛ لذلك يقول لك: اطمئن فالماء يجري } مِن تَحْتِهَا { أي: من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك.
وفي هذه الآية كأنَّ الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني عليها، خُذْ مثلاً المسطحات المائية للنيل، أو الريَّاح التوفيقي من القناطر الخيرية حتى دمياط لَوجدْتَ مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أنْ نقيم المساكن الكافية لسُّكْنى أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخُضْرة وللزرع ولِقُوتِ الناس.
ويمكن أن تُطبَّق هذه الطريقة أيضاً في الريف، فيقيم الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية.
لقد هجمتْ الحركة العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب لتوسيع القاهرة توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء لكل منزل.
إذن: في الآية لفتة يمكن أنْ تحلَّ لنا أزمة الإسكان، وتحمي لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى: } يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. { [الكهف: 31] وقد يقول قائل: وما هذه الأساور من الذهب التي يتحلَّى بها الرجال؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في طموحات الإنسان في زُخْرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يُسمَّى (بالانسيال) وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول تعالى:{ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ.. }[الإنسان: 21]
ومرة أخرى يقول:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }[فاطر: 33]
فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن.

ونلحظ في قوله تعالى:{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ.. }[الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل } يُحَلَّوْنَ { أي: حلاَّهم غيرهم ولم يقل يتحلون؛ لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال: } وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ { [الكهف: 31]
فأتى بالفعل مبنياً للمعلوم؛ لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قُدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى:{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ.. }[يونس: 58]
أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته؛ لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول: " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ذلك لأنك لو نظرتَ إلى عملك لوجدتَه بعد تكليفك الذي كلفت به في سِنِّ البلوغ، وقد عِشْت طوال هذه المدة ترتع في نِعَم الله ورزقه دون أنْ يُكلِّفك بشيء؛ لذلك مهما قَدَّمْتَ لله تعالى من طاعات، فلن تفَِي بما أنعم به عليك.
وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلاً من الله عليك، لأنك أخذتَ حقك سابقاً ومُقدَّماً في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: } يَلْبَسُونَ.. { [الكهف: 31] أي: بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: } يُحَلَّوْنَ { كالرجل الذي يُجهِّز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزُخْرف الحياة من نجف أو سَجَّاد أو خلافه.
واللباس من ضروريات الحياة التي امتنّ الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى:{ يَابَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً.. }[الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفَخْفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسُّندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: الحرير الغليظ السميك.
وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة } إِسْتَبْرَقٍ { وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة (آمين) التي نتخذها شعاراً في الصلاة وأصلها يمني أو حبشي. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟
نقول: هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعةَ نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظاً عربية دارتْ على الألسنة، وجرتْ مجرى الكلمة العربية.
ومن الكلمات التي دخلتْ العربية حديثاً استخدمت ككلمة عربية (بنك)، وربما كانت أخفّ في الاستعمال من كلمة (مصرف)؛ لذلك أقرَّها مَجْمع اللغة العربية وأدخلها العربية.

إذن: فهذا القول يمكن أن يُقبَل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئاً أولياً، وأدخلها في اللغة ولم تكُن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جُزْءاً من لغتهم.
ثم يقول تعالى: } مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَآئِكِ.. { [الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يُريحه، والأرائك: هي السُّرر التي لها حِلْية مثل الناموسية مثلاً. } نِعْمَ الثَّوَابُ.. { [الكهف: 31] كلام منطقيّ: } وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً { [الكهف: 31] أي: أن هذا هو مُقْتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار:{ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً }[الكهف: 29]
ثم يقول الحق سبحانه: } وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ.. {.
(/2155)
________________________________________
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)

وما زال الكلام موصولاً بالقوم الذين أرادوا أن يصرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين يدعُونَ ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبذلك انقسم الناس إلى قسميْن: قسم مُتكبّر حريص على جاهه وسلطانه، وقسم ضعيف مستكين لا جاهَ له ولا سلطان، لكن الحق سبحانه يريد استطراق آياته استطراقاً يشمل الجميع، ويُسوِّي بينهم.
لذلك؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثَلاً موجوداً في الحياة، ففي الناس الكافر الغني والمؤمن الفقير، وعليك أنْ تتأمل موقف كل منهما.
قوله تعالى: { وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ.. } [الكهف: 32] قلنا: إن الضرب معناه أن تلمس شيئاً بشيء أقوى منه بقوة تؤلمه، ولا بُدّ أن يكون الضارب أقوى من المضروب، إلا فلو ضربتَ بيدك شيئاً أقوى منك فقد ضربتَ نفسك، ومن ذلك قول الشاعر:وَيَا ضَارِباً بِعَصَاهُ الحَجَر ضربْتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَر؟وضَرْب المثل يكون لإثارة الانتباه والإحساس، فيُخرجك من حالة إلى أخرى، كذلك المثَل: الشيء الغامض الذي لا تفهمه ولا تعيه، فيضرب الحق سبحانه له مثلاً يُوضِّحه ويُنبِّهك إليه؛ لذلك قال: { وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً.. } [الكهف: 32] وسبق أن أوضحنا أن الأمثال كلام من كلام العرب، يردُ في معنى من المعاني، ثم يشيع على الألسنة، فيصير مثلاً سائراً، كما نقول: جود حاتم، وتقابل أي جَوّاد فتناديه: يا حاتم، فلما اشتهر حاتم بالجود أُطلِقَتْ عليه هذه الصفة. وعمرو بن معد اشتُهِر بالشجاعة والإقدام، وإياس اشتُهِر بالذكاء، وأحنف بن قيس اشتهر بالحلم. لذلك قال أبو تمام في مدح الخليفة:إِقْدامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِم في حِلْمِ أحنَفَ فِي ذَكَاءِ إياسفأراد خصوم أبي تمام أن يُحقِّروا قوله، وأن يُسقِطوه من عين الخليفة، فقالوا له: إن الخليفة فوق مَنْ وصفتَ، وكيف تُشبّه الخليفة بهؤلاء وفي جيشه ألفٌ كعمرو، وفي خُزَّانه ألف كحاتم فكيف تشبهه بأجلاف العرب؟ كما قال أحدهم: ـوَشبَّهه المـدّاحُ في البـَاسِ والغِنَى بمَنْ لَوْ رآهُ كانَ أَصْغر خَادِمٍفَفِي جيْشِه خَمْسُونَ أَلْفاً كعنْترٍ وَفي خُزَّانِه ألْفُ حَاتِمِفألهمه الله الردَّ عليهم، وعلى نفس الوزن ونفس القافية، فقال:لاَ تُنكِرُوا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَه مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى وَالبَاسفاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلّ لِنُوِره مَثَلاً مِنَ المشْكَاةِ والنِّبْراسِإذن: فالمثل يأتي لِيُنَبّه الناس، وليُوضّح القضية غير المفهومة، والحق تبارك وتعالى قال:{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا.. }[البقرة: 26]
ثم يعطينا القرآن الكريم أمثالاً كثيرة لتوضيح قضايا معينة، كما في قوله تعالى:{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }[العنكبوت: 41]
وكذا قوله تعالى عن نقض الوعد وعدم الوفاء به:{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً }

[النحل: 92]
ومنه قوله تعالى:{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }[البقرة: 17]
ومنه قوله تعالى مُصوِّراً حال الدنيا، وأنها سريعة الزوال:{ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً }[الكهف: 45]
فالمثل يُوضِّح لك الخفيّ بشيء جَلِيٍّ، يعرفه كل مَنْ سمعه، من ذلك مثلاً الشاعر الذي أراد أنْ يصفَ لنا الأحدب فيُصوِّره تصويراً دقيقاً كأنك تنظر إليه:قَصُـرَتْ أَخَادعه وَغَاص قَذَالُه فكأنه مُـتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَاوكأنما صُفِعْتَ قَفَاهُ مرةً وأَحسَّ ثانيةً لَهَا فتجمَّعَاوهنا يقول الحق سبحانه: اضرب لهم يا محمد مثلاً للكافر إذا استغنى، والفقير إذا رَضِى بالإيمان.
وقوله: } رَّجُلَيْنِ.. { [الكهف: 32] أي: هما مَحَلُّ المثل: } جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً { [الكهف: 32] لكن، هل هذا المثل كان موجوداً بالفعل، وكان للرجلين وجود فِعليّ في التاريخ؟
نعم، كانوا واقعاً عند بني إسرائيل وهما براكوس ويهوذا، وكان يهوذا مؤمناً راضياً، وبراكوس كان مستغنياً، وقد ورثا عن أبيهم ثمانية آلاف دينار لكل منهما، أخذ براكوس نصيبه واشترى به أرضاً يزرعها وقَصْراً يسكنه وتزوج فأصبح له ولدان وحاشية، أما يهوذا، فقد رأى أنْ يتصدّق بنصيبه، وأن يشتري به أرضاً في الجنة وقصراً في الجنة وفضَّل الحور العين والولدان في جنة عدن على زوجة الدنيا وولدانها وبهجتها.
وهكذا استغنى براكوس بما عنده واغتَرَّ به، كما قال تعالى:{ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىا * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىا }[العلق: 6-7]
وأول الخيبة أن تشغلك النعمة عن المنعِم، وتظن أن ما أنت فيه من نعيم ثمرةُ جهدك وعملك، ونتيجة سعْيك ومهارتك، كما قال قارون:{ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىا عِلْمٍ عِندِي }[القصص: 78]
فتركه الله لِعلْمه ومهارته، فليحرص على ماله بما لديه من علم وقوة:{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. }[القصص:81] ولم ينفعه ماله أو علمه.
إذن: هاتان صورتان واقعيتان في المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه، ومؤمن قَنُوع بما قسم الله له.
وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: } جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً { [الكهف: 32]
فقد علَّمنا الله تعالى أن نجعل حول الحدائق والبساتين سُوراً من النخيل ليكون سياجاً يصدُّ الهواء والعواصف، وذكر سبحانه النخل والعنب وهي من الفاكهة قبل الزرع الذي منه القوت الضروري، كما ذكر من قبل الأساور من ذهب، وهي للزينة قبل الثياب، وهي من الضروريات.
وقوله: } جَنَّتَيْنِ.. { [الكهف: 32] نراها إلى الآن فيمَنْ يريد أن يحافظ على خصوصيات بيته؛ لأن للإنسان مسكناً خاصاً، وله عموميات أحباب، فيجعل لهم مسكناً آخر حتى لا يطَّلع أحد على حريمه؛ لذلك يسمونه السلاملك والحرملك.
وكذلك في قوله تبارك وتعالى:{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }[سبأ: 15] ثم يقول الحق سبحانه: } كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً.. {.
(/2156)
________________________________________
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)

أي: أعطتْ الثمرة المطلوبة منها، والأُكُل: هو ما يُؤكل، ونعرف أن الزراعات تتلاحق ثمارها فتعطيك شيئاً اليوم، وشيئاً غداً، وشيئاً بعد غد وهكذا.
{ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً.. } [الكهف: 33] كلمة { تَظْلِم } تعطينا إشارة إلى عمل الخير في الدنيا، فالأرض وهي جماد لا تظلم، ولا تمنعك حقاً، ولا تهدِر لك تعباً، فإنْ أعطيتَها جهدك وعملك جادتْ عليك، تبذر فيها كيلة تعطيك إردباً، وتضع فيها البذرة الواحدة فتُغِلُّ عليك الآلاف.
إذن: فهي كريمة جوادة شريطة أن تعمل ما عليك من حَرْثٍ وبَذْر ورعاية وسُقْيا، وقد تريحك السماء، فتسقى لك.
لذلك، لما أراد الحق سبحانه أنْ يضرب لنا المثل في مضاعفة الأجر، قال:{ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ }[البقرة: 261]
فإذا كانت الأرض تعطيك بالحبة سبعمائة حبة، فما بالك بخالق الأرض؟ لا شك أن عطاءه سيكون أعظم؛ لذلك قال بعدها:{ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }[البقرة: 261]
إذن: فالأرض لا تظلم، ومن عدل الأرض أنْ تعطيك على قَدْر تعبك وكَدِّك فيها، والحق سبحانه أيضاً يُقدِّر لك هذا التعب، ويشكر لك هذا المجهود، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أحد الصحابة وقد تشققت يداه من العمل قال: " هذه يَدٌ يحبها الله ورسوله ".
يحبها الله ورسوله؛ لأنها تعبت وعملت لا على قَدْر حاجتها، بل على أكثر من حاجتها، عملتْ لها وللآخرين، وإلا لو عمل كُلُّ عامل على قَدْر حاجته، فكيف يعيش الذي لا يقدر على العمل؟
إذن: فعلى أصحاب القدرة والطاقة أنْ يعملوا لما يكفيهم، ويكفي العاجزين عن العمل، وهَبْ أنك لن تتصدَّق بشيء للمحتاج، لكنك ستبيع الفائض عنك، وهذا في حد ذاته نوعٌ من التيسير على الناس والتعاون معهم.
وما أشبه الأرض في عطائها وسخائها بالأم التي تُجزِل لك العطاء إنْ بررْتَ بها، وكذلك الأرض، بل إن الأم بطبيعتها قد تعطيك دون مقابل وتحنو عليك وإنْ كنت جاحداً، وكذلك الأرض ألاَ تراها تُخرج لك من النبات ما لم تزرعه أو تتعب فيه؟ فكيف إذا أنت أكرَمتها بالبر؟ لا شك ستزيد لك العطاء.
والحقيقة أن الأرض ليست أُمَّنا على وجه التشبيه، بل هي أُمّنا على وجه الحقيقة؛ لأننا من ترابها وجزء منها، فالإنسان إذا مرض مثلاً يصير ثقيلاً على كل الناس لا تتحمله وتحنو عليه وتزيل عنه الأذى مثل أمه، وكذلك إن مات وصار جيفة يأنف منه كل أخ محب وكل قريب، في حين تحتضنه الأرض، وتمتص كل ما فيه، وتستره في يوم هو أحوج ما يكون إلى الستر. ثم يقول تعالى: { وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً.. } [الكهف: 33] ذلك لأن الماء هو أَصْل الزرع، فجعل الله للجنتين ماءً مخصوصاً يخرج منهما ويتفجر من خلالهما لا يأتيهما من الخارج، فيحجبه أحد عنهما.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ... }.
(/2157)
________________________________________
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)

أي: لم يقتصر الأمر على أنْ كان له جنتان فيهما النخيل والأعناب والزرع الذي يُؤتي أُكُله، بل كان له فوق ذلك ثمر أي: موارد أخرى من ذهب وفضة وأولاد؛ لأن الولد ثمرة أبيه، وسوف يقول لأخيه بعد قليل: أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً.
ثم تدور بينهما هذه المحاورة: { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [الكهف: 34]
دليل على أن ما تقدم ذِكْره من أمر الجنتين وما فيهما من نِعَم دَعَتْهُ إلى الاستعلاء هو سبب القول { لِصَاحِبِهِ } ، والصاحب هو: مَنْ يصاحبك ولو لم تكن تحبه { يُحَاوِرُهُ } أي: يجادله بأن يقول أحدهما فيرد عليه الآخر حتى يصلوا إلى نتيجة. فماذا قال صاحبه؟ قال: { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً.. } [الكهف: 34] يقصد الجنتين وما فيهما من نعم { وَأَعَزُّ نَفَراً } [الكهف: 34] داخلة في قوله: { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } [الكهف: 34] وهكذا استغنى هذا بالمال والولد.
ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ... }.
(/2158)
________________________________________
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35)

عرفنا أنهما جنتان، فلماذا قال: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.. } [الكهف: 35] نقول: لأن الإنسان إنْ كان له جنتان فلنْ يدخلهما معاً في وقت واحد، بل حَالَ دخوله سوف يواجه جنةً واحدة، ثم بعد ذلك يدخل الأخرى.
وقوله: { وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.. } [الكهف: 35] قد يظلم الإنسان غيره، لكن كيف يظلم نفسه هو؟ يظلم الإنسان نفسه حينما يُرخيِ لها عنان الشهوات، فيحرمها من مشتهيات أخرى، ويُفوِّت عليها ما هو أبقى وأعظم، وظلم الإنسان يقع على نفسه؛ لأن النفس لها جانبان: نفسٌ تشتهي، ووجدان يردع بالفطرة.
فالمسألة ـ إذن ـ جدل بين هذه العناصر؛ لذلك يقولون: أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه، فإنْ قلت: كيف وأنا ونفسي شيء واحد؟ لو تأملتَ لوجدتَ أنك ساعة تُحدِّث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه؛ لأن بداخلك شخصيتين: شخصية فطرية، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية، فإنْ مَالتْ النفس الشهوانية أو انحرفتْ قَوَّمتها النفس الفطرية وعَدلَت من سلوكها.
لذلك قلنا: إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عَمَّتْ المعصية في الناس، ولم يَعُدْ هناك مَنْ ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولاً يرشدهم ويُذكِّرُهم، إلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سبحانه حَمَّلهم رسالة نبيهم، وجعل هدايتهم بأيديهم، وأخرج منهم مَنْ يحملون راية الدعوة إلى الله؛ لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل.
وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يَعُمْ، فإنْ وُجِد من بين هذه الأمة العاصون، ففيها أيضاً الطائعون الذين يحملون راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مسألة ضرورية، وأساسٌ يقوم عليه المجتمع الإسلامي.
ثم يقول تعالى: { قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً } [الكهف: 35]
فهل معنى هذا أنه ظالم لنفسه بالدخول؟ لا، لأنها جنتُه يدخلها كما يشاء، إنما المراد بالظلم هنا ما دار في خاطره، وما حَدَّث نفسه به حالَ دخوله، فقد ظلم نفسه عندما خطر بباله الاستعلاء بالغِنَى، والغرور بالنعمة، فقال: ما أظنُّ أنْ تبيدَ هذه النعمة، أو تزول هذه الجنة الوارفة أو تهلك، لقد غَرَّهُ واقع ملموس أمام عينيه استبعد معه أن يزول عنه كل هذا النعيم، ليس هذا وفقط، بل دعاه غروره إلى أكثر من هذا فقال: { وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً... }.
(/2159)
________________________________________
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36)

هكذا أطلق لغروره العنان، وإنْ قُبلَتْ منه:{ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً }[الكهف: 35] فلا يُقبَل منه { وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.. } [الكهف: 36] لذلك لما أنكر قيام الساعة هَزَّته الأوامر الوجدانية، فاستدرك قائلا: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىا رَبِّي.. } [الكهف: 36] أي: على كل حال إنْ رُددتُ إلى ربي في القيامة، فسوف يكون لي أكثر من هذا وأعظم وكأنه ضمن أن الله تعالى أَعدَّ له ما هو أفضل من هذا.
ونقف لنتأمل قَوْل هذا الجاحد المستعلي بنعمة الله عليه المفتون بها: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىا رَبِّي.. } [الكهف: 36] حيث يعرف أن له رباً سيرجع إليه، فإنْ كنت كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، لا تُناقِض نفسك، فما حدَث منك من استعلاء وغرور وشَكٍّ في قيام الساعة يتنافى وقولك { رَبِّي } ولا يناسبه.
و { مُنْقَلَباً } أي: مرجعاً.
ثم يقول الحق سبحانه: { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ... }.
(/2160)
________________________________________
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)

هنا يردُّ عليه صاحبه المؤمن مُحَاوراً ومُجادلاً ليجُلِّيَ له وَجْه الصواب: { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ.. } [الكهف: 37] أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خَلْقك { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ.. } [الكهف: 37] وهي أصل التناسل { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } [الكهف " 37] أي: كاملاً مُسْتوياً (ملو هدومك).
و { سَوَّاكَ.. } [الكهف: 37] التسوية: هي إعداد الشيء إعداداً يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن العود الحديد السَّويّ مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في الخطاف هو عَيْن استقامته واستواء مهمته؛ لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو كان الخطاف هذا مستقيماً لما أدَّى مهمته المرادة.
والهمزة في { أَكَفَرْتَ.. } [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه، وما بدر منه من كُفْر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خَلْقه.
والتراب هو أَصْل الإنسان، وهو أيضاً مرحلة من مراحل خَلْقه؛ لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة{ مِّن مَّآءٍ }[السجدة: 8] ومرة{ مِن تُرَابٍ }[آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة{ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }[الحجر: 26] ومرة{ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ }[الرحمن: 14].
لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خَلْق الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإنْ أضفْتَ الماء للتراب صار طيناً، فإذا ما خلطْتَ الطين بعضه ببعض صار حمأ مسنوناً، فإذا تركته حتى يجفّ ويتماسك صار صَلْصَالاً، إذن: فهي مرحليات لشيء واحد.
ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: { لَّاكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي... }.
(/2161)
________________________________________
لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)

قوله: { لَّاكِنَّاْ.. } [الكهف: 38] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأُدغمت النون في النون. ولكن للاستدراك، المؤمن يستدرك على ما قاله صاحبه: أنا لستُ مثلك فيما تذهب إليه، فإنْ كنت قد كفرتَ بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة. ثم سوَّاك رجلاً، فأنا لم أكفر بمَنْ خلقني، فقَوْلي واعتقادي الذي أومن به: { هُوَ اللَّهُ رَبِّي.. } [الكهف: 38]
وتلاحظ أن الكافر لم يَقُلْ: الله ربي، إنما جاءتْ ربي على لسانه في معرض الحديث، والفرْق كبير بين القولين؛ لأن الربّ هو الخالق المتولّي للتربية، وهذا أمر لا يشكّ فيه أحد، ولا اعتراض عليه، إنما الشكّ في الإله المعبود المطاع، فالربوبية عطاء، ولكن الألوهية تكليف؛ لذلك اعترف الكافر بالربوبية، وأنكر الألوهية والتكليف.
ثم يؤكد المؤمن إيمانه فيقول: { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 38]
ولم يكتفِ المؤمن بأن أبانَ لصاحبه ما هو فيه من الكفر، بل أراد أنْ يُعدّي إيمانه إلى الغير، فهذه طبيعة المؤمن أنْ يكون حريصاً على هداية غيره، لذلك بعد أنْ أوضح إيمانه بالله تعالى أراد أن يُعلِّم صاحبه كيف يكون مؤمناً، ولا يكمُل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأيضاً من العقل للمؤمن أن يحاول أن يهدي الكافر؛ لأن المؤمن صُحح سلوكه بالنسبة للآخرين، ومن الخير للمؤمن أيضاً أن يُصحِّح سلوك الكافر بالإيمان.
لذلك من الخير بدل أنْ تدعوَ على عدوك أن تدعو له بالهداية؛ لأن دعاءك عليه سيُزيد من شقائك به، وها هو يدعو صاحبه، فيقول: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ... }.
(/2162)
________________________________________
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)

يريد أنْ يُعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة، بأنْ يردَّ النعم إلى المنعم؛ لأن النعمة التي يتقلّب فيها الإنسان لا فضْلَ له فيها، فكلها موهوبة من الله، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتتْ أُكُلها؟ إنها الأرض التي خلقها الله لك، وعندما حرثْتها حرثْتها بآلة من الخشب أو الحديد، وهو موهوب من الله لا دَخْلَ لك فيه، والقوة التي أعانتك على العمل موهوبة لك يمكن أن تُسلبَ منك في أيِّ وقت، فتصير ضعيفاً لا تقدر على شيء.
إذن: حينما تنظر إلى كُلِّ هذه المسائل تجدها منتهيةً إلى العطاء الأعلى من الله سبحانه.
خُذْ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحاً وهو في غاية الأناقة وإبداع الصَّنْعة، من أين أتى الصُّنّاع بمادته؟ لو تتبعتَ هذا لوجدته قطعةَ خشب من إحدى الغابات، ولو سألتَ الغابة: من أين لك هذا الخشب لأجابتْك من الله.
لذلك يُعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا، بقوله:{ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ }[الواقعة: 63-64]
هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض، فتنمو معك يوماً بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك، وذلّلها لخدمتك، كما قال تعالى:{ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }[يس: 72]
ما استطعت أنت تسخيرها.
إذن: لو حلَّلْتَ أيَّ نعمة من النعم التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه. وحتى بعد أن ينمو الزرع ويُزهر أو يُثمر لا تأمن أن تأتيه آفةٌ أو تحلُّ به جائحة فتهلكه؛ لذلك يقول تعالى بعدها:{ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }[الواقعة: 65-67]
كما يقول تعالى:{ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ }[القلم: 17-20]
وكذلك في قوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ }[الواقعة: 68-69]
هذا الماء الذي تشربونه عَذْباً زلالاً، هل تعرفون كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحاباً تسوقه الريح؟ هل دريْتُم بهذه العملية؟{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً.. }[الواقعة: 70]
أي: مِلْحاً شديداً لا تنتفعون به.
فحينما يمتنُّ الله على عبيده بأيّ نعمة يُذكِّرهم بما ينقضها، فهي ليست من سَعْيهم، وعليهم أنْ يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلاَّ فَلْيحافظوا عليها هم إنْ كانت من صُنْع أيديهم!
وكذلك في مسألة خَلْق الإنسان يوضح سبحانه وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى:

{ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ }[الواقعة: 58-60] فإنْ كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه الموت. فذكر سبحانه النعمة في الخَلْق، وما ينقض النعمة في أَصْل الخَلْق.
أما في خَلْق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ }[الواقعة: 71-72]
فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطاماً، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجاً، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيِّل الآية بقوله تعالى:{ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ }[الواقعة: 73]
كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ففي الحديث عن الزرع ـ ولأن للإنسان عملاً فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره ـ نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول:{ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً.. }[الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك.
أما في الحديث عن الماء ـ وليس للإنسان دخل في تكوينه ـ فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى:{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً.. }[الواقعة: 70] دون توكيد؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلاً في هذا الماء الذي ينهمر من السماء.
نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ويُعلِّمه كيف يستقبل نعمة الله عليه:{ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. }[الكهف: 39] } لَوْلا { بمعنى: هلاَّ وهي للحثِّ والتحضيض، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة إلا الموت ".
فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألاَّ تُلهيكَ النعمة عن المنعم، كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فتردّ النعمة إلى خالقها ومُسديها، وما دُمْتَ قد رددْتَ النعمة إلى خالقها فقد استأمنْتَهُ عليها واستحفظته إياها، وضمنْتَ بذلك بقاءها.
وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ كان عالماً بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلُّبات تعكر عليه صَفْو الحياة من خوف أو قلق أو همٍّ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها.

فكان رضي الله عنه يُخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن فكان يقول في الخوف: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى:{ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }[آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ }[آل عمران: 174] وعجبتُ لمن اغتمَّ ـ لأن الغَمَّ انسداد القلب وبلبلة الخاطر من شيء لا يعرف سببه ـ وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزع إلى قول الله تعالى:{ لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ }[الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل:{ وَكَذالِكَ نُنجِـي الْمُؤْمِنِينَ }[الأنبياء: 88] وكأنها (وصْفة) عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبيّ الله يونس عليه السلام.
فقوْل المؤمن الذي أصابه الغم:{ لاَّ إِلَـاهَ إِلاَّ أَنتَ.. }[الأنبياء: 87] أي: لا مفزع لي سواك، ولا ملجأ لي غيرك{ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.. }[الأنبياء: 87] اعتراف بالذنب والتقصير، فلعل ما وقعتُ فيه من ذنب وما حدث من ظلم لنفسي هو سبب هذا الغم الذي أعانيه.
وعجبتُ لمن مُكر به، كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى:{ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ.. }[غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ.. }[غافر: 45] فالله تبارك وتعالى هو الذي سيتولى الرد عليهم ومقابلة مكرهم بمكره سبحانه، كما قال تعالى:{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }[آل عمران: 54]
وعجبتُ لمن طلب الدنيا وزينتها ـ صاحب الطموحات في الدنيا المتطلع إلى زخرفها ـ كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: } مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. { [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول:{ فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ }[الكهف: 40]
فإن قلتها على نعمتك حُفظتْ ونمَتْ، وإن قلتها على نعمة الغير أعطاك الله فوقها.
والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع الدنيا شيئاً يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير الدنيا، رغم ما يتقلّب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ودوام النعمة فيها أن نقول: } مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.. { [الكهف: 39]
ويستطرد المؤمن، فيُبيِّن لصاحبه ما عَيَّره به من أنه فقير وهو غني، وما استعلى عليه بماله وولده: } إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً { [الكهف: 39]
ثم ذكّره بأن الله تعالى قادر على أنْ يُبدِّل هذا الحال، فقال: } فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ... {.
(/2163)
________________________________________
فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)

وعسى للرجاء، فإن كان الرجاء من الله فهو واقع لا شكَّ فيه؛ لذلك حينما تقول عند نعمة الغير: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) يعطيك الله خيراً مما قُلْت عليه: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وإن اعترفتَ بنعمة الله عليك ورددْت الفضل إليه سبحانه زادك، كما جاء في قوله تعالى:{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }[إبراهيم: 7]
فقوله: { فعسَىا رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ } [الكهف: 40] أي: ينقل مسألة الغنى والفقر ويُحوّلها، فأنت لا قدرة لك على حفظ هذه النعمة، كما أنك لا قدرةَ لك على جَلْبها من البداية. إذن: يمكن أنْ يعطيني ربي نعمة مثل نعمتك، في حين تظل نعمتك كما هي، لكن إرادة الله تعالى أن يقلبَ نعمتك ويزيلها: { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ } [الكهف: 40] هذه النعمة التي تعتز بها وتفخر بزهرتها وتتعالى بها على خَلْق الله يمكن أنْ يرسلَ الله عليها حُسْباناً.
والحُسْبان: الشيء المحسوب المقدَّر بدقّة وبحساب، كما جاء في قوله تعالى:{ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }[الرحمن: 5] والخالق سبحانه وتعالى جعل الشمس والقمر لمعرفة الوقت:{ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ }[يونس: 5] ونحن لا نعرف من هذه عدد السنين والحساب إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطةً على نظام دقيق لا يختلّ، مثل الساعة لا تستطيع أنْ تعرفَ بها الوقت وتضبطه إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة، والشيء لا يكون حسباناً لغيره إلا إذا كان هو نفسه مُنْشأ على حُسْبان.
وحَسب حُسْباناً مثل غفر غفراناً، وقد أرسل الله على هذه الجنة التي اغترَّ بها صاحبها صاعقة محسوبة مُقدَّرة على قَدْر هذه الجنة لا تتعدَّاها إلى غيرها، حتى لا يقول: إنها آية كونية عامة أصابتني كما أصابت غيري.. لا. إنها صاعقة مخصوصة محسوبة لهذه الجنة دون غيرها.
ثم يقول تعالى: { فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً } [الكهف: 40] أي: أن هذه الجنة العامرة بالزروع والثمار، المليئة بالنخيل والأعناب بعد أن أصابتها الصاعقة أصبحتْ صَعيداً أي: جدباء يعلُوها التراب، ومنه قوله تعالى في التيمُّم:{ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً }[النساء: 43] ليس هذا وفقط، بل { صَعِيداً زَلَقاً } [الكهف: 40] أي: تراباً مُبلّلاً تنزلق عليه الأقدام، فلا يصلح لشيء، حتى المشي عليه.
(/2164)
________________________________________
أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)

{ غَوْراً } أي: غائراً في الأرض، فإنْ قُلْت: يمكن أنْ يكونَ الماء غائراً، ونستطيع إخراجه بالآلات مثلاً، لذلك يقطع أمله في أيِّ حيلة يفكر فيها: { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً } [الكهف: 41] أي: لن تصل إليه بأيِّ وسيلة من وسائلك، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ }[الملك: 30]
لاحظ أن هذا الكلام من المؤمن لصاحبه الكافر مجرد رجاء يخاطبه به:{ فعسَىا رَبِّي.. }[الكهف: 40] رجاء لم يحدث بَعْد، ولم يصل إلى إيقاعيات القدر.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا... }.
(/2165)
________________________________________
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)

هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ولم يكذب توقعه { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] أحيط: كأنْ جعل حول الثمر سوراً يحيط به، فلا يكون له منفذ، كما قال في آية أخرى:{ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ }[يونس: 22]
وتلاحظ أنه سبحانه قال: { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] ولم يقُلْ مثلاً: أحيط بزرعه أو بنخله؛ لأن الإحاطة قد تكون بالشيء، ثم يثمر بعد ذلك، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته، وهو قريب الجنْي قريب التناول، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشدَّ، والثمر هو الغاية والمحصّلة النهائية للزرع. ثم يُصوِّر الحق سبحانه ندم صاحب الجنة وأَسَفه عليها: { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا } [الكهف: 42] أي: يضرب كَفّاً بكفٍّ، كما يفعل الإنسان حينما يفاجئه أمر لا يتوقعه، فيقف مبهوتاً لا يدري ما يقول، فيضرب كفّاً بكفٍّ لا يتكلم إلا بعد أن يُفيق من هَوْل هذه المفاجأة ودَهْشتها.
ويُقلِّب كفَّيْه على أيِّ شيء؟ يُقلِّب كفيه ندماً على ما أنفق فيها { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا } [الكهف: 42] خاوية: أي خَربة جَرْداء جَدْباء، كما قال سبحانه في آية أخرى:{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىا قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىا عُرُوشِهَا }[البقرة: 259]
ومعلوم أن العروش تكون فوق، فلما نزلت عليها الصاعقة من السماء دكَّتْ عروشها، وجعلت عاليها سافلها، فوقع العرش أولاً، ثم تهدَّمتْ عليه الجدران.
وقوله تعالى: { وَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 42] بعد أن ألجمتْه الدهشة عن الكلام، فراحَ يضرب كفَّاً بكفٍّ، أفاق من دهشته، ونزع هذا النزوع القوليّ الفوري: { يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } [الكهف: 42] يتمنى أنه لم يشرك بالله أحداً؛ لأن الشركاء الذين اتخذهم من دون الله لم ينفعوه، لذلك قال بعدها: { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ... }.
(/2166)
________________________________________
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43)

أي: ليس لديه أعوان ونُصراء يدفعون عنه هذا الذي حَلّ به، ويمنعون عنه الخراب الذي حاقَ بجنته { وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } [الكهف: 43] أي: ما كان ينبغي له أن ينتصر، ولا يجوز له الانتصار، لماذا؟
ثم يقول الحق سبحانه: { هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ... }.
(/2167)
________________________________________
هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)

هنالك: أي في وقت الحالة هذه، وقتَ أنْ نزلتْ الصاعقة من السماء فأتتْ على الجنة، وجعلتها خاوية على عروشها، هناك تذكّر المنعمَ وتمنّى لو لم يشرك بالله، فقوله: { هُنَالِكَ } أي: في الوقت الدقيق وقت القمة، قمة النكَد والكَدَر.
و { هُنَالِكَ } جاءت في القرآن في الأمر العجيب، ويدعو إلى الأمر الأعجب، من ذلك قصة سيدنا زكريا ـ عليه السلام ـ لما دخل على السيدة مريم، فوجد عندها رزقاً:{ قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّىا لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران: 37]
وكان زكريا ـ عليه السلام ـ هو المتكفّل بها، الذي يُحضِر لها الطعام والشراب، فلما رأى عندها أنواعاً من الطعام لم يَأْتِ بها سألها من أيْن؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب، فأطمع هذا القولُ زكريا في فضل الله، وأراد أن يأخذ بالأسباب، فدعا الله أن يرزقه الولد، وقد كانت امرأته عاقراً فقال تعالى:{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }[آل عمران: 38]
و { الْوَلاَيَةُ } أن يكون لك ولي ينصرك، فالولي هو الذي يليك، ويدافع عنك وقت الشدة، وفي قراءة أخرى: (هُنَالِكَ الْوِلايَةُ) بكسر الواو يعني الملك، كما في قوله:{ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }[غافر: 16]
وقوله: { هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً.. } [الكهف: 44] لأنه سيجازى على العمل الصالح بثواب، هو خير من الدنيا وما فيها { وَخَيْرٌ عُقْباً } [الكهف: 44] أي: خير العاقبة بالرزق الطيب في جنة الخلد.
هكذا ضرب الله تعالى لنا مثلاً، وأوضح لنا عاقبة الغنيّ الكافر، والفقير المؤمن، وبيَّن لنا أن الإنسان يجب ألاّ تخدعه النعمة ولا يغره النعيم؛ لأنه موهوب من الله، فاجعل الواهب المنعِمَ سبحانه دائماً على بالك، كي يحافظ لك على نعمتك وإلا لَكُنْتَ مثل هذا الجاحد الذي استعلى واغترّ بنعمة الله فكانت عاقبته كما رأيت.
وهذا مثل في الأمر الجزئي الذي يتعلق بالمكلّف الواحد، ولو نظرتَ إليه لوجدتَه يعمُّ الدنيا كلها؛ فهو مثال مُصغَّر لحال الحياة الدنيا؛ لذلك انتقل الحق سبحانه من المثل الجزئيّ إلى المثل العام، فقال تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ... }.
(/2168)
________________________________________
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)

الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يوضح المجهول لنا بما عُلِم لدينا. وأهل البلاغة يقولون: في هذه الآية تشبيه تمثيل؛ لأنه سبحانه شبّه حال الدنيا في قِصَرها وسرعة زوالها بالماء الذي نزل من السماء، فارتوتْ به الأرض، وأنبتتْ ألواناً من الزروع والثمار، ولكن سرعان ما يذبلُ هذا النبات ويصير هشيماً مُتفتتاً تذهب به الريح.
وهذه صورة ـ كما يقولون ـ منتزعة من مُتعدّد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً، بل عِدّة أشياء، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَل، وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل، نقول: هذا مِثْل هذا، لذلك قال تعالى:{ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ }[النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى.
وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً؛ لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة، وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا.
وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها، وتتبدل بهم، واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها.
ومعنى { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ } [الكهف: 45] أي: اختلط بسببه نبات الأرض، وتداخلَ بعضُه في بعض، وتشابكتْ أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في الأرض الخِصْبة، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها تُخرِج النبات مفرداً، عود هنا وعود هناك.
لكن، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته؟ لا، بل سرعان ما جفَّ وتكسر وصار هشيماً تطيح به الريح وتذروه، هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن، كما قال تعالى:{ حَتَّىا إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً.. }[يونس: 24]
ثم يقول تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً } [الكهف: 45] لأنه سبحانه القادر دائماً على إخراج الشيء إلى ضِدّه، كما قال سبحانه:{ وَإِنَّا عَلَىا ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ }[المؤمنون: 18]
فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام، فلا تنفكّ عنه صفة القدرة أبداً، أحيا وأمات، وأعزَّ وأذلَّ، وقبض وبسط، وضَرَّ ونفع..
ولما كان الكلام السابق عن صاحب الجنة الذي اغترّ بماله وولده فناسب الحديث عن المال والولد، فقال تعالى: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }.
(/2169)
________________________________________
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)

تلك هي العناصر الأساسية في فتنة الناس في الدنيا: المال والبنون، لكن لماذا قدَّم المال؟ أهو أغلى عند الناس من البنين؟ نقول: قدَّم الحق سبحانه المال على البنين، ليس لأنه أعزُّ أو أغلى؛ إنما لأن المال عام في المخاطب على خلاف البنين، فكلُّ إنسان لديه المال وإنْ قلَّ، أما البنون فهذه خصوصية، ومن الناس مَنْ حُرِم منها.
كما أن البنين لا تأتي إلا بالمال؛ لأنه يحتاج إلى الزواج والنفقة لكي يتناسل ويُنجب، إذن: كل واحد له مال، وليس لكل واحد بنون، والحكم هنا قضية عامة، وهي: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. } [الكهف: 46] كلمة { زِينَةُ } أي: ليست من ضروريات الحياة، فهو مجرد شكل وزخرف؛ لأن المؤمن الراضي بما قُسِمَ له يعيش حياته سعيداً بدون مال، وبدون أولاد؛ لأن الإنسان قد يشقَى بماله، أو يشقى بولده، لدرجة أنه يتمنى لو مات قبل أن يُرزقَ هذا المال أو هذا الولد.
وقد باتت مسألة الإنجاب عُقْدة ومشكلة عند كثير من الناس، فترى الرجل كَدِراً مهموماً؛ لأنه يريد الولد ليكون له عِزْوة وعِزّة، وربما يُزَرق الولد ويرى الذُّلَّ على يديه، وكم من المشاكل تُثار في البيوت؛ لأن الزوجة لا تنجب.
ولو أيقن الناس أن الإيجاد من الله نعمة، وأن السَّلْب من الله أيضاً نعمة لاستراح الجميع، ألم نقرأ قول الله تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }[الشورى: 49-50]
إذن: فالعُقْم في ذاته نعمة وهِبَة من الله لو قبلها الإنسان من ربه لَعوَّضه الله عن عُقْمه بأنْ يجعل كل الأبناء أبناءه، ينظرون إليه ويعاملونه كأنه أبٌ لهم، فيذوق من خلالهم لذَّة الأبناء دون أن يتعب في تربية أحد، أو يحمل هَمَّ أحد.
وكذلك، الذي يتكدر لأن الله رزقه بالبنات دون البنين، ويكون كالذي قال الله فيه:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَىا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }[النحل: 58]
إنه يريد الولد ليكون عِزْوة وعِزّة. ونسى أن عزة المؤمن بالله لا بغيره، ونقول: والله لو استقبلت البنت بالفرح والرضا على أنها هِبَة من الله لكانتْ سبباً في أن يأتي لها زوج أبرّ بك من ولدك، ثم قد تأتي هي لك بالولد الذي يكون أعزّ عندك من ولدك.
إذن: المال والبنون من زينة الحياة وزخرفها، وليسا من الضروريات، وقد حدد لنا النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: " من أصبح مُعَافىً في بدنه، آمناً في سِرْبه ـ أي: لا يهدد أمنه أحد ـ وعنده قوت يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها "


فما زاد عن ذلك فهو من الزينة، فالإنسان ـ إذن ـ يستطيع أن يعيش دون مال أو ولد، يعيش بقيم تعطي له الخير، ورضاً يرضيه عن خالقه تعالى.
ثم يقول تعالى: } وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً { [الكهف: 46]
لأن المال والبنين لن يدخلا معك القبر، ولن يمنعاك من العذاب، ولن ينفعك إلا الباقيات الصالحات. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أُهديَتْ إليه شاة، وكانت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تعرف أن رسول الله يحب من الشاة الكتف؛ لأنه لَحْم رقيق خفيف؛ لذلك احتفظتْ لرسول الله بالكتف وتصدّقت بالباقي، فلما جاء صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا صنعتِ في الشاة "؟ قالت: ذهبتْ كلها إلا كتفها، فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: " بل بقيت كلها إلا كتفها ".
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: " هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فأبقيْتَ ".
وهذا معنى: } وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. { [الكهف: 46]
والسؤال الذي يتبادر إلى الذِّهْن الآن: إذا لم يكُنْ المال والبنون يمثلان ضرورة من ضروريات الحياة، فما الضروريات في الحياة إذن؟ الضروريات في الحياة هي كُلُّ ما يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ووسيلة لحياة باقية دائمة ناعمة مسعدة، لا تنتهي أنت من النعيم فتتركه، ولا ينتهي النعيم منك فيتركك، إنه نعيم الجنة.
الضروريات ـ إذن ـ هي الدين ومنهج الله والقِيَم التي تُنظم حركة الحياة على وَفْق ما أراد الله من خلق الحياة.
ومعنى: } وَالْبَاقِيَاتُ { [الكهف: 46] ما دام قال } وَالْبَاقِيَاتُ { فمعنى هذا أن ما قبلها لم يكُنْ من الباقيات بل هو زائل بزوال الدنيا، ثم وصفها بالصالحات ليفرق بينها وبين الباقيات السيئات التي يخلدون بها في النار.
} وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. { [الكهف: 46] خير عند مَنْ؟ لأن كل مضاف إليه يأتي على قوة المضاف إليه، فخَيْرك غير خير مَنْ هو أغنى منك، غير خير الحاكم، فما بالك بخير عند الله؟
} خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً { [الكهف: 46]
والأمل: ما يتطلع إليه الإنسان مما لم تكُنْ به حالته، فإنْ كان عنده خير تطلَّع إلى أعلى منه، فالأمل الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كُلُّ هذا يُبيّن لنا أن هذه الدنيا زائلة، وأننا ذاهبون إلى يوم بَاقٍ؛ لذلك أردف الحق سبحانه بعد الباقيات الصالحات ما يناسبها، فقال تعالى: } وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً... {.
(/2170)
________________________________________
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)

أي: اذكر جيداً يوم نُسيِّر الجبال وتنتهي هذه الدنيا، واعمل الباقيات الصالحات لأننا سنُسيّر الجبال التي تراها ثابتة راسخة تتوارث الأجيال حجمها وجِرْمها، وقوتها وصلابتها، وهي باقية على حالها.
ومعنى تسيير الجبال: إزالتها عن أماكنها، كما قال في آية أخرى:{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً }[النبأ: 20]
وقال في آية أخرى{ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ }[التكوير: 3]
وقال:{ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ }[المرسلات: 10] وقال:{ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ }[المعارج: 8-9]
ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر أقوى مظهر ثابت في الحياة الدنيا، وإلا ففي الأرض أشياء أخرى قوية وثابتة كالعمائر ناطحات السحاب، والشجر الكبير الضخم المعمّر وغيرها كثير. فإذا كان الحق سبحانه سينسف هذه الجبال ويُزيلها عن أماكنها، فغيرها مما على وجه الأرض زائل من باب أَوْلَى.
ثم يقول سبحانه: { وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً } [الكهف: 47]
الأرض: كُلّ ما أقلَّك من هذه البسيطة التي نعيش عليها، وكل ما يعلوك ويُظِلُّك فهو سماء، ومعنى: { بَارِزَةً } البَرَازُ: هو الفضاء، أي: وترى الأرض فضاءً خالية مما كان عليها من أشكال الجبال والمباني والأشجار، حتى البحر الذي يغطي جزءاً كبيراً من الأرض.
كل هذه الأشكال ذهبتْ لا وجودَ لها، فكأن الأرض بَرزَتْ بعد أنْ كانت مختبئة: بعضها تحت الجبال، وبعضها تحت الأشجار، وبعضها تحت المباني، وبعضها تحت الماء، فأصبحتْ فضاء واسعاً، ليس فيه مَعْلَمٌ لشيء.
ومن ذلك ما نُسمِّيه نحن المبارزة، فنرى الفتوة يقول للآخر (اطلع لي بره) أي: في مكان خال حتى لا يجد شيئاً يحتمي به، أو حائطاً مثلاً يستند عليه، وبرز فلان لفلان وبارزه أي: صارعه.
{ وَحَشَرْنَاهُمْ } [الكهف: 47] أي: جمعناهم ليوم الحساب؛ لأنهم فارقوا الدنيا على مراحل من لَدُن آدم عليه السلام، والموت يحصد الأرواح، وقد جاء اليوم الذي يُجمع فيه هؤلاء.
{ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الكهف: 47] أي: لم نترك منهم واحداً، الكلُّ معرض على الله، وكلمة { نُغَادِرْ } [الكهف: 47] ومادة (غدر) تؤدي جميعها معنى الترْك، فالغدر مثلاً تَرْك الوفاء وخيانة الأمانة، حتى غدير وهو جدول الماء الصغير سُمِّي غديراً؛ لأن المطر حينما ينزل على الأرض يذهب ويترك شيئاً قليلاً في المواطئ.
ثم يقول الحق سبحانه: { وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ... }.


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 45 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2, 3  التالي

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 0 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
cron
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط