موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 94 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1 ... 3, 4, 5, 6, 7  التالي
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد أغسطس 23, 2015 5:24 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
سورة المعارج

الأية من 19 حتى 28
بسم الله الرحمن الرحيم

• إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
• إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا
• وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
• إِلاَّ الْمُصَلِّينَ
• الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ
• وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
• لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
• وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
• وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ
• إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ



يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الإِنسانَ خُلق هَلُوعاً
--- قال ابن عباس: الهلوع: الحريص على ما لا يجده، وعن الضحاك: هو الذي لا يشبع. وأصل الهلع: أشد الحرص وأسوأ الجزع، قال صلى الله عليه وسلم: " شر ما أعطي العبدُ شحٌّ هالع، وجُبن خالعٌ "، وأحسن تفاسيره: ما فسّره به الحق تعالى بقوله: {إِذا مَسَّهُ الشرُّ جَزوعاً} ؛ مبالغ في الجزع، {وإِذا مسّه الخيرُ} أي: السعة والعافية {مَنوعاً} ؛ مبالغاً في المنع والإمساك، وسُئل ثعلب عن الهلوع، فقال: قد فسّره اللهُ تعالى، ولا يكون تفسيرٌ أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شرٌّ أظهر شدّة الجزع، وإذا ناله خيرٌ بخل ومنع، وهذا طبعه، وهو مأمور بمخالفة طبعه، وموافقة شرعه.= والشرُّ: الضرُّ والفقر، والخير: السعة والغنى.
ثم استثنى مِن الإنسان؛ لأنَّ المراد به الجنس، فقال: {إِلاَّ المُصَلِّين الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دائمون} لا يشغلهم عنها شاغل؛ لاستغراقهم في طاعة الخالق، واتصافهم بالإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف من العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل، على خلاف القبائح المذكورة، التي طبع عليه البشر.
--- قال ابن جُزي: لأنَّ صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون مِن شرها، ولا يبخلون بخيرها=
. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقها إن شاء اللهُ. {والذين في أموالهم حقٌّ معلومٌ} يعني الزكاة؛ لأنها مقدّرةٌ معلومةٌ، أو صدقةٌ يوظفها الرجلُ على نفسه، يؤديها في أوقات معلومة، {للسائلِ} الذي يسأله، {والمحرومِ} الذي لا يسأله تعفُّفاً، فيظن أنه غني، فيُحرم.
{
والذين يُصَدِّقُونَ بيوم الدين} أي: يوم الجزاء والحساب، فيتعبون أنفسَهم في الطاعات البدنية والمالية؛ طمعاً في المثوبة الأخروية، فيستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزاء.
--- {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} ؛ خائفون على أنفسهم مع ما لهم من الأعمال الفاضلة، استقصاراً لها، واستعظاماً لجانبه عزّ وجل، كقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ... } [المؤمنون: 60] ، الخ {إِنَّ عذابَ ربهم غيرُ مأمونٍ} ، هو اعتراض مؤذن بأنه لا ينبغي لأحدٍ أن يأمنَ مِن عذابه تعالى، ولو بلغ في الطاعة ما بلغ، بل ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء كجناحي الطائر.=

الإشارة: طبعُ الإنسان من حيث هو: الجزع والهَلع، لخراب الباطن من النور، إلاّ أهل التوجه، وهم مَن مَنَّ اللهُ عليهم بصُحبة أهل الغنى بالله، وهم الذين ذّكَرَ اللهُ بقوله: {على صلاتهم دائمون} أي: صلاة القلوب، وهي دوام الحضور مع الحق، باستغراق أفكارهم في أسرار التوحيد، وهو مقام الفناء في الذات، فهم الذين تطهَّروا من الهلع لِما باشر قلوبَهم من صفاء اليقين، فمَن لم يبلغ هذا لا ينفك طبعه عن الهلع والطمع، ولو بلغ ما بلغ.
--- قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ قال: نعم إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً. هـ. أي: إذا واجهته أنوارُ المواجهة خضع لها على الدوام،
-- {والذين في أموالهم} أي: فيما منحهم اللهُ من العلوم والأسرار، حق معلوم للسائل، وهو طالب الوصول، والمحروم، وهو طالب التبرُّك، لكثرة علائقه، أو: لضعف همته،
-- أو: للسائل، وهو مَن دخل تحت تصرفهم، والمحروم: مَن لم يدخل في تربيتهم، فله حق، بإرشاده إلى ما يصلحه مما يقدر عليه وينفعه. والذين يُصدِّقون بيوم الدين، فيجعلونه نُصب أعينهم، فيجتهدون في الاستعداد له.
--والذين هم من عذاب ربهم} وهو عذاب القطيعة {مُشفقون إنّ عذاب ربهم غير مأمون} ولو بلغ العبد من التمكين ما بلغ؛ لأنَّ الله مُقَلِّب القلوب ولا يأمن مكرَ الله إلاَّ القوم الخاسرون


_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أغسطس 24, 2015 5:20 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
سورة نوح
الأية من 1إلى 14

بسم الله الرحمن الرحيم
1. إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
2. قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
3. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
4. يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
5. قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا
6. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا
7. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا
8. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
9. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا
10. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
11. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
12. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
13. مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
14. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا

يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا أرسلنا نوحاً}
--وهو أول أُلي العزم. قيل: معناه بالسريانية: الساكن وقيل: سمي له لكثرة نوحه شوقاً إلى ربه=
{أنْ أَنْذِر قَوْمَكَ} أي: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، ومحله عند الخليل: الجر: وعند غيره: نصب، أو: " أنْ " مفسرة؛ لأنَّ الإرسال فيه معنى القول، فلا يكون للجملة محل، وقُرىء: " أنذر " بغير " أنْ "، أي: خوّف قومك {مِن قبل أن يأتيهم عذابٌ أليم} ؛ عذاب الآخرة، أو الطوفان، لئلا يبقى لهم عذر أصلاً.
{قال يا قوم} ، أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة {إِني لكم نذير مبينٌ} ؛ مُنذِر موضّح لحقيقة الأمر، أُبين لكم رسالة ربي بِلُغةٍ تعرفونها، {أنِ اعبدُوا اللهَ} أي: وحّدوه، و " أنْ " هذه نحو " أن أنذر " على الوجهين، {واتقوه} ؛ واحذروا عصيانه، {وأطيعونِ} فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وإنما أضافه إلى نفسه؛ لأنَّ الطاعة تكون لغير الله بخلاف العبادة، وطاعته هي طاعة الله.
{يغفرْ لكم من ذنوبكم} أي: بعض ذنوبكم، وهو ما سلف في الجاهلية، فإنَّ الإسلام يَجُبُّه، إلاّ حقوق العباد؛ فإنه يؤديها، وقيل: " مَن " لبيان الجنس، كقوله: {فَاجْتَنِبُواْ الرِجْسَ مَنَ الأَوْثَآنِ} [الحج: 30] . قال ابن عطية: وكونها للتبعيض أبين؛ لكونه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم؛ لعَمّ هذا اللفظ ما تقدّم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يَجُب ما قبله. هـ. قال القشيري: ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدّم وما تأخّر لكان إغراءً لهم، وذلك لا يجوز. هـ. {ويُؤخِّرْكُم إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى} وهو وقت
موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجَلَكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولمّا كان ربما يتوهم أنَّ الأجل قد يتقدّم، رَفَعَه بقوله: {إنَّ أَجَلَ اللهِ} وهو الموت عند تمام الأجل {إِذا جاء لا يُؤخَّرُ لو كنتم تعلمون} أي: لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حُجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي.
--الإشارة: قال القشيري: إنَّا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم: النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية؛ أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، مِن قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال: يا قوم إني لكم نذير بيِّن الإنذار، أن اعبُدوا الله، بأن تُحبوه وحده، ولا تُحبُّوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيُغطيه بنور وجوده، ويُؤخركم إلى أجلٍ مسمى، بتسْمية الأزل، إنَّ أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يُؤخَّر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعّد عنكم الأجل=
يقول الحق جلّ جلاله: {قال} نوح شاكياً إلى الله تعالى: {رَبِّ إِني دعوتُ قومي} إلى الإيمان والطاعة {ليلاً ونهاراً} دائماً بلا فتور ولا توان، {فلم يَزِدْهُم دعائي إِلاَّ فِراراً} مما دعوتهم إليه، ونسب ذلك إلى دعائه لحصوله عنده، وإن لم يكن في الحقيقة سبباً للفرار، وهو كقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا} [التوبة: 125] ، والقرآن لا يكون سبباً لزيادة الرجس، لكن لمّا حصل عنده نُسب إليه، وكان الرجل منهم يذهب بابنه إلى نوح عليه السلام ويقول له: احذر هذا، فلا يعرنّك، فإنّ أبي قد أوصاني بهذا. هـ.
{وإِني كلما دعوتُهم} إلى الإيمان بك {لتغفرَ لهم} أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فاكتفى بذكر المسبَّب، {جعلوا أصابعَهم فِي آذَانِهِم} أي: سدُّوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي، {واستَغْشوا ثيابَهُم} أي: وتغطُّوا بثيابهم لئلا يُبصروني، كراهة النظر إلى وجه مَن
ينصحهم في دين الله، {وأصَرُّوا} ؛ أقاموا على كفرهم {واسْتَكْبَروا استكباراً} أي: تعاظموا عن إجابتي تعاظماً كبيراً. وذِكْرُ المصدر دليل على فرط استكبارهم.
{ثم إِني دَعَوتهم جِهاراً} أي: مجاهراً، فيكون حالاً، أو: مصدر " دعوت "، كقعد القرفصاء؛ لأنّ الجهار أحد نوعَي الدعاء. يعني: أظهرت الدعوة في المحافل والمجالس. {ثم إِني أعلنتُ لهم وأَسررتُ لهم إِسراراً} أي: جَمَعْتُ لهم بين دعاء العلانية والسر، فكنتُ أدعو كل مَن لقيت، فرداً وجماعة. والحاصل: أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر، ثم دعاهم جِهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن، وهكذا يفعل المذكِّر في الأمر بالمعروف، يبتدىء بالأهون فالأشد، افتتح بالمناصحة بالسر، فلما لم يُطيعوا ثنّى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلّث بالجمع بين الإسرار والإعلان. و " ثم " تدل على تباعد الأحوال؛ لأنَّ الجِهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما.

فقلتُ استغفِروا ربكم} بالتوبة من الكفر والمعاصي، فالاستغفار: طلب المغفرة، فإن كان المستغفِر كافراً فهو من الكفر، وإن كان مؤمناً فهو من الذنوب، {إِنه كان غفَّاراً} لم يزل غَفَّار الذنوب لمَن يُنيب إليه، {يُرسل السماءَ} بالمطر {عليكم مِذراراً} ؛ كثير الدُّرور، أي: البروز، و " مِفعال " يستوي فيه المذكر والمؤنث، {ويُمددكم بأموال وبنينَ} أي: يزدكم أمولاً وبنين على ما عندكم، {ويجعل لكم جنات} ؛ بساتين {ويجعل لكم أنهاراً} جارية لمزارعكم وبساتينكم. وكانوا يُحبون الأموال والأولاد، فحرّكوا بهذا على الإيمان،
--- وقيل: لمّا كذّبوه بعد طول تكرار الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأعقم نساءهم أربعين سنة، أو سبعين، فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخِصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه.=
--وعن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي فما زاد على الاستغفار، فمُطر، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد استقيت بمجاديح السماء التي لا تخطىء، ثم قرأ الآية. وفي القاموس: ومجاديح السماء: أنواؤها. هـ. =
--وشكى رجلٌ إلى الحسن الجدوبة، فقال له: استغفِر الله، وشكى إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة غلة أرضه، فأمرهم كلّهم بالاستغفار، فقيل له في ذلك، فقال: ما قلت من عندي شيئاً، ثم تلا الآية=.
{ما لكم لا ترجون لله وَقَاراً} أي: لا تخافون لله عظمةً. قال الأخفش: الرجاء هنا: الخوف؛ لأنّ مع الرجاء طرفاً من الخوف واليأس. والوقار: العظمة. وقال أبو السعود: الرجاء هنا بمعنى الاعتقاد. وجملة (ترجون) : حال من ضمير المخاطبين، و " لله " متعلق بمضمر، حال من (وقارا) ، ولو تأخر لكان صفة له، أي: أيُّ سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة للتعظيم بالإيمان والطاعة. هـ. أو: لا تأملون له توقيراً، أي: تعظيماً، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيه تعظيم الله إياكم في دار الثواب، {وقد خَلَقَكم أطواراً} في موضع الحال، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله، والحال أنكم على حال منافية لِما أنتم عليه بالكلية، وهي أنكم تعلمون خلقكم أطواراً، أي: أحوالاً مختلفة، خَلَقَكم أولاً نُطفاً، ثم خلقكم علقاً، ثم مُضغاً، ثم عظاماً ولحماً، ثم إنساناً، ثم خلقاً آخر، وبعد ظهوره إلى هذا العالم يكون شباباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، بالتقصير في توقير مَن هذه شؤونه من القدرة القاهرة والإحسان التام، مع العلم بها، مما لا يكاد يصدر عن العاقل. والله تعالى أعلم.
--الإشارة: ينبغي للداعي أن يكون على قدم أولي العزم، لا يمل من التذكير والدعاء إلى الله، ويكرر ذلك ليلاً ونهاراًن ولو قُوبل بالرد والإنكار، فلأن يهدي الله به رجلاً واحداً خير له مما طلعت عليه الشمس.-=
وقوله تعالى: {وأصَرُّوا واستكبروا} ، قال القشيري: ويقال: لَمَّا دام إصرارهُم تَولَّدَ منه استكبارُهم، قال تعالى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحديد: 16] . وقال الورتجبي: مَن أصرَّ على المعصية أورثه التمادي على الضلالة، حتى يرى قبيح أفعاله مستحسناً، فإذا رآه مستحسناً يستكبر، ويعلو على أولياء الله، ولا يقبل بعد ذلك نصحتهم. قال سهل: الإصرار على الذنب يورث الاستكبار، والاستكبار يورث الجهل، والجهل يورث التخطي في الباطل، وذلك يورث قساوة القلب، وهي تورث النفاق، والنفاق يورث الكفر. هـ.
وقوله تعالى: {استغفِروا ربكم} قال القشيري: ليعلم العاملون أنَّ الاستغفار قَرْعُ أبوابِ النعمة، ومَن وقعت له إلى الله حاجة فلا يَصِل إلى مرادِه إلاّ بتقديم الاستغفار. ويقال: مَن أراد التفضُّل فعليه بالعُذْر والتنصُّل. هـ. وقوله: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي: ما لكم لا تعتقدون لله تعظيماً وإجلالاً، فلا تراقبونه، ولا تخافون سطوته، فإنَّ المشاهدة على قدر المراقبة، فمَن لم يُحْكِم أمر المراقبة لم يظفر بغاية المشاهدة. وقد خلقكم أطواراً، أي: درّج بشريتكم في أطوار مُختلفة، وهي سبعة: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم الجنين، ثم الطفولية، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم يرتحل إلى دار الدوام، وكذلك الروح لها سبعة أطوار: التوبة ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضاء والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. والله تعالى أعلم.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أغسطس 26, 2015 5:25 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة الجن

بسم الله الرحمن الرحيم
الأية من 14 إلى 28
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا
• وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
• وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا
• لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا
• وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
• وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا
• قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا
• قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا
• قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا
• إِلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
• حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
• قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا
• عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا
• إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
• لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا


يقول الحق جلّ جلاله، في مقالة الجن: {وأنَّا منا الصالحون} أي: الموصوفون بصلاح الحال، في شأن أنفسهم مع ربهم، وفي معاملتهم مع غيرهم، {ومنا دونَ ذلك
أي: ومنا قوم دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح، غير الكاملين فيه على الوجه المذكور، لا في الإيمان والتقوى، كما يتوهم، فإن هذا بيان لحالهم قبل استماع القرآن، كما يُعرب عنه قوله تعالى: {كنا طرائِقَ قِدداً} أي: مذاهب متفرقة، وأدياناً مختلفة، وأما حالهم بعد استماعهم، فسيحكي بقوله تعالى: {وأنا لَمَّا سمعنا الهدى ... } الخ، أي: كنا قبل هذا ذوي طرائق، أي: مذاهب {قِدَداً} أي: متفرقة مختلفة، جمع قِدّة، من: قَدَّ إذا شقّ، كقِطعة من قطع. قاله أبو السعود.
وقال الثعلبي: {وأنَّا منا الصالحون} السبعة الذين استمعوا القرآن، {ومنا دون ذلك} دون الصالحين، {كنا طرائق قددا} أهواء مختلفة، وفِرقاً شتى، كأهواء الإنس، قيل: وقوله: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} ، يعنون بعد استماع القرآن، أي: منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون، ---وقيل: معناه: مسلمون وغير مسلمين، قال المسيب: كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى، =
--وقال السدي: {طرائق قددا} قال: في الجن مثلكم، قدرية، ومرجئة، ورافضة، وشيعة. هـ.=
والحاصل: أن " دون " صفة لمحذوف، وهي إمّا أن تكون بمعنى الأدون، فيكون الجميع مسلمين، لكنهم متفاوتون، أو بمعنى " غير " فيكون المعنى: منا المسلمون ومنا غير المسلمين، كنا مذاهب متفرقة؛ نصارى ويهود ومجوس كالإنس، والظاهر: أنه قبل استماع القرآن، بدليل ما يأتي في قوله: {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى ... } الخ.
{وأنَّا ظننا} أي: تيقَّنَّا {أن لن نُّعْجِزَ اللهَ} أي: أن الشأن لن نفوت الله ونسبقه، و {في الأرض} : حال، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، {ولن نُّعجِزَه هَرَباً} : مصدر في موضع الحال، هاربين منها إلى السماء، أي: فلا مهرب منه تعالى إن طلبنا، لا في أرضه ولا في سمائه. {وأنَّا لمَّا سمعنا الهُدى} ؛ القرآن {آمنا به} ؛ بالقرآن، أو بالله تعالى، {فمَن يؤمن بربه فلا يخافُ} أي: فهو لا يخاف {بَخْساً} ؛ نقصاً {ولا رَهَقَا} أي: ولا ترهقه ذلة، كقوله: {وَلآ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلآ ذِلَّةُ} [يونس: 26] ، وفيه دليل على أنَّ العمل ليس من الإيمان، وأنَّ المؤمن لا يخلد في النار.
{
وأنَّا منا المسلمون} ؛ المؤمنون، {ومنّا القاسِطون} ؛ الجائرون عن طريق الحق، الذي هو الإيمان والطاعة، وهم الكفرة {فمَن أسلم فأولئك تَحَروا رَشَداً} ؛ طلبوا هدى. والتحرّي: طلب الأحرى، أي الأَولى، وجمع الإشارة باعتبار معنى " مَن "، {وأمَّا القاسطون} ؛ الحائدون عن الإسلام، {فكانوا} في علم الله {لِجهنم حَطَباً} ؛ وقوداً، وفيه دليل على أنَّ الجنِّي الكافر يُعذّب في النار وإن كان منها، والله أعلم بكيفية عذابه، وقد تقدّم أنّ المشهور أنهم يُثابون على طاعتهم بالجنة، قال ابن عطية: في قوله تعالى: {فمَن أسلم..} الخ، الوجه فيه: أن تكون مخاطبة مِن الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤيده ما بعده من الآيات{وأن لو استقاموا} أي: القاسطون {على الطريقة} ؛ طريقة الإسلام {لأسْقيناهم} المطر {ماءً غَدَقاً} أي: كثيراً، والمعنى: لوسّعنا عليهم الرزق. وذكر الماء الغَدَق؛ لأنه سبب سعة الرزق، {لِنفتنَهم فيه} ؛ لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خُوِّلوا منه
---. وفي الحديث القدسي يقول الله عزّ وجل: " لَوْ أنَّ عِبادِي أطاعوني لأسْقَيتُهم المطرَ باللَّيْل، وأَطْلَعتُ عليهمُ الشمس بالنهار، ولم أًسمِعهم صوت الرعد "، وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْ أّنَّ أّهْلَ الْقُرَىءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] ، وقيل: المعنى: وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لأسقيناهم ماءً غدقاً، استدراجاً، {لِنفتنَهم فيه} فإذا لم يشكروا أهلكناهم،= وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْلآ أّن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةَ وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا ... } [الزخرف: 33] الخ. والأول أظهر، بدليل قوله: {ومَن يُعرض عن ذكر ربه} ؛ القرآن أو التوحيد أو العبادة، {نسلكه} ؛ ندخله، أو يدخله الله {عذاباً صعداً} ؛ شاقًّا صعباً، يعلو المعذّب ويغلبه ويصعد عليه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصَعَّدني شيءٌ ما تصعّدتني خِطبة النكاح، أي: ما شقَّ عليّ. وهو مصدرٌ وُصف به، مبالغة، فعلى قول ابن عطية أنَّ قوله تعالى: {فمَن أسلم} من مخاطبة الله لنبيه عليه السلام، فيكون قوله: {وأن لو استقاموا} من تتمة الخطاب، فلا تقدير، وإذا قلنا: هو من قول الجن، فالتقدير: وأوحي إليَّ أن لو استقاموا ... الخ.
--الإشارة: تقدّم أنَّ الجن فيهم الصالحون والعارفون، إلاّ أنَّ معرفة الآدمي أكمل؛ لاعتداله، وأما دوائر الأولياء من الأقطاب، والأوتاد، والنقباء، والنجباء، وغير ذلك، فلا تكون إلاّ من الإنس؛=
لشرفهم. قوله تعالى: {وأنا ظننا ألن نُعجز اللهَ في الأرض ... } الخ، أي: تيقَّنا ألاّ مهرب منه، فرجعنا إليه اختباراً، فنحن ممن انقاد إليه بملاطفة الإحسان، لا بسلاسل الامتحان، {وأنَّا لمّا سمعنا الهُدى آمنا} أي: أجبنا الداعي بلا تلَعْثم ولا تردد، وكذا في كل داعٍ بعد الداعي الأكبر، فيكون السابقون في كل زمان، وهؤلاء سابِقو الجن ومقربوهم، فمَن يؤمن بربه، ويتوجه إليه، فلا يخاف نقصاً ولا ذُلاًّ، بل كمالاً وعِزًّا، من أي فريق كان، وأنّا منا المسلمون المنقادون لأحكامه تعالى، التكليفية والتعريفية، وهي الأحكام القهرية، فمَن استسلم ورَضِي فقد تحرّى رشداً، ومَن قنط وسخط كان لجهنم حطباً، وأن لو استقاموا على الطريقة المرضية بالرضا والتسليم، وترك الاختيار؛ لأسقيناهم من خمرة الأزل، ومن ماء الحياة، ماءً غدقاً، تحيا به قلوبهم وأرواحهم، فيتنعّمون في شهود الذات الأقدس في الحياة وبعد الممات. قال القشيري: الاستقامة تقتضي إكمالَ النعمةِ، وإكساب الراحة، والإعراضُ عن الله يُجب تَنَقُّصَ النعمة ودوام العقوبة. وقوله: {لِنفتنهم} ؛ لنختبرهم، مَن يعرف قدرها فيشكر، أو لا يعرف قدرها فيُنكر، فيُسلب من حيث لا يشعر. والله تعالى أعلم.
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ... }
يقول الحق جلّ جلاله: {وأنَّ المساجدَ لله} أي: ومن جملة ما أُوحي إليَّ: أنَّ المساجد، أي: البيوت المبنية للصلاة فيها هي لله، وقيل: معناه: ولأنّ المساجد لله {فلا تدعوا} ، على أنَّ اللام متعلّقة بـ " تدعوا "، أي: فلا تدعوا {مع الله أحدا} في المساجد؛ لأنها خالصة لله ولعبادته، فلا تعبدوا فيها غيره تعالى، ولا تفعلوا فيها إلا ما هو عبادة. وقيل: المراد: المسجد الحرام، والجمع؛ لأن كل ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة، أو لأنه قبلة المساجد، وقيل: الأرض كلها؛ لأن جُعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجداً وطهوراً، وقيل: أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها العبد، وهي: القدمان، والركبتان، واليدان، والوجه، يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد عليها لغيره، فتجحد نِعَمه، ولا تذلها لغير خالقها. فإن جعلت المساجد المواضع، فواحدها مسجِد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء، فبفتح الجيم.
{
وأنه} أي: ومما أوحي إليّ أن الشأن {لمَّا قام عبدُ الله} ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم {يدعوه} ؛ يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف، ولم يقل: نبي الله، أو رسول الله؛ لأنَّ العبودية من أشرف الخصال، أو: لأنه لمّا كان واقعاً في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسِه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو: لأنَّ عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتّى يجتمعوا عليه، كما قال: {كادوا} أي: كاد الجن {يكونون عليه لِبداً} ؛ جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجُّباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجاباً مما تلي من القرآن؛ لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل: معناه: لمَّا قام عليه السلام يعبد اللهَ وحدَه مخالفاً للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبدّ: جمع لبدة، وهي ما تلبّد بعضه على بعض. وعن قتادة: تلبّدت الإنسُ والجنُّ على أن يُطفئوا نوره، فأبى اللهُ إلاَّ أن يُظهره على مَن ناوعطية: قوله تعالى: (وأنه ... ) إلخ، يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، وأن يكون إخباراً عن الجن.
{قال إِنما أدعو} أي أعبد {ربي ولا أُشرك به} في عبادتي {أحداً} ، فليس ذلك ببدع ولا بمستنكر يوجب التعجُّب أو الإطباق على عداوتي، وقرأ عاصم وحمزه " قل " بالأمر، ثم تبرّأ من ملِك الضر والنفع لأحد ولا لنفسه، وأنَّ ذلك لله وحده، فلا يُعبد إلاَّ إياه، فقال: {قل إِني لا أملك لكم ضرًّا ولا رَشَداً} ، والأصل: لا أملك لكم ضرا ولا نفعاً، ولا غيًّا ولا رشداً، فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر، أو أراد بالضر: الغي، أي: لا أستطيع أن أضركم ولا أنفعكم؛ إذ ليس من وظيفتي إلاَّ الإنذار. {قل إِني لن يُجيرني من الله أحدٌ} أي: لن يدفع عني عذابه إن عصيته، كقول صالح عليه السلام: {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} [هود: 63] ، {ولن أجد من دونه مُلتحداً} ؛ مُلتجئاً {إلا بلاغاً من الله} ، استثناء من {لا أملك} أي: لا أملك لكم شيئاً إلا تبليغ الرسالة، و {قل إني لن يجيرني} : اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل: {بلاغاً} : بدل من {ملتحداً} ، أي: لن أجد من دونه ملجاً إلاّ أن أُبلّغ عنه ما أرسلني به، أي: لا ينجيني إلاَّ أن أُبلغ عن الله ما أُرسلت به فإنه ينجيني، وقوله: {ورسالاته} : عطف على " بلاغاً "، كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي: إلا أن أُبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسباً قوله إليه، وأن أُبلّغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان و (مِن) ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة (مِن) في قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ اللهِ} [التوبة: 1] أي: بلاغاً كائناً من الله وتبليغ رسالاته، قاله النسفي. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وأنَّ مساجد الحضرة لله، والحضرة: شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحدا، أي: لا تَروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لما قام عبدُ الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لِبداً، إمّا متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال: إنما أدعو ربي ولا أُشرك به شيئاً، قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيًّا ولا رشداً، إلاَّ بلاغاً، أي إنذاراً وتبليغ ما كُلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي: إني لن يُجيرني من الله أحد إن قَصّرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق.
ثم ذكر وبال مَن ردّ الرسالة، فقال:
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً حَتَّىا إِذَاأه. قال ابن
رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قُلْ إِنْ أَدْرِيا أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيا أَمَداً عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىا غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَىا مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىا كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} . يقول الحق جلّ جلاله: {ومَ يعص اللهَ ورسولَه} في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، {فإِنَّ له نارَ جهنمَ} ، وقُرىء بفتح الهمزة، أي: فحقه، أو فجزاؤه أنّ له نارَ جهنم، {خالدين فيها} أي: في النار {أبداً} ، وحّد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ (من) ومعناه. {حتى إِذا رَأَوا ما يوعدون} ، متعلق بمحذوف، يدل عليه الحال من استضعاف الكفار لأمره صلى الله عليه وسلم، واستقلالهم لعدده، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه، {حتى إِذا رَأَوا ما يُوعدون} من فنون العذاب في الآخرة {فسيعلمون} عند حلول العذاب بهم {مَن أَضْعَفْ ناصراً وأقلُّ عدداً} أهم أم المؤمنون؟ بل الكفار لا ناصر لهم يؤمئذ، والمؤمنون ينصرهم الله ويُعزّهم. وحُمل {ما يوعدون} على ما رأوه يوم بدر، ويُبعده قوله تعالى: {قل إِن أدرِي أقريب ما تُوعَدُون} من العذاب، {أم يجعل له ربي أمداً} ؛ غاية بعيدة، يعني: أنكم معذَّبون قطعاً، ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجّل؟
{
عالِمُ الغيبِ} أي: هو عالم الغيب،
= {فلا يُظْهِر} ؛ فلا يُطلع {على غيبه أحدا إِلاّ مَن ارتضى من رسولٍ} أي: إلاَّ رسولاً قد ارتضاه لِعلْمِ بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم به، وإنما أخبر به بناءً على رؤيا، أو بالفراسة، أو بتجلِّ قلبي، على أنّ كل كرامة لوليّ فهي معجزة لنبيه=
. قال بعضهم: وفي هذه الآية دلالة على تكذيب المنجّمة، وليس كذلك، فإنَّ فيهم مَن يَصدق خبره، وكذلك المتطببة، فإنهم يعرفون طبائع النبات، وذا لا يُعرف بالتأمُّل، فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق.
-- قال النسفي. فتحصّل: أنّ إطلاع النبي على الغيب قطعي، وغيره ظني.=
وقال أبو السعود: وليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، فإنّ اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا يستلزم عدم حصول مرتبةٍ ما من تلك المراتب لغيرهم أصلاًن ولا يدعي أحدٌ لأحدٍ من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. هـ. وفيه تعريض بالزمخشري، فإنه استدل بالآية على نفي كرامات الأولياء، قال: لأنَّ الله خصّ الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. قال بعض العلماء: ولا غرابة في إنكار معظم المعتزلة لكرامات الأولياء؛ إذ هم لم يُشاهدوا في جماعتهم الضالة المضلة ولياً لله تعالى قط، فكيف يعرفون الكرامة
{فإنه يَسْلُكُ} ؛ يدخل {مِن بين يديه} أي: الرسول، {ومِن خلفه} عند إظهاره على غيبه، {رَصَداً} ؛ حفظة وحَرَساً من الملائكة يحفظونه من تعرُّض الشيطان، لما أظهره عليه من الغيوب، ويعصمونه من وساوسهم، وتخاليطهم حتى يُبلغ الوحي، {ليعلم} اللهُ عِلْمَ شهادة {أن قد أَبلغوا} أي: الرسل {رسالات ربهم} كاملة، بلا زيادة ولا نقصان، إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم ذلك على ظهور، وقد كان يعلم ذلك قبل وجوده. ووحّد الضمير في " يديه وخلفه "؛ مراعاة للفظ (مَن) ، وجمع في (أَبلَغوا) لمعناه، و " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة خبرها، {وأحاط} الله تعالى {بما لديهم} أي: بما عند الرسل من العلم {وأحْصَى كُلَّ شيءٍ عَدَداً} ، من القطر، والرمل، وورق الأشجار، وزبد البحر، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ ! و " عدداً ": حال، أي: علم كلّ شيءٍ معدوداً محصوراً، أو مصدر، أي: أحصاه إحصاءً.
الإشارة: ومَن يعص اللهَ ورسولَه، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإنَّ له نار القطيعة، خالدين فيها أبداً، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إِذا رَأوا ما يُوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون مَن أضعف ناصرا وأقل عددا، قل: إن أدري أقريب ما تُوعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمداً، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويُفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي: يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي: يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحدا، أي: لا يكشف عن اسرار ذاته في دار الدنيا إلاّ لمَن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خلفه رَصَداً، أي: يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

.
.


_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 28, 2015 5:17 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

سورة المزمل
: الآيات 1 الى10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10)


الْمُزَّمِّلُ أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بالإتفاق إلا أنهم اختلفوا في سببه.
---فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل عليه السلام خافه فظن أن به مسا من الجن فرجع من الجبل مرتعدا وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك وناداه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن
---قال الكلبي: إنما تزمل النبي صلى الله عليه وسلم بثيابه ليتهيأ للصلاة فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه=.
ومثله
--عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقالت: إنه صلى الله عليه وسلم كان تزمل مرطا سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي.=
وقيل: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر بأن يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر للعبادة،=
--وقال عكرمة: اشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يا أيها الذي احتمل أمرا عظيما يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده بقيام الليل. قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ. وقيل: كان واجبا عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس=
، قال جار الله: قوله نِصْفَهُ بدل من الليل وإِلَّا قَلِيلًا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف قليلا أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه. وإن شئت جعلت نِصْفَهُ بدلا من قَلِيلًا لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة إلا بزيادة شيء فيصير الواجب بالحقيقة نصفا فشيئا فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييرا بين ثلاث بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد
عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في مِنْهُ وعَلَيْهِ راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص القليل أو أزيد منه قليلا فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلا، وإن شئت على تقدير إبدال النصف من قَلِيلًا جعلت قَلِيلًا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلا نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلا نصفه وهو الثمن فيكون تخييرا بين النصف وحده والربع والثمن معا والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع بعض الإيضاح. وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله قَلِيلًا الثلث لقوله تعالى في السورة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يتفق له خطأ بالاجتهاد أو النوم فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض. وليس هذا مما يقدح في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فيصير تقدير الآية. قم الثلثين ثم نصف الليل. أو انقص من النصف، أو زد عليه. والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة. عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. ثم علم أدب القراءة فقال وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين الحروف وإشباع الحركات ومنه «ثغر مرتل» إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور الأقحوان. --سئلت عائشة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا كسر دكم. هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها.=
وفي قوله تَرْتِيلًا زيادة تأكيد في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور. حين أمره بقيام الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا كأنه قال: صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعدة لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر.
--وقيل: ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقا.=
ومنه قيل «برحاء الوحي» .
-- وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم =
وقال الفراء: كلام له وزن وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به. وقيل: باق على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه. وقيل: يثقل إدراك معانيه وإحضارها. والفرق بين أقسامها من
المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل.
ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ فيها قولان: أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير والضحاك والكسائي وذلك أنها مبادئ نشوء الليل. والثاني أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في الليل. -------وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت.=
-- ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل.
ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟ قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد النوم.=

-- وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية والانفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية التي تكون بالنهار=
. الوطاء والمواطأة الموافقة. قال الحسن:
يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو القيام. ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله «اللهم أشدد وطأتك على مضر» وَأَقْوَمُ قِيلًا وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدوّ الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش. قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و «أصوب قيلا» فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي أَقْوَمُ فقال: إنهما واحد. قال ابن جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو الألفاظ. قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ القرآن جائز. ثم أكد أمر قيام الليل بقوله إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا قال المبرد: أي تصرفا وتقلبا في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه السابح لتقلبه بيديه ورجليه. وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه. وقيل: أن لك في النهار مجالا للنوم والاستراحة وللتصرف في الحوائج. ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام الليل ما هو فصله في شيئين ذكر اسم الرب والتبتل إليه وهو الانقطاع إلى الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد. فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلا لأن المقصود بالذات هو التبتل فبين أولا ما هو المقصود ثم أشار أخيرا إلى سببه تأكيدا مع رعاية الفاصلة. ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
لأن التكميل والإحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وهو إشارة إلى كماله تعالى في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه مراد المحبوب الحق جل ذكره. وقوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا كالنتيجة لما قبله، وفيه إن من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضيا بإلهيته معترفا بربوبيته، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين. ثم أمره بالصبر عند الاختلاط وبالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم.

_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد أغسطس 30, 2015 5:16 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة المدثر


الأية من 31 إلى 56

بسم الله الرحمن الرحيم


• وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ
• كَلاَّ وَالْقَمَرِ
• وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
• وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
• إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ
• نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ
• لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
• كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
• إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ
• فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ
• عَنِ الْمُجْرِمِينَ
• مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
• قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
• وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
• وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ
• وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
• حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ
• فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ
• فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
• كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ
• فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ
• بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً
• كَلاَّ بَل لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ
• كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
• فَمَن شَاء ذَكَرَهُ
• وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ


يقول الحق جلّ جلاله: {وما جعلنا أصحابَ النار} أي: خزنتها، المدبّرين لها، القائمين بتعذيب أهلها، {إِلاَّ ملائكةً} لأنهم خلاف جنس المعذّبين، فلا تأخذهم الرأفة والرقّة،
---ولأنهم أشد الخلقِ بأساً، فللواحد منهم قوة الثقلين، ونَعَتهم صلى الله عليه وسلم فقال: " كَأَنَّ أعْيُنَهُمُ البَرقُ، وكأنَّ أفْواهَهم الصَّيَاصِي، يَجرُّون أشعَارَهم، لأحدِهم قوةُ الثَّقَلَيْنِ،=
يَسوقُ أحدُهُم الأُمَّةَ، وعَلَى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ، فَيَرْمِيهم في النَّارِ، ويَرْمي الجبلَ عَلَيْهم " وفي رواية: " بيد كُلِّ واحدٍ منهم مِرْزَبَّة مِن حَديدٍ " وفي رواية عن كعب: " مَعَ كُلِّ واحد مِنْهم عَمودٌ وشعبتَان يَدْفع به الدَّفَع يصرع به في النَّارٍ سَبعمَائَة أَلْفٍ، وبَيْن مِنْكَبَي الخازِنِ مِن خزَنَتِها مسيرةُ مَائةِ سَنَة " وفي حديث آخر: " ما بَيْن منكبي أَحَدهِم كَما بَيْن المشرقِ والمغرب، وليس في قلوبِهِمْ رَحْمَةٌ، يَضْربُ أحدُهم الرجلَ ضَربةً، فيتْركه طَحيناً من لَدُن قَرْنِه إلى قَدَمِهِ " وعن كعب: " يؤمر بالرجل إلى النار، فيبتدره مائة ألف ملك " قال القرطبي: المراد بقوله: {عليها تسعة عشر} رؤساؤهم، وأما جملة الخزنة فلا يَعلم عددهم إلا الله تعالى. انظر البدور السافرة.
رُوي أنه لمّا نزل قوله تعالى: {عليها تسعة عشر} قال أبو جهل: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، وأنتم ألدَّهم، أي: الشجعان؟ فقال أبو الأشد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، اكفوني أنتم اثنين، فنزلت الآية، أي: وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يُطاقون.
{وما جعلنا عِدَّتهم} تسعة عشر {إِلا فتنةً} أي: ابتلاء واختباراً {للذين كفروا} حتى قال أبو جهل ما قال، أي: وما جعلنا هذا العدد إلاّ سبب افتتانهم، فعبّر بالأثر عن المؤثّر، وليس المراد جعل ذلك العدد في نفس الأمر فتنة؛ بل جعله في القرآن أيضاً كذلك، وهو الحُكم بانّ عليها تسعة عشر، إذ بذلك يتحقق افتتانهم، وعليه يدور ما سيأتي من استيقان أهل الكتاب، وازدياد المؤمنين إيماناً. انظر أبا السعود. وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا العدد ـ مع أنّه لا يطلب في الأعداد العلل: أنّ ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة منهم يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد، والآخر خازن جهنّم، وهو مالك، وهو الأكبر. وقيل: في النار تسعة عشر دركاً، قد سلّط على كل درك مَلك، وقيل يُعذبون فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب، وعلى كل لون ملك موكّل، وقيل غير ذلك.

---لِيستيقنَ الذين أُوتوا الكتاب} ، لأنَّ عدتهم تسعة عشر في الكتابَيْن، فإذا سمعوا مثلها في القرآن تيقّنوا أنه مُنزَّل من عند الله، وهو متعلق بالجعل المذكور، أي: جعلناهم كذلك ليكتسبوا اليقين بنبوته صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِ القرآن، لموافقته لِما في كتبهم، {ويزداد الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم {إِيماناً} لتصديقهم بذلك، كما صدّقوا بسائر ما أُنزل، فيزيدون إيماناً مع إيمانهم الحاصل، أو: يزداد إيمانهم تيقُّناً؛ لما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم، {ولا يرتابَ الذي أوتوا الكتاب والمؤمنون} ، تأكيد لِما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان،=
ونفي لما قد يعتري المستيقن من شُبهة ما، وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في الارتياب، حيث لم يقل: ولا يرتابوا؛ للتنبيه على تباين النفيين حالاً، فإنَّ انتفاء الارتياب عن أهل الكتاب مما ينافيه لِما فيه من الجحود، وعن المؤمنين لما يقتضيه من الإيمان، وكم بينهما؟ والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المُنبئة عن الحدث؛ للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك. قاله أبو السعود.
وعطف على {يستيقن} ايضاً قولَه: {ولِيقولَ الذين في قلوبهم مرضٌ} ؛ شك؛ لأنَّ أهل مكة كان أكثرهم شاكين، أو: نِفاق، فيكون إخباراً بما سيكون بالمدينة بعد الهجرة، {والكافرون} ؛ المشركون بمكة، المُصرُّون على الكفر: {ماذا أراد اللهُ بهذا مثلاً} ؟ أي: أيُّ شيءٍ أراد بهذا العدد المستغرَب استغراب المثل؟ وقيل: لمّا استبعدوه حسبوا أنه مَثَل مكذوب، أو: أيُّ حكمة في جعل الملائكة تسعة عشر، لا أكثر أو أقل؟ وإيراد قولهم هذا بالتعليل، مع كونه من باب فتنتهم؛ للإشعار باستقلاله بالبشاعة. و " مثلاُ ": تمييز، أو حال، كقوله: {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْءَايَةً} [الأعراف: 73] . {كذلك يُضل اللهُ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء} أي: مثل ذلك الضلال وتلك الهداية يُضل اللهُ مَن يشاءُ إضلاله، بصرف اختياره إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات الله الناطقة بالحق،
ويهدي مَن يشاء هدايته بصرف اختياره عند مشاهدته تلك الآيات إلى جانب الهُدى، فمحل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي: يُضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، إضلالاً وهدايةً كائنين مثل ما ذكر من الإضلال والهداية.
{وَمَا يعلمُ جنودَ رَبِّكَ} أي: جموع خلقه، التي من جملتها الملائكة المذكورون، {إلاّ هو} ، إذ لا سبيل لأحد إلى حصر مخلوقاته، والوقوف على حقائقها وصفتها، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها، من كَم وكيف ونسبة، فلا يَعِز عليه جعلُ الخزنة أكثر مما هو عليه، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها، {وما هي إِلاّ ذِكرَى للبشر} هذا متصل بوصف سقر، أي: ما سقر وصفتها إلاّ تذكرة للبشر؛ لينزجروا عن القبائح.

كَلاَّ} ؛ ردع لمَن أنكرها، أو نفي لأن يكون لهم تذكُّر، بعد أن جعلها ذِكرى، أي: لا يتذكرون لسبق الشقاء لهم، {والقمرِ} ، أقسم به لِعظم منافعه، {والليلِ إِذْ أدبرَ} أي: ذهب، يقال: أدبر الليل ودبر: إذا ولّى، ومنه قولهم: صاروا كأمس الدابر، وقيل: أدبر: ولّى، ودَبَر جاء بعد النهار، {والصُبحِ إِذا أسفر} ؛ أضاء وانكشف، وجواب القسم: {إِنها} أي: سقر {لإِحدَى الكُبَرِ} جمع كبرى، أي: لإحدى الدواهي أو البلايا الكُبْر، ومعنى كونها إحداهن: أنها من بينهن واحدة في العِظم لا نظيرة لها، كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء. {نذيراً للبشر} : تمميز لإحدى، أي: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، كقولك: هي إحدى النساء جمالاً، أو حال مما دلّت عليه الجملة، أي: عظمت منذرة، {لمَن شاء منكم أن يتقدَّم أو يتأخّر} : بدل من " البشر "، بإعادة الجار، أي: نذيراً لمَن شاء منكم أن يسبق إلى الخير أو يتأخر عنه، وعن الزجاج: أن يتقدّم إلى ما أمر به، ويتأخر عما نهى عنه، وقيل: " لمَن شاء ": خبر، و " أن يتقدّم ": مبتدأ، فيكون كقوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] . قال المحَشي: وحاصله: أنّ العبد متمكن من كسب الخير وضده، ولذلك كلّفه؛ لأنه علّق ذلك على مشيئته، وليس حجة؛ لكونه مستقلاً غير مجبور؛ لأنَّ مشيئته مُعلقة على مشيئة الله، {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} [الإنسان: 30] {كَلاَّ إِنَهُ تَذْكِرَةُ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ} [المدثر: 54-56] ، وما نبهت عليه من التمكُّن والاختيار في الظاهر هو فائدة بدل " لمَن شاء " من البشر. هـ.
--الإشارة: من أسمائه تعالى الجليل والجميل، فوَكَّل بتنفيذ اسمه الجليل جنوداً يَجرُّون الناسَ إلى أسباب جلاله، من الكفر والعصيان، ووكَّل بتنفيذ اسمه الجميل جنوداً يَجرّون الناسَ إلى أسباب جماله من الهدى والطاعة،=
وما جعل ذلك إلاّ اختباراً واتبلاءً، لمن يُدبر عنه أو يُقبل عليه، وما جعلنا أصحابَ نار القطيعة إلاّ ملائكة، وهم حُراس الحضرة يملكون النفس، ويقذفونها في هاوية الهوى، وما جعلنا عدتهم تسعة عشر
حجاباً كما تقدّم، إلاّ فتنة لأهل الغفلة، الكافرين بوجود الخصوصية، اختباراً لمَن يقف معها، فتحجبه عن ربه، ولمَن يتخلّص منها، فينفذ إلى ربه، ليستيقن أهل العلم بالله حين يطَّهروا منها، ويزداد السائرون إيماناً بمجاهدتهم في التخلُّص منها، ولا يبقى في القلب ريب ولا وَهْم، وليقول الذين في قلوبهم مرض من ضعف اليقين: ماذا أراد الله بخلق هذه الأمراض في قلوب العباد؟ فيُقال: أراد بذلك إضلال قوم عن حضرته، بالوقوف مع تلك الحُجب، وهداية قوم، بالنفوذ عنها، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ القاطعة عنه بقهره تعالى، والموصلة إليه برحمته، إلا هو. وقال الورتجبي: جنوده: عظمته وكبرياؤه وسلطانه وقهره، الذي صدرت منه جنود السموات والأرض، وله جنود قلوب العارفين، وأرواح الموحِّدين، وأنفاس المحبين، التي يستهلك بها كل جبّار عنيد، وكل قهّار عتيد. قيل: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تقفون على المخلوقات، فكيف تقفون على الأسامي والصفات؟ !. هـ.

ثم حذَّر من سَقَر الحظوظ، والسقوط في مهاوي اللحوظ، وأقسم أنها من الدواهي الكُبَر لِمن ابتُلي بها، حتى سقط في الحضيض الأسفل من الناس، فمَن شاء فليتقدّم إلينا بالهروب منها، ومَن شاء فليتأخر بالسقوط فيها، والغرق في بحرها. والعياذ بالله.
يقول الحق جلّ جلاله: {كلُّ نفس بما كسبتْ رهينةٌ} أي: مرهونة، محبوسة عند الله تعالى بكسبها. ورهينة: فعلية، بمعنى مفعولة، وإنما دخلتها التاء، مع أن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح؛ لأنها هنا لم تتبع موصوفاً اصطلاحياً، ومَن قال: إنَّ الخبر في معنى الصفة فهي تابعة له، جعل " رهينة " اسماً بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، وقيل: إنَّ التاء في رهينة للنقل مع الوصفية للاسمية، لا للتأنيث، كما في نصيحة وذبيحة. هـ. فكل واحد مرهون بذنبه.
{إِلاَّ أصحابَ اليمين} فإنهم فاكُّون رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم، كما يفك
الراهن رهنه بأداء الدَّين، وقيل: هم أطفال المسلمين؛ لأنهم لا أعمال لهم يُرهنون بها، وقيل: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، {في جنات} ، لا يُكتَنَهُ كُنهها، ولا يُدرك وصفها، أي: هم في جناتٍ، والجملة استئناف بياني، كأنه قيل: ما بالهم؟ فقال: هم {في جناتٍ يتساءلون} ؛ يسأَل بعضهم بعضاً {عن} أحوال {المجرمين} ، فيقول بعضهم لبعض: قد سألناهم فقلنا له: {ما سلككم في سقرٍ} ؟ فـ {قالوا لم نك من المصلين ... } الخ. قاله النسفي، ورده أبو السعود، فقال: وليس المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضُهم بعضاً، على أن يكون كل واحد منهم سائلاً ومسؤولاً معاً، بل صدور السؤال عنهم مجرداً عن وقوعه عليهم، فإنَّ صيغة التفاعل وإن وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدد، ووقوعه عليه معاً، بحيث يصير كل واحد فاعلاً ومفعولاً معاً، كما في قولك: تراءى القوم، أي: رأى كُلُّ واحد منهم الآخر، لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني، ويقصد بها الدلالة على الأول فقط، فيُذكر للفعل حينئذ مفعول، كما في قولك: تراءوا الهلال، فمعنى {يتساءلون عن المجرمين} : يسألونهم عن أحوالهم، وقد حذف المسؤول لكونه عيَّن المسؤول عنه، أي: يسألون المجرمين عن أحوالهم، وقوله تعالى: {ما سلككم في سقر} : مقول لقول هو حال من فاعل " يتساءلون " أي: يسألونهم قائلين: أيُّ شيء أدخلكم في سقر؟ فتأمل ودع عنك ما يتكلّف المتكلفون. هـ.
{
قالوا} أي: المجرمين مجيبين للسائلين: {لم نكُ من المصلِّين} للصلوات الواجبة، {ولم نك نُطعم المسكين} كما يُطعم المسلمون، وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، {وكنا نخوض مع الخائضين} أي: نشرع في الباطل مع الشارعين فيه، فنقول الباطل والزور في آيات الله، {وكنا نُكذِّب بيوم الدين} ؛ بيوم الجزاء والحساب. وتأخير ذكر جنايتهم هذه مع كونها أعظم من الكل؛ لتفخيمها، كأنهم قالوا: وكنا بعد ذلك مكذِّبين بيوم الدين، ولبيان كون تكذيبهم به مقارناً لسائر جناياتهم المعدودة مستمراً إلى آخر عمرهم، حسبما نطق به قوله تعالى: {حتى أتانا اليقينُ} ؛ الموت ومقدماته،
---{فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعةُ الشافعين} من الملائكة والنبيين والأولياء والصالحين، لأنها خاصة بالمؤمنين، وفيه دلالة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وفي الحديث: إن من أمتي مَن يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر ="
. {فما لهم عن الذكرةِ} ؛ عن التذكير والوعظ بالقرآن {معرِضين} ؛ مولّين، والفاء لترتيب ما قبلها من موجبات الإقبال عليه، والاتعاظ به من سوء حال المعرضين، و " معرضين ": حال من الضمير الواقع خبراً لـ " ما " الاستفهامية، كقولك: ما لك قائماً؟ أي: فإذا كان حال المكذّبين به على ما ذكر من سوء الحال. فإيُّ شيء حصل لكم حال كونكم معرضين عن القرآن، مع تعاضد الدواعي إلى الإيمان؟ {كأنهم حُمُرٌ} ؛ أي حُمر الوحش
{مُستنفِرَةٌ} ؛ شديدة النفار، كأنها تطلب النفار من نفوسها. وقرأ نافع والشامي بفتح الفاء، أي: استنفرها غيرُها، وجملة التشبيه حال من ضمير " معرضين " أي: مشبّهين بحُمر نافرة {فرّتْ من قسورة} أي: من أسد، فَعْولة من القَسر، وهو القهر، وقيل: هي جماعة الرماة الذين يصطادونها، شُبِّهوا في إعراضهم عن القرآن، واستماع ما فيه من المواعظ، وشرودهم عنه بحُمر حدث في نفارها ما أفزعها. وفيه مِن ذمهم وتهجين حالهم من تشبيههم بالحُمر ما لا يخفى.
{بل يُريد كل امرىءٍ منهم أن يُؤتَى صُحفاً مُنَشَّرةً} : عطف على مُقدّر يقتضيه الكلام، كأنه قيل: لم يكتفوا بتلك التذكرة، ولم يَرضوا بها، بل يُريد كل امرىء منهم أن يُؤتى {صُحفاً مُنشَّرة} ؛ قراطيس تُنشر وتٌقرأ،
--- وذلك أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لن نتبعك حتى تأتي كلَّ واحدٍ منا بكتاب من السماء، عنوانها: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، يؤمر فيها باتباعك، وهذا كقوله: {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93] . وقيل: قالوا: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحد منا صحيفة، فيها براءته وأمنه من النار.
كَلاَّ} ، ردع لهم عن تلك الجرأة، وزجر عن اقتراح الآيات، {بل لا يخافون الآخرة} فلذلك يُعرضون عن التذكرة، لاَ لامتناع إيتاء الصُحف. {كَلاَّ إِنه تذكرةٌ} زجَرهم عن إعراضهم عن التذكرة، وقال: إن القرآن تذكرة بليغة كافية، {فمَن شاءَ ذكرَه} أي: فمَن شاء أن يذكره ذكره، وحاز سعادة الدارين، {وما يَذْكُرُون} بمنجرد مشيئتهم {إِلاّ أن يشاء اللهُ} هدايتهم فيذكرون، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: وما يذكرون لِعلةٍ من العلل، وفي حال من الأحوال، إلاَّ أن يشاء الله ذلك، وهو تصريح بأنَّ أفعال العباد كلها بمشيئة الله تعالى، وقرأ نافع ويعقوب بتاء الخطاب للكفرة. {هو أهلُ التقوى} أي: حقيق با، يُتقى عقابه، ويؤمن به ويُطاع، {وأهلُ المغفرةِ} ؛ حقيق بأن يَغفر لمَن آمن به وأطاعه، وعنه عليه السلام في تفسيرها: " هو أهل أن يُتّقى، وأهل أن يغفر لمن اتقاه ". وفي رواية ابن ماجه والترمذي: " قال الله تعالى: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يُجعل معي إله آخر، فمَن اتقى ذلك فأنا أهل أن أغْفر له " قال ذلك عليه السلام لَمّا قرأ الآية. هـ.
الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى: {كل نفس بما كسبتْ رهينة ... } الخ، كلُّ واقفٍ مع حال، وملاحظ لمقام، فهو مرتهن، إلاّ مَن تجرّد مما دون الله، وهم أصحاب يمين مشاهدة الحق، فإنهم في جنان قُربه ووصاله. هـ. أي: كل نفس واقفة مع حالها أو مقامها مرتهنة معه، إلاّ مَن ينفذ إلى شهود الحق، إنه يكون من قبضة اليمين الذين اختارهم
الله بمحض الفضل، فهم في جنات المعارف يتساءلون عن الغافلين: ما سلككم في سقر السقوط من درجة القُرب والوصال؟ قالوا: لم نك من المُصلِّين الصلاة الدائمة، ولم نك نُطعم المسكين، بل كنا بُخلاء بأموالنا وأنفسنا، وكنا نخوض في أودية الدنيا مع الخائفين، وكنا نُكذّب بيوم الدين؛ لأنَّ أفعالهم كانت فعل مَن لا يُصدّق بيوم الحساب، حتى أتانا اليقين بعد الموت، فندمنا، فلم ينفع الندم وقد زلّت القَدَم، فما تنفع فيهم شفاعة الشافعين، حيث ماتوا غافلين؛ لأنَّ الشفاعة لا تقع في مقام القُرب والاصطفاء، فمَن مات بعيداً بسبب الغفلة لا يصير قريباً، ولو شفع فيه ألف نبي وألف وَلِيّ، إذ القُرب على قدر الكشف، وكشف الحجاب عن الروح إنما يحصل في هذه الدار،
--- لقوله عليه السلام: " يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه "=
وإنما تقع الشفاعة في النجاة، أو في الدرجة الحسية، والله تعالى أعلم. فما لهم، أي: لأهل الإعراض عن المذكِّر، عن التذكرة منه مُعرضين، كأنهم حُمر الوحش فرّت من قسورة، وتشبيههم بالحُمر في البلادة والجهل، وكل مَن طلب الكرامة من الأولياء فهو كاذب في الطلب، إذ لو صدق في الطلب لأراه الله الكرامات على أيديهم كالسحاب، كلاَّ بل لا يخافون الآخرة، ولو خافوها وجعلوها نُصب أعينهم لما توقّفوا على كرامة ولا معجزة، والأمر كله بيد الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة. وبالله التوفيق، وصلى الله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء سبتمبر 01, 2015 5:25 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة القيامة


الأية من 1إلى 10

بسم الله الرحمن الرحيم
• لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
• وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
• أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ
• بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ
• بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ
• يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
• فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ
• وَخَسَفَ الْقَمَرُ
• وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
• يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ




يقول الحق جلّ جلاله: {لا أُقسم} أي: أُقسم. وإدخال " لا " النافية على فعل القسم شائع، كإدخاله على المقسم به في " لا وربك " و " لا والله "، وفائدتها: توكيد القسم، وقيل: صلة، كقوله: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: 25] وقيل: هي نفي وَرَدَ لكلام معهود قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث، فقيل: لا، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: أُقسم {بيوم القيامة} إنَّ البعث لواقع. وأيًّا ما كان ففي الإقسام على تحقيق البعث بيوم القيامة من الجزالة ما لا يخفى. وقيل: أصله: لأُقسم، كقراءة ابن كثير، على أنَّ اللام للابتداء، و " أٌقسم ": خبر مبتدأ مضمر، أي: لأنا أُقسم، ويُقويه أنه في الإمام بغير ألف ثم أشبع فجاء الألف.
{ولا أٌقسم بالنفس اللوّامة} ، الجمهور على أنه قسم آخر، وقال الحسن: الثانية نفي، أي: أُقسم بيوم القيامة لا بالنفس اللوّامة، فيكون ذمًّا لها، وعلى أنه قسم يكون مدحاً لها، أي: أقسم بالنفس المتقية، التي تلوم صاحبها على التقصير، وإن اجتهدت في الطاعة. أو: بالنفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمّارة، وقيل: المراد الجنس، -----لِما رُوي أنه عليه السلام قال: " مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فَاجِرَةٍ إِلاَّ وتلُومُ نفسها يوم القِيامَة، إنْ عَملت خَيْراً، قالت: كيف لم أزدْ؟ ! وإِنْ عملت شرًّا، قالت: ليتني كُنتُ قصرتُ=
وذكره الثعلبي من كلام البراء: قال أبو السعود: ولا يخفى ضعفه؛ لأنِّ هذا القدر من اللوم لا يكون مدراراً للإعظام بالإقسام، وإن صدَر عن النفس المؤمنة المحسنة، فكيف من الكافرة المندرجة تحت الجنس، -------وقيل: بنفس آدم عليه السلام، فإنها لا تزال تتلوَّم على فعلها الذي خرجت به من الجنة.=
وجواب القسم: لتُبعثنّ، دليله: {أيَحْسَبُ الإِنسانُ} أي: الكافر المنكرِ للبعث {ألَّن نجمعَ عِظامه} بعد تفرّقها ورجوعها عظاماً رفاتاً مختلطاً بالتراب، أو: نسفَتْها الرياح وطيَّرتها في أقطار الأرض، أو: ألقتها في البحار. وقيل: إنَّ عَدِيّ بن ربيعة، خَتنَ الأخنس بن شريق، وهما اللذان
--قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفني جارَيْ السوء، عَدياً والأخنس " قال ـ عَدِيّ ـ: يا محمد، حدِّثنا عن يوم القيامة متى يكون، وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره عليه السلام، فقال: يا محمد؛ لو عاينتُ ذلك لم أصدقك، ولم أُومِنْ بك، أَوَيجمعُ الله هذه العظام؟ فنزلت. {بلى} أي: نجمعها حال كوننا {قادرين على أن نُسَوّي بنانه} أي: أصابعه كما كانت في الدنيا بلا انفصال ولا تفاوت مع صغرها، فكيف بكبار العِظام؟ =
! {بل يريد الإِنسانُ لِيَفجُر أمامه} : عطف على {أيحسب} إمّا على أنه استفهام توبيخي، أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو: على أنه إيجاب انتقل إليه عن الاستفهام، أي: بل يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه. قال القشيري: {لِيفجُر أمامه} أي: يعزم على أنه يستكثر من معاصيه في مستأنف وقته، ولا يحلّ عقدةَ الإصرار من قلبه، فلا تصحّ توبتُه؛ لأنّ التوبة من شرطها: العزم على أن لا يعودَ إلى مثل ما عَمِل، فإذا كان استحلى الزلّة في قلبه، وتفكّر في الرجوع إلى مثله فلا تصح ندامتُه. هـ. وقيل: {ليفجُرَ أَمامَه} أي: يكفر بما قُدامه، ويدل على هذا قوله: {يسأل أيَّانَ يومُ القيامةِ} أي: متى يكون؟ استبعاداً واستهزاءً.
{فإِذا بَرِقَ البصرُ} أي: تحيَّر، من: برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، وقرأ نافع بفتح الراء، وهي لغة، أو من البريق، بمعنى لمع من شدة شخوصه، {وخَسَفَ القمرُ} ؛ ذهب ضوؤه أو غاب، من قوله: {فَخَسَفْنَا بِهِ} [القصص: 81] وقرىء: خُسف، بضم الخاء. {وجُمعَ الشمسُ والقمرُ} أي: جُمع بينهما، ثم يُكوّران ويُقذفان في النار، أو يُجمعان أسودين مكورين، كأنهما ثوران عقِيران. وفي قراءة عبد الله: " وجمع بين الشمس والقمر ". وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى، أو: جمع بينهما في الطلوع من المغرب. {يقول الإِنسانُ يومَئذٍ} أي: حين تقع هذه الأمور العظام: {أين المفَرُّ} أي: الفرار من النار، يائساً منه، والمراد بالإنسان: الكافر، أو: الجنس، لشدة الهول. قال القشيري: وذلك حين تُقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة، كل سلسلة بيد سبعين ألف مَلَك، فيقول الإنسان: أين المفر؟ فيقال:
لا مهرب من قضاء الله، " إلى ربك يومئذ المستقر "، أي: لا محيد عن حكمه. هـ. والمفر: مصدر، وقرأ الحسن بكسر الفاء، فيحتمل المكان أو المصدر.
{
كلاَّ} ؛ ردعٌ عن طلب المفرّ وتمنِّيه، {لا وَزرَ} ؛ لا ملجأ ولا حصن، وأصل الوَزر: الجبل الذي يمتنع فيه. قال السدي: كانوا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال تعالى: لا جبل يعصمكم يومئذ مني، {إِلى ربك يومئذ المستقَرُّ} أي: إليه خاصة استقرار العباد، ومنتهى سيرهم، أو: إلى حُكمه استقرار أمرهم، أو: إلى مشيئته موضع قرارهم، يُدخل مَن يشاء الجَنة ومَن يشاء النار، {يُنبّأُ الإِنسانُ يومئذٍ} أي: يُخبر كل امرىء، برًّا كان أو فاجراً، عند وزن الأعمال {بما قَدَّم} من عمله خيراً كان أو شرًّا، فيُثاب على الأول، ويُعَاقب على الثاني، {وما أخَّرَ} أي: لم يعمله خيراً كان أو شرًّا، فيُعاقب بالأول ويثاب على الثاني، أو: بما قدم من حسنة أو سيئة قبل موته، وبما أَخَّرَ من حسنة أو سيئة سَنَّها فعُمل بها بعد موته، أو: بما قدّم في أول عمره، وأخَّرَ عمله في آخر عمره، أو: بما قَدَّم من أمواله أمامه، وأخَّرَ آخره لورثته، نظيره. {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5] .
{بل الإِنسانُ على نفسِهِ بصيرةٌ} أي: شاهِدٌ بما صدر عنه من الأعمال السيئة، كما يُعرب عنه التعبير بـ " على " وما سيأتي من الجملة الحالية، والتاء للمبالغة، كعلاّمة، أو: أنّثه لأنه أراد به جوارحه؛ إذ هي التي تشهد عليه، أو: هو حُجّة على نفسه، والبصيرة: الحُجة، قال الله تعالى: {قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِكُمْ} [الأنعام: 104] وتقول لغيرك: أنت حُجّة على نفسك. ومعنى " بل ": الترقي، أي: يُنبأ الإنسان بأعماله، بل هو يومئذ عالم بتفاصيل أحواله، شاهد على نفسه، لأنّ جوارحه تنطق بذلك. و " بصيرة ": مبتدأ، و " على نفسه ": خبر مقدّم، والجملة: خبر " الإنسان "، {ولو أَلْقَى معاذِيرَه} : حال من الضمير في " بصيرة "، أو: من مرفوع (ينبأ) أي: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه أي: هو بصيرة على نفسه، تشهد عليه جوارحُه، ويُعمل بشهادتها، ولو اعتذر بكل معذرة، أو يُنبأ بأعماله ولو اعتذر..الخ. والمعاذير: اسم جمع للمعذرة، كالمناكير اسم جمع للمنكَر، لا جمع؛ لأنّ جمعها معاذِر بالقصر، وقيل: جمع " مِعْذار " وهو: الستر، أي: ولو أرخى ستوره. وقيل: الجملة استئنافية، أي: لو ألقى معاذيره ما قُبلت منه، لأنَّ عليه مَن يُكذِّب عُذره، وهي جوارحه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد قرن الله تعالى قسَمَه بالنفس اللوّامة بِقسَمِه بيوم القيامة، لمشاركتها له في التعظيم، بل النفس اللوَّامة أعظم رتبة عند الله، لأنها تكون لوّامة تلوم صاحبها على القبائح، ثم تكون لهَّامة تُلهمه الخيرات والعلوم اللدنية، ثم تكون مطمئنة، حين تطمئن بشهود الحق بلا واسطة، بل تستدل بالله على غيره، فلا ترى سواه، فحينئذ ترجع إلى أصلها، وتُرجع الأشياء كلها إلى أصولها، وهو القِدَم والأبد، فيتلاشى الحادث ويبقى
القديم وحده، كما كان وحده. فالنفوس أربعة: أمّارة، ولوّامة، ولهّامة، ومطمئنة، وهي في الحقيقة نفس واحدة، تتطور وتتقلب من حالٍ إلى حال، باعتبار التخلية والتحلية، والترقية والتردية، فأصلها الروح، فلما تظلّمت سميت نفساً أمّارة، ثم لوّامة، ثم لهّامة، ثم مطمئنة.

--قال القشيري: أيحسب الإنسان، أي: الإنسان المحجوب بنفسه وهواه، ألَّن نجمع عِظامه؛ أعماله الحسنة والسيئة، بلى قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: صغار أفعاله الحسنة والسيئة، بل يُريد الإنسان المحجوب لِيَفْجُرَ أمامه، بحسب الاعتقاد والنية، قبل الإتيان بالفعل، أي: يعزم على المعاصي في المستقبل قبل أن يفعل، يسأل أيَّان يوم القيامة؟ لطول أمله، ونسيان آخرته، ولو فُتحت بصيرتُه لَشَاهد القيامة في كل ساعة ولحظة، بتعاقب تجلي الإفناء والإبقاء.=
فإذا بَرِقَ البصرُ: تحيّر من سطوات أشعة سبحات التجلِّي الأحدي الجمعي، وخسَف القمر، أي: ستر نور قمر القلب بنور شمس الروح، وجُمع الشمس والقمر، أي: جُمع شمس الروح وقمر القلب، بالتجلِّي الأحدي الجمعي، يعني: فيغيب نور قمر الإيمان في شعاع شمس العرفان، يقول الإنسان يومئذ: أين المفر؟ من خوف الاضمحلال والاستهلاك، وليس عنده حينئذ قوة التمكين فيخاف من الاصطلام، إلى ربك يومئذ المستقر بالرسوخ والتمكين، بعد الفرار إلى الله، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللهِ} [الذاريات: 50] . هـ. بالمعنى.
يُنبأ الإنسانُ يومئذٍ بما قَدَّم من المجاهدة، حيث يرى ثمرتها، وما أَخَّرَ، حيث يرى شؤم تفريطه فيها، فالمشاهدة على قدر المجاهدة، فبقدر ما يُقَدِّم منها تعظم مشاهدته، وبقدر ما يُؤخِّر منها تَقِلّ. بل الإنسان على نفسه بصيرة، يرى ما ينقص من قلبه وما يزيد فيه، ويشعر بضعفه وقوته، إن صحّت بصيرته، وطهرت سريرته، فإذا فرط في حال سيره لا يقبل عذره، ولو ألقى معاذيره. وبالله التوفيق.
قلت: اختلف المفسرون في وجه المناسبة في هذه الآية، فقال بعضهم: ما تضمنه من الاقتدار على حفظه وإبقائه في قلبه، بإخراجه عن كسبه وإمساكه وحفظه، فالقادر على
ذلك قادر على إحياء الموتى وجمع عظامها، وتسوية بنانها. ونَقَل الطيبي عن الإمام الفخر: أنه تعالى لمّا أخبر عن الكفار أنهم يُحبون العاجلة، وذلك قوله: {بل يُريد الإنسان لِيفجُر أَمامه} بيَّن أنَّ العَجَلة مذمومة، ولو فيما هو أهم الأمور وأصل الدين، بقوله: {لا تُحرِّكْ به لسانَك} فاعترض به، ليؤكد التوبيخ على حب العاجلة بالطريق الأولى. هـ. وقيل: اعترض نزولُها في وسطِ السورة قبل أن تكمل، فوُضعت في ذلك المحل، كمَن كان يسرد كتاباً ثم جاء سائل يسأل عن نازلةٍ، فيطوي الكتابَ حتى يُجيبه، ثم يرجع إلى تمام سرده. انظر الإتقان.
يقول الحق جلّ جلاله: {لا تُحرِّكْ به} ؛ بالقرآن {لسانَكَ لِتعجَلَ به} ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يأخذ في القراءة قبل فراغ جبريل، كراهة أن يتفلّت منه، فقيل له: لا تُحرك لسانك بقراءة الوحي، ما دام جبريل يقرأ، {لِتعجَلَ به} ؛ لتأخذه على عجلة، لئلا يتفلّت منك، ثم ضَمِنَه له بقوله: {إِنَّ علينا جَمْعَه} في صدرك، {وقرآنه} ؛ وإثبات قراءته في لسانك، فالمراد بالقرآن هنا: القراءة، وهذا كقوله: {وَلآ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] ، {فإِذا قرأناه} على لسان جبريل {فاتَّبعْ قرآنه} أي: قراءته، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بيانَهُ} إذا أشكل عليك شيء مِن معانيه وأحكامه.
الإشارة: لا تُحرِّكْ بالواردات الإلهية لسانك لِتَعْجَل به حين الإلقاء، بل تمهّل في إلقائه ليُفهم عنك، إنَّ علينا جمعه وقرآنه، أي: حفظه وقراءته، فإذا قرأناه على لسانك في حال الفيض فاتبع قرآنه، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. وفي الحِكم: " الحقائق تَرِدُ في حال التجلي جملة، وبعد الوعي يكون البيان، {فإذا قرأناه فاتبعْ قرآنه إنَّ علينا بيانه} ". ولا شك أنَّ الواردات في حال الفيض تبرز مجملةً، لا يقدر على حصرها ولا تَفَهُّمِها، فإذا فَرَغَ منها قولاً وكتابة فتَدَبرها وجدها صحيحةَ المعنى، واضحةَ المبنى، لا نقص فيها ولا خلل، لأنها من وحي الإلهام، وكان بعض المشايخ يقول لأصحابه: إني لأستفيد مني كما تستفيدون أنتم، وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إذا فاض بالمواهب يقول: هلاَّ مَن يكتب عنا هذه الأسرار. إلى غير ذلك مما هو مُدوَّن عند أهل الفن. والله تعالى أعلم.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس سبتمبر 03, 2015 6:34 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
ا

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد


﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
سورة الإنسان

الأية من 5إلى 22


إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّـهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّـهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّـهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴿١٣﴾ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴿١٤﴾ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿١٥﴾ قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿١٦﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ﴿١٧﴾ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ﴿١٨﴾ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا ﴿١٩﴾ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿٢٠﴾ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴿٢١﴾ إِنَّ هَـذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ﴿٢٢﴾
إِنَّ الأبرارَ} جمع بر وبار، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد، وهو مَن يبر خالقه، أي: يُطيعه، وقيل: الأبرار هم الصادقون في الإيمان، أو: الذين لا يؤذون الذر، ولا يعمدون الشر. {يشربون من كأس} وهو الزجاجة إذا كان فيها خمر، ويُطلق على نفس الخمر، فـ " مِن " على الأول ابتدائية، وعلى الثاني تبعيضية، {كان مِزاجُها} أي: ما تمزج به {كافوراً} أي: ماءٌ كافورٌ، وهو عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحتِه وبردِه. وفي القاموس: الكافور: نبت طيب، نَوره كنَور الأُقحوان، وطِيب معروف، يكون
من شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظل خلقاً كثيراً، وتألفه النمور، وخشبه أبيض هش، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع، ولونها أحمر، وإنما يبيّض بالتصعيد، والتصعيد: الإذابة. هـ. وقوله تعالى: {عيناً} : بدل من " كافور "، وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم بالمسك، وقيل: يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه ويرده، فكأنها مزجت بالكافور، وهذا أنسب بأحوال الجنة، فـ " عيناً " على هذين القولين: بدل من محل (من كأس) على حذف مضاف، أي: يشربون خمر عين، أو: نصب على الاختصاص، وقوله تعالى: {يشرب بها عبادُ الله} : صفة لعين، أي: يشربون منها، أو: الباء زائدة، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة: " يشربها "، أو: هو محمول على المعنى، أي: يتلذذون بها، أو يروون بها، وإنما عبّر أولاً بحرف " من " وثانياً بحرف الباء؛ لأنَّ الكأس مبتداً شرابهم وأول غايته، وأمّا العين فيها يمزجون شرابهم. قاله النسفي. وقيل: الضمير للكأس، أي: يشربون العين بتلك الكأس، {يُفجِّرُونها تفجيراً} أي: يُجْرُونَها حيث شاؤوا من منازلهم إجراءاً سهلاً، لا يمتنع عليهم، بل يجري جرياً بقوة واندفاع.
{
يُوفُون بالنَّدْرٍ} بما أَوجبوا على أنفسهم من الطاعات، وهو استئناف مسوق لبيان ما لأجله رُزقوا ما ذكر من النعيم، كأنه قيل: ماذا كانوا يفعلون حتى نالوا تلك الرتبة العالية؟ فقال: يُوفون بما أوجبوا على أنفسهم، فكيف بما أوجبه اللهُ عليهم؟ {ويخافون يوماً كان شَرُّه} ؛ شدائده أو عذابه {مُسْتَطِيراً} ؛ منتشراً فاشياً في أقطار الأرض غاية الانتشار، من: استطار الفجر: انتشر. {ويُطعِمون الطعامَ على حُبه} أي: كائنين على حب الطعام والحاجة إليه، كقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] أو: على حب الإطعام، بأن يكون ذلك بطيب النفس، أو: على حب الله، وهو الأنسب بقوله: {لوجه الله} ، {مسكيناً} ؛ فقيراً عاجزاً عن الاكتساب، أسكنه الفقرُ في بيته، {ويتيماً} ؛ صغيراً لا أب له، {وأسيراً} أي: مأسوراً كافراً. كان عليه السلام يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول له: " أحسِن إليه " أو: أسيراً مؤمناً، فيدخل فيه المملوك والمسجون، وقد سمى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيراً فقال: " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". ثم علّلوا إطعامهم فقالوا: {إِنما نُطعمكم لوجه الله} أي: لطلب ثوابه، أو: هو بيان من الله تعالى عما في ضمائرهم من الإخلاص، لأنَّ الله تعالى عَلِمه منهم، فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئاً، وفيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لقال: " يطعمهم " بضمير الغيب، فالجملة على الأول محكية بقول محذوف، حال من فاعل " يُطعمون " أي: قائلين بلسان الحال أو المقال؛ لإزاحة توهم المنّ المبطل للصدقة، وتوقع المكافآت المنقصة للأجر: {إنما نُطعمكم ... } الخ. وعن الصدّيقة ـ رضي الله عنها ـ كانت تبعث بالصدقة، ثم تسأل الرسولَ ما قالوا، فإذا ذكر دعاءهم دعت لهم بمثله، ليبقى لها ثواب الصدقة خالصاً. {لا نُريد منكم جزاء ولا شُكوراً} أي: لا نطلب على طعامنا مكافأة هدية ولاثناءً، وهو مصدر: شكر شكراً وشُكوراً.
{إِنَّا نخافُ من ربنا} أي: إنا لا نُريد منكم المكافأة لخوف عذاب الله على طلب المكافأة في الصدقة، أو: إنا نخاف من ربنا فنتصدّق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف، {يوماً عَبُوساً قمْطريراً} ، وصف اليوم بصفة أهله، نحو: نهاره صائم. والقمطرير: الشديد العبوس، الذي يجمع ما بين عينيه، أي: نخاف عذاب يوم تعبس فيه الوجوه أشد العبوسة.
{

فوقاهم اللهُ شَرَّ ذلك اليوم} ؛ صانهم من شدائده، لسبب خوفهم وتحفُّظهم منه، {ولَّقاهم} أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار {نضرةً} ؛ حُسناً في الوجوه {وسُروراً} في القلب، {وجزاهم بما صبروا} ؛ بصبرهم على مشاق الطاعات، ومهاجرة المحرمات، وإيثار الغير بالعطاء في الأزمات، {جنةً} ؛ بستاناً يأكلون منه ما يشاؤون {وحَرِيراً} يلبسونه ويتزينون به.
---وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ مَرِضا فعادهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أّناس معه، فقالوا لعليّ رضي الله عنه: لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمةُ وجاريتهما ـ يقال لها: فِضة ـ إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشُفيا، فاستقرض عليّ من يهودي ثلاث أصُوع من الشعير، فطحنت ـ رضي الله عنها ـ صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني، أطعمكم اللهُ من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم، فوقف عليهم يتيم، فأثروه، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرهم وهم يرتعشون، كالفراخ من شدة الجوع، قال عليه السلام: " ما أشد ما يسوؤني مما أرى بكم "، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريلُ عليه السلام وقال: يا محمد هنّاك الله في بيتك، فأقرأه السورة. هكذا ذكر القصة الزمخشري وجمهور المفسرين،=
وأنكر ذلك الترمذي الحكيم في نوادره، وجزم بعدم صحتها لمخالفتها لأصول الشريعة، وعدم جريه على ما تقتضيه من إنفاق العفو، وكذا " ابْدَأ بمَن تَعُولُ " و " كفى بالمرء إثماً أن يَضيّع مَن يقوت "، وغير ذلك. هـ.
قلت:
-- ويُجاب بأنَّ هذا من باب الأحوال، وللصحابة في الإيثار أحوال خاصة بهم؛ لشدة يقينهم رضي الله عنهم، وقد خرج الصدّيق رضي الله عنه عن ماله مِراراً، وقال: (تركت لأهلي الله ورسوله) ، وكذلك فعل الصحابي الذي قال لامرأته: نوِّمِي صبيانك ليتعشّى ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه، {وَيُؤْثِرُون عَلَى أَنفُسِهِمْ ... } [الحشر: 9] الآية، وصاحب الأحوال معذور، غير أنه لا يُقتدى به في مثل تلك الحال، فإنكار الترمذي بما ذَكَر غير صحيح=.
{

متكئين فيها} ؛ في الجنة، حال من " جزاهم "، والعامل جزاء، {على الأرائك} ؛ على الأسِرة في الحجال، {لا يَرَون فيها شمساً ولا زمهريراً} لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير ـ أي: بردٌ ـ فظِلها دائم؛ وهواها معتدل، لا حرَّ شمس يحمي، ولا شدّة بردٍ يؤذي، فالزمهرير: البرد الشديد، وقيل: القمر، في لغة طيء، أي: الجنة مضيئة لا يُحتاج فيها إلى شمس ولا قمر. وجملة النفي إمّا حال ثانية، أو: من المستكن في (متكئين) .
{ودانيةً} : عطف على (جنة) ، أي: وجنة أخرى دانية {عليهم ظِلالها} ؛ قريبة منهم ظلال أشجارها؛ قال الطيبي: إنما قال: (دانية عليهم) ولم يقل " منهم "؛ لأنَّ الظلال عالية عليهم. هـ. فظلالها فاعل بدانية، كأنهم وُعدوا جنتين؛ لأنهم وُصفوا بالخوف، وقد قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ، {وذًللت قُطوفُها تذليلا} أي: سُخَّرت ثمارها للقائم والقاعد، والمتكىء، وهو حال من " دانية " أي: تدنو عليهم ظلالها في حال تذليل قطوفها. وقال في الحاشية: جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية؛ وفيه لطيفة: أنَّ استدامة الظل مطلوبة هناك، وأمّا الذليل للقطْف فهو على التجدًّد شيئاً بعد شيء، كلما أرادوا أن يقطعوا شيئاً منها ذل لهم، ودنا لهم، قعداً كانوا أو مضطجعين. هـ. وظاهر كلامه: أنَّ " ظلالها " مبتدأ، و " عليهم " خبر، وظاهر كلام الطيبي: أنه فاعل. والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يجتنى من ثمارها.
{ويُطاف عليهم بآنيةٍ من فضةٍ} أي: يدير عليهم خَدَمُهم كؤوس الشراب، وكأنه تعالى لَمَّا وصف لباسهم، وهيئة جلوسهم، وطعامهم، ذكر شرابهم، ثم يذكر خدمهم، وما هيأ لهم من المُلك الكبير، و (آنية) : جمع إناء، وهو: وعاء الماء، {وأكواب} أي: مِن فضة، جمع كوب، وهو الكوز العظيم الذي لا أُذن له ولاعروة، {كانت قواريراً} " كان " تامة، أي: كُونت فكانت قوارير بتكوين الله. و (قواريرَ) : حال، أو: ناقصة، أي: كانت في علم الله قوارير، {قواريرا من فِضةٍ} : بدل من الأول، أي: مخلوقة من فضة، قال ابن عطية: يقتضي أنها من زجاج ومن فضة، وذلك ممكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه، ومن فضة في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة. هـ. فهي جامعة لبياض الفضة وحُسنها، وصفاء القوارير وشفيفها، حتى يُرى ما فيها من الشراب من خارجها.
--قال ابن عباس: قوارير كل أرض من تربتها، وأرض الجنة فضة. هـ. و " قوارير " ممنوع من الصرف، ومَن نَوّنه فلتناسب الآي المتقدّمة والمتأخّرة، {قدَّروها تقديراً} ؛ صفة للقوارير، يعني: أنَّ أهل الجنة قدَّروها في أنفسهم، وتمنوها، وأرادوا أن تكون على مقادير وأشكال معينة، موافقة لشهواتهم، فجاءت حسبما قدَّروها، تكرمةً لهم، أو: السُّقاة جعلوها على قّدْر ريّ شاربها؛ لتكون ألذّ لهم وأخف عليهم. وعن مجاهد: لا تُفيض ولا تَغيض، أو: قَدَّروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت على حسبها.=


ويُسقون فيها كأساً} ؛ خمراً {كان مِزَاجُهَا زَنجبِيلاً} أي: ما يشبه الزنجبيل في الطعم والرائحة. وفي القاموس: الزنجبيل: الخمر، وعُروق تسري في الأرض، ونباته كالقصب والبرد، له قوة سخنة هاضمة ملينة.. الخ. قلت: وهو السكنجيبر ـ بالراء ـ ولعل العرب كانت تمزج شرابها به للرائحة والتداوي. وقوله تعالى: {عيناً} : بدل من " زنجبيلا "، {فيها} أي: في الجنة {تُسمى سلسبيلا} ، سُميت العين زنجبيلاً؛ لأنَّ ماءها فيه رائحة الزنجبيل، والعرب تستلذه وتستطيبه، وسميت سلسبيلاً لسلاسة انحدارها، وسهولة مساغها، قال أبو عُبيدة: ماء سلسبيل، أي: عذب طيب. هـ. ويقال: شراب سلسبيل وسَلسَال وسلَسيل، ولذلك حُكم بزيادة الباء، والمراد: بيان أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها مرارة ولا زعقة، بل فيها سهولة وسلاسة. والله تعالى أعلم.
--الإشارة: إِنَّا أعتدنا للكافرين بطريق الخصوص، وهم أهل الحجاب سلاسل الأشغال والعلائق، وأغلال الحظوظ والعوائق، فلا يرحلون إلى الله وهم مكبّلون بشهواتهم، مغلولون بعوائقهم. وأعتدنا لهم سعير القطيعة والطرد=
--. إنَّ الأبرارَ، وهم المطهرون من درن العيوب، المتجرَّدون من علائق القلوب، يشربون من كأس خمر المحبة كان مزاجها كافورَ بردِ اليقين، عيناً يشرب منها عبادُ الله المخلصون، يُفجِّرونها على قلوبهم وأرواحهم وأسرارهم تفجيراً، فتمتلىء محبةً ويقيناً، يُوفون بما عقدوا على أنفسهم من المجاهدة والمكابدة إلى وضوع أنوار المشاهدة، ويخافون يوماً كان شرُّه مستطيراً، إذ فيه يفتضح المدّعون، ويظهر المخلصون، ويُطعمون طعام الأرواح والأسرار من العلوم والمعارف، على حُبه، إذ لا شيء أعز منه عندهم، إذ هو الإكسير الأكبر، والغنى الأوفر،=
-- مسكيناً، أي: ضعيفاً من اليقين، ويتيماً لا شيخ له، وأسيراً في أيدي العلائق والحظوظ، وإنما نفعل ذلك لوجه الله، لا يريدون بذلك جزاء، أي: عِوضاً دنيوياً ولا أخروياً، ولا شكوراً؛ مدحاً أو ثناءً؛ إذ قد استوى عندهم المدح والذم، والمنع والعطاء، قائلين: إنا نخاف من ربنا، إن طلبنا عوضاً، أو قَصَّرنا في الدعاء إلى الله، يوماً شديداً تُعبّس فيه وجوه الجاهلين، وتُشرق وتتهلّل وجوه العارفين.=
فوقاهم اللهُ شرَّ ذلك اليوم، فصبروا قليلاً، واستراحوا كثيراً، ولقَّاهم نضرةً؛ بهجة في أجسادهم، وسُروراً دائماً في قلوبهم وأسرارهم. وجزاهم بما صبروا في أيام سيرهم جنة المعارف والزخارف، متكئين فيها على الأرائك؛ على أَسِرة القبول، وفُرُش الرضا وبلوغ المأمول، لا يَرون فيها حَرّ التدبير والاختيار ولا زمهرير الضعف والانكسار؛ لأنَّ العارف باطنه قوي على الدوام، لأنَّ مَن عنده الكنز قلبه سخين به دائماً.
وقال القشيري: لا يؤذيهم شمس المشاهدة؛ لأنَّ سطوة الشهود ربما تفني صاحبها بالكلية، فيغلب عليه السُكْر، فلا يتنعّم بلذة الشهود، ولا زمهرير الحجاب والاستتار. هـ. باختصار. ودانية، أي: وجنة أخرى دانية، وهي جنة البقاء، والأُولى جنة الفناء، عليهم ظلالها، وهي روح الرضا ونسيم التسليم، وذُللت قُطوفها من الحِكَم والمواهب، تذليلاً، فمهما احتاجوا إلى علم أو حكمة أجالوا أفكارهم، فتأتيهم بطرائف العلوم وغرائب الحِكَم، --ويُطاف عليهم بأواني الخمرة الأزلية، فيشربون منها في كل وقت وحين، كيف شاؤوا وحيث شاؤوا. جعلنا الله مِن حزبهم، آمين.==

يقول الحق جلّ جلاله: {ويطوفُ عليه ولدان} أي: غلمان ينشئهم اللهُ لخدمة المؤمنين. أو: ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدماً لأهل الجنة. {مخلَّدون} لا يموتون، أو: دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء، {إِذا رأيتهم حَسِبْتَهُم لؤلؤاً منثوراً} لحُسْنهم، وصفاء ألوانهم، وإشراق وجوههم، وانبثاثِهم في مجالسهم ومنازلهم. وتخصيص المنثور لأنه أزين في المنظر من المنظوم.
{وإِذا رأيتَ ثَمَّ} أي: وإذا وقعت منك رؤية هناك، فـ " رأيت " هنا: لازم، ليس له مفعول لا ملفوظ ولا مُقدّر، بل معناه: أنَّ بصرك أينما وقع في الجنة {رأيتَ نعيماً} عظيماً {ومُلكاً كبيراً} أي: هنيئاً واسعاً.
--وفي الحديث: " أَدْنَى أهل الجنةِ منزلا مَن ينظرُ في مُلكه مَسيرة ألف عام، ويَرَى أقصاهُ كما يرى أدناه "، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: " إنَّ أدنى أهل الجنة منزلاً الذي يركبُ في ألف ألف من خَدَمه من الولدان، على خيل من ياقوت أحمر، لها أجنحة من ذهب "، ثم قرأ عليه السلام: {وإذا رأيت ثَمَّ ... } إلخ. وقيل: مُلكاً لا يعقبه زوال،=
وقال الترمذي: مُلك التكوين، إذا أرادوا شيئاً كان هـ. وقيل: تستأذن عليهم الملائكة استئذان الملوك. رُوي: إنَّ الملائكة تأتيهم بالتُحف، فتستأذن عليهم، حاجباً بعد حاجب، حتى يأذن لهم الآخر، فيدخلون عليهم من كل بابٍ بالتُحف والتحية والتهنئة. هـ
ثم وصف لباس أهل الجنة فقال: {عَالِيَهُم ثِيَابُ سُندُسٍ} فمَن نصبه جعله حالاً من الضمير في " يطوف عليهم " أي: يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثيابُ سندس، ومَن قرأه بالسكون فمبتدأ، و " ثياب " خبر، أي: الذي يعلوهم من لباسهم ثياب سندس، وهو رقيق الديباج، {خُضْرٌ} ؛ جمع أخضر، {وإِستَبرقٌ} ؛ غليظ الديباج، فمَن رفعهما حملهما على الثياب، ومَن جَرَّهما فعلى سندس. {وحُلُّوا أساوِرَ من فضةٍ} وفي سورة الملائكة: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} [فاطر: 33] ، والجمع بينهما: بأنه يجمع في التحلية بينهما. قال ابن المسيب: (لا أحدٌ من أهل الجنة إلاّ وفي يده ثلاثة أسْوِرة، واحد من فضة، وآخر من ذهب، وآخر من لؤلؤ) أو: يختلف ذلك باختلاف الأعمال، فبعضهم يُحلّى بالفضة، وبعضهم بالذهب، وبعضهم باللؤلؤ.
{
وسقاهم ربُّهم} ، أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص، وقيل: إنَّ الملائكة يعرضون عليهم الشراب، فيأبون قبولَه منهم ويقولون: قد طال أخْذُنا مِن الوسائط، فإذا هم بكاساتٍ تُلاقِي أفواههم بغير أكفٍّ من غيبٍ إلى عَبْدٍ. هـ. قلت: ولعل هؤلاء كانوا محجوبين في الدنيا، وأمّا العارفون فالوسائط محذوفة في نظرهم مع وجودنا. فيسقيهم {شراباً طهوراً} أي: ليس برجْسٍ كخمر الدنيا، لأنَّ كونها رجساً بالشرع لا بالعقل، أو: لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضِرة، وتدوسه الأرجل الوسخة، والوضر: الوسخ. قال البيضاوي: يريد به نوعاً آخر، يفوق النوعين المتقدمين، ولذلك أسند سقيه إلى الله، ووصفه بالطهورية، فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية، والركون إلى ما سوى الحق، فيتجرّد لمطالعة جماله، ملتذًّا بلقائه، باقياً ببقائه، وهو منتهى درجات الصدِّيقين، ولذلك خُتِم به ثواب الأبرار. هـ. ويُقال لأهل الجنة: {إِنَّ هذا} أي: الذي ذكر من فنون الكرامات {كان لكم جزاء} في مقابلة أعمالكم الحسنة، {وكان سعيُكم مشكوراً} ؛ مرضياً مقبولاً عندنا، حيث قلتم للمسكين واليتيم والأسير: لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً.
الإشارة: ويطوف على قلوبهم وأسرارهم جواهر العلوم، ويواقيت الحِكَم كأنها اللآلىء المنثورة، وإذا رأيتَ ثَمَّ إذا جالت فكرتك، وعامت في بحار الأحدية، رأيت ببصيرتك نعيماً من نعيم الأرواح، وهي لذة الشهود والفرح برؤية الملك الودود، ومُلكاً كبيراً، وهي عظمة الذات الأولية والآخرية، والظاهرة والباطنة. وإذا رأيتَ ذلك كان الوجود كله تابعاً لك، ينبسط ببسطك، وينقبض بقبضك، وحكمه حكمك، وأمره عند أمرك، تتصرف بهمتك على وفق إرادة مولاك، عاليَهم ثياب العز والبهاء، وثياب الهيبة والجلال؛ وحُلُّوا أساورَ من مقامات اليقين، وَسَقَاهُمْ ربُّهم شَرَاباً طَهُوراً، وهو شراب الخمرة، فإنها تطهر القلوب والأسرار من البقايا والأكدار.
--وقال القشيري: ويقال: يُطهرهم من محبة الأغيار، ويقال: من الغلِّ والغِشِّ والدعوى. ثم قال ويقال: مَن سقاه اليوم شرابَ محبَّتِه لا يستوحِش في وقته من شيء، ومن مقتضى شُرْبه بكأسِ محبته أن يجودَ على كل أحدٍ بالكونين من غير تمييز، لا يَبْقَى على قلبه أثرٌ للأخطار، ومَن آثر شربه بذل كله لكل أحدٍ لأجل محبوبه؛ فيكون لأصغرِ الخَدم تُرَابَ القَدَم، لا يتحرك فيه للتكبُّر عرقٌ، وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضاً في بعض الأحيان أن يَتِيه على أهل الدارين، وأن يَمْلِكَه سرورٌ= ولا يَتَمَالَكُ معه عن خَلْع العذارِ، وإلقاء قناع الحياء وإظهار ما به من المواجيد. ومن موجبات ذلك السُكْر: سقوطَ الحشمة، فيتكلم بمقتضى البسط، أو بموجب لطف السكون بما لا يستخرج منه في حال صَحْوه شُبهة بالمناقيش،، وعلى هذا قول موسى: {رَبِّ أَرِنِيا أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قالوا: سَكِرَ مِن سماع كلامه، فَنَطَقَ بذلك لسانُه، وأمّا حين يسقيهم شرابَ التوحيد فينتفي عنهم شهود كلِّ غَيْرٍ، فيهيمون في أودية العِزِّ، ويتيهون في مفاوزِ الكبرياء، وتتلاشى جملتُهم في هوى الفردانية، فلا عقلَ ولا تمييز، ولا فهمَ ولا إدراك. والعبد يكون في ابتداء الكشفِ مستوعباً، ثم يصير مستغرقاً، ثم يصير مُسْتَهلَكاً {وَأَنَّ إِلَىا رَبِّكَ الْمُنتَهَىا} [النجم: 42] . هـ. وقال الورتجبي: فتلك الكائنات المروقات عن علل الحجاب والعتاب دارت عليها في الدنيا حتى ترجع إلى معادنها من الغيب. ثم قال: فإذا شَرِبوا تلين جلودُهم وقلوبهم إلى ذكر الله، سقاهم ذلك في الدنيا، في ميدان ذكره، بكأس محبته، على منابر أُنسه بمخاطبة الإيمان، وسقاهم في الآخرة، في ميدان قربه، بكأس رؤيته، عَلَى مَنَابِرَ مِن نورٍ بمخاطبة العيان. هـ. قلت: تفريقه بين الدنيا والآخرة غير لائق بمقام المحقِّقين من العارفين، فالعارف لم تبقَ له دنيا ولا آخرة، لم يبقَ له إلاّ الله، تتلوّن تجلياته، فما هناك هو حاصل اليوم، لولا تكثيف الحجاب. ثم يُقال لأهل التمكين: إنَّ هذا
كان لكم جزاء على مجاهدتكم وصبركم، وكان سعيكم مشكوراً، وحضكم منه موفوراً. وبالله التوفيق.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت سبتمبر 05, 2015 5:24 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة المرسلات
بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا

فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا

وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا

فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا

فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا

عُذْرًا أَوْ نُذْرًا

إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ

فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ

وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ

وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ

وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ

لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ

لِيَوْمِ الْفَصْلِ

وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ






يقول الحق جلّ جلاله: {والمُرسلاتِ} أي: والملائكة المرسلات {عُرْفاً} أي: بالمعروف من الأمر والنهي، وانتصابه بإسقاط الخافض، أو: فضلاً وإنعاماً، فيكون نقيض المنكر، وانتصابه على العلة، أي: أرسلهن للإنعام والإحسان، أو: متتابعة، وانتصابه على الحال، أي: يتلو بعضها بعضاً، وفي القاموس: عُرفاً، أي: بعضٌ خلف بعض. هـ. {فالعاصفاتِ عَصْفاً} أي: تعصفن في مُضِيهنّ عصف الرياح، {والناشراتِ} أجنحتها في الجو {نَشْراً} عند انحطاطها بالوحي، أو: الناشرات للشرائع نشراً في الأقطار، أون: الناشرات للنفوس الميتة بالكفر والجهل بما أوحين من الإيمان والعلم. {فالفارقات} بين الحق والباطل {فرقاً} ، {فالملقيات} ، إلى الأنبياء {ذِكْراً عُذْراً} للمحقّين {أو نُذْراً} للمبطلين، ولعل تقديم النشر على الإلقاء؛ للإيذان بكونه غاية للإلقاء، فهو حقيق بالاعتناء به.
أو: والرياح المرسلات متتابعة، فتعصف عصفاً، وتنشر السحاب في الجو نشراً، وتفرّق السحاب فرقاً على المواضع التي أراد الله إن يُمطر عليها، فيلقين ذكراً، أي: موعظة وخوفاً عند مشاهدة آثار قدرته تعالى، إمّا عذراً للمعتذرين إلى الله تعالى برهبتهم وتوبتهم، وإمّا نُذراً للذين يكفرونها وينسبونها إلى الأنواء. أو يكون تعالى أقسم بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصفن سائر الكتب بالنسخ، ونشرن آثار الهدى في مشارق الأرض ومغاربها، وفرقن بين الحق والباطل، فألقين الحق في أكناف العالمين، عذراً للمؤمنين، ونُذراً للكافرين. قال ابن جزي: والأظهر في المرسلات والعاصفات: أنها الرياح؛ لأنَّ وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات:
أنها الملائكة؛ لأنَّ الوصف بالفارقات أليق بهم، ولذلك عطف المتجانسين بالفاء، ثم عطف ما ليس من جنسهما بالواو. هـ مختصراً.
ثم ذكر المُقْسَم عليه، فقال: {إِنَّ ما تُوعدون} أي: إن الذي تُوعدونه من مجيء يوم القيامة ونزول العذاب بكم {لواقع} لا محالة.
الإشارة: أقسم تعالى بنفوس العارفين، المرسَلة إلى كل عصر، بما يُعرف ويُستحس شرعاً وطبعاً، من التطهير من الرذائل والتحلية بالفضائل، فعصفت البدعَ والغفلة من أقطار الأرض عصفاً، ونشرت الهداية في أقطار البلاد، وحييت بهم العباد، ففرقت بين الحق والباطل، وبين أهل الغفلة واليقظة، وبين أهل الحجاب وأهل العيان، فألقت في قلوب مَن صَحبها ذكراً حتى سرى في جميع أركانها، فأظهرت عُذراً للمنتسبين الذاكرين، ونُذراً للمنكرين، الغافلين. قال البيضاوي: أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، وفرقن بين الحق بذاته، والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكاً إلاّ وجهه، وألقين ذكراً، بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلاّ ذكر الله تعالى. هـ.
يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا النجومُ طُمِستْ} ؛ مُحيت ومُحقت، أو ذُهب بنورها. وجواب " إذا " محذوف، وهو العامل فيها، أي: وقع الفصل ونحوه، أو: وقع ما وُعدتم به. و " النجوم ": فاعل بمحذوف يُفسره ما بعده، {وإِذا السماءُ فُرِجَتْ} ؛ فُتحت، فكانت أبواباً لنزول الملائكة، {وإِذا الجبال نُسِفَتْ} ؛ قُطعت من أماكنها، وأُخذت من مقارها بسرعة، فكانت هباءً منبثاً، {وإِذا الرُسل أُقِتَتْ} أي: وُقتت وعُين لهم الوقت الذي يحضرون للشهادة على أممهم، فَفَجَأن ذلك الوقت، وجُمعت للشهادة على أممهم، أي: وإذا الرسل عاينت الوقت الذي كانت تنتظره، {لأيَّ يوم أُجِّلَتْ} أي: ليوم عظيم أخّرت وأُمهلت، وفيه تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت.
ثم بيّن ذلك اليوم، فقال: {ليوم الفصْلِ} أي: أُجِّلت ليوم يفصل فيه بين الخلائق، وقال ابن عطاء: هو اليوم الذي يفصل فيه بين المرء وقرنائه وإخوانه وخِلاّنه، إلاّ ما كان منها لله وفي الله. هـ. وهو داخل في الفصل بين الخلائق، وجزء من جزئياته، {وما أدراك ما يومُ الفصل} أي: أيُّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الفصل، فوضع الظاهر موضع
الضمير، تهويل وتفظيع لشأنه، {ويل يومئذٍ للمكذِّبين} بذلك اليوم، أي: ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، و " ويل " أصله: مصدر منصوب بفعل سدّ مسده، لكن عدل به إلى الرفع على الابتداء، للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعوّ عليه، و " يومئذ " ظرف له، و " للمكذِّبين " خبره، أي: الويل في ذلك اليوم حاصل لهم. قال ابن عطية: وأمّا تكرير قوله تعالى: {ويل يومئذ للمكذِّبين} في هذه السورة، فقيل: لمعنى التأكيد فقط، وقيل: بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك. هـ. وهذا الآخر هو الصواب، وسيأتي التنبيه عليه في كل آية.
الإشارة: إذا أشرقت شموس العرفان، وبدت أسرارُ الذات للعيان، انطمس نور نجوم علم الفروقات الكونية، والفروعات الوهمية، ولم يبقَ إلاّ علم الوحدة الذاتية ومعنى انطماسها: الغيبة عنها والفناء عنها بما هو أمتع وأحلى منها، من شهود الذات الأقدس، والاستغراق في شهود أنوارها وأسرارها. وإذا السماء، أي: سماء الأرواح فُرجت عنها ظُلمة الحس، فظهرت للعيان. واعلم أنَّ أرض الأشباح وسماء الأرواح محلهما واحد، وإنما تختلف باختلاف النظرة، فَمَن نَظَر الأشياءَ بعين الفرق في محل الحدوث تُسمى في حقه عالم الأشباح، ومَن رآها بعين الجمع في مقام القِدَم، تسمى في حقه عالم الأرواح، والمظهر واحد. وإذا الجبال؛ جبال الوهم والخيالات، أو: جبال العقل الأصغر، نُسفت، أي: تلاشت وذهبت، وإذا الرسل أي: الدعاة إلى الله من أهل التربية، أُقتت: عُين لها وقت وقوع ذلك، وهو يوم الفتح الأكبر بالاستشراف على الفناء في الذات، وأي يوم ذلك، وهو يوم لقاء العبد ربه في دار الدنيا، وهو يوم الفصل، يفصل فيه بين الخصوص والعموم، بين المقربين وأهل اليمين، بين أهل الشهود والعيان، وأهل الدليل والبرهان، ويل يومئذ للمكذِّبين بطريق هذا السر العظيم.


_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين سبتمبر 07, 2015 5:11 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة النبأ
الأية من 31 إلى 40

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا

وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

وَكَأْسًا دِهَاقًا

لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا

جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا

ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا

إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا



يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ للمتقين مفازاً} أي: فوزاً ونجاة من كل مكروه، وظفراً بكل محبوب، وهو مَفْعَلٌ من الفوز، يصلح أن يكون مصدراً ومكاناً، وهو الجنة، ثم أبدل البعض من الكل، فقال: {حدائقَ} ؛ بساتين فيها أنواع الشجر المثمر، جمع حديقة، وأبدل من المفرد، لأنَّ المصدر لا يجمع، بل يصلح للقليل والكثير، {وأعناباً} ، كرر لشرفه، لأنه يخرج منه أصناف مِن النِعم، {وكواعبَ} ؛ نساء نواهِد، {أتراباً} أي: لَدَاتٍ مستوياتٍ في السنّ، {وكأساً دِهاقاً} ؛ مملوءة.
{لا يسمعون فيها} ؛ في الجنة، حال من ضمير خبر " إن "، {لَغْواً} ؛ باطلاً، {ولا كِذَّاباً} أي: لا يكذّب بعضهم بعضاً، وقرأ الكسائي بالتخفيف، من المكاذبة، أي: لا يُكاذبه أحد، {جزاءً من ربك} : مصدر مؤكد منصوب، بمعنى: إنَّ للمتقين مفازاً، فإنه في قوة أن يقال: جازى المتقين بمفاز جزاء كائناً من ربك. والتعرُّض لعنوان الربوبية، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مزيد تشريف له عليه الصلاة والسلام، {عَطاءً} أي: تفضُّلاً منه تعالى وإحساناً، إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل مِن " جزاء "، {حِساباً} أي: مُحسِباً، أي: كافياً، على أنه مصدر أقيم مقام الوصف، أو بولغ فيه، من: أحسبه إذا كفاه حتى قال حسبي، أو: على حسب أعمالهم.
{ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما} بدل من " ربك "، {الرحمن} : صفة له، أو للأول، فمَن جَرَّهما فبدل من " ربك ". ومَن رفعهما فـ " رب " خبر متبدأ محذوف، أو متبدأ خبره " الرحمن "، أو " الرحمن " صفة، و " لا يملكون " خبر، أو هما خبران، وأيًّا ما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة إشعار بمدار الجزاء المذكور، {لا يملكون} أي: أهل السماوات والأرض {منه خِطاباً} ؛ معذرة أو شفاعة أو غيرهما إلاَّ بإذنه، وهو استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة، من غاية العظمة والكبرياء، واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء، من غير أن يكون لأحد قدرة عليه، والتنكير في للتقليل والنوعية. قال القشيري: كيف يكون للمكوَّن المخلوق المسكين مُكْنةٌ أن يملك منه خِطاباً، أو يتنفَّسَ بدونه نفساً؟ كلاَّ، بل هو الله الواحدُ الجبّار. ثم قال: إنما تظهر الهيبةُ على العموم لأهل الجمع في ذلك اليوم. وأمّا الخصوص فهم أبداً بمشهدِ العز بنعت الهيبة. هـ.
{
يومَ يقومَ الرُّوحُ} ؛ جبريل عليه السلام عند الجمهور، وقيل: مَلكٌ عظيم، ما خلق الله تعالى بعد العرش أعظم منه، يكون وحده صفًّا، {والملائكةُ صفاً} : حال، أي: مصْطفين {لا يتكلمون} أي: الخلائق خوفاً، {إِلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ} في الكلام أو الشفاعة، {وقال صَواباً} أي: حقًّا. قال الطيبي عن الإمام: فإن قيل: لَمَّا أذن له الرحمن في التكلم عَلِمَ أنه حق وصواب، فما الفائدة في قوله: {وقا صواباً} ؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنَّ التقدير: لا ينطقون إلاَّ بعد ورود الإذن والصواب، ثم يجتهدون في ألاَّ ينطقوا إلاَّ بالحق والصواب، وهذا مبالغة في وصفهم بالطاعة. وثانيهما: أنَّ التقدير: لا يتكلمون إلاَّ في محضر إذن الرحمن في شفاعته والمشفوع له ممن قال صواباً، وهو قول لا إله إلا الله. هـ. قلت: والمعنى: أن يُراد بالصواب: استعمال الأدب في الخطاب، بمراعاة التعظيم، كما هو شأن الكلام مع الملوك.
ثم قال تعالى: {ذلك اليومُ الحق} أي: الثابت المحقَّق لا محالة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه. والإشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور، وما فيه من معنى البُعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو درجته، وبُعد منزلته في الهول والفخامة
وهو مبتدأ، و " اليوم " خبره، أي: ذلك اليوم العظيم الذي يقوم الروح والملائكة مصطفين، غير قادرين على التكلم عنهم ولا عن غيرهم من الهيبة والجلال، هو اليوم الحق، {فمَن شاء اتخذ إَلى ربه مآباً} ؛ مرجعاً بالعمل الصالح. والفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر كذلك من تحقُّق اليوم المذكور لا محالة، فمَن شاء أن يتخذ إلى ربه مرجعاً، أي: إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم، فليفعل ذلك بالإيمان والطاعة، و " إلى ربه " يتعلق بـ " مآب " قُدّم اهتماماً وللفواصل.
{إِنَّا أنذرناكم} بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وما بعده من الدواعي، أو بسائر القوارع الواردة في القرآن، أي: خوفناكم {عذاباً قريباً} هو عذاب الآخرة، وقُربه لتحقُّق وقوعه، وكل آتٍ قريب، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] ، وعن قتادة هو قتل قريش يوم بدر ويأباه قوله تعالى: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} فإنه بدل من " عذاب " أو ظرف لمُضمر هو صفة له، أي: عذاباً كائناً يوم ينظر المرء، أي: يُشاهد ما قدَّمه من خير وشر. و " ما " موصولة، والعائد محذوف، أو استفهامية، أي: ينظر الذي قدمته يداه، أو: أي شيء قدمت يداه وقيل: المراد بالمرء: الكافر.

وقوله: {ويقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كنتُ ترابا} ، وضع الظاهرَ موضع الضمير، لزيادة الذّم، أي: يَا لَيْتَنِي كنتُ تُرَابًا لم أُخلق ولم أُكلّف، أو: ليتني كنت تراباً في هذا اليوم فلم أُبعث. وقيل: يحشر اللهُ تعالى الحيوان حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يرده تراباً، فيود الكافرُ أن يكون تراباً مثله، وقيل: الكافر: إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون من الشيء الذي احتقره حين قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}[الأعراف: 12 وصا: 76] . قال الطيبي: والعموم في المرء هو الذي يساعده النظم. ثم قال عن الإمام: فإن قلتَ: لِمَ خُصَّ بعد العموم قول الكافر دون المؤمن؟ قلت: دلّ قول الكافر على غاية التحسُّر، ودلّ حذف قول المؤمن على غاية التبجُّح ونهاية الفرح بما لا يَحصُره الوصف. هـ. قال المحشي: والظاهر أنه اقتصر على قول الكافر بعد العموم في المرء، لأنه المناسب للنذارة التي اقتضاها المقام. هـ. قلتُ: ولو ذكر قول المؤمن لقال: ويقول المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه، تبجُّحاً وفرحاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنَّ للمتقين الله حق تقاته مفازاً، وهو التخلُّص من رؤية الأكوان، والإفضاء إلى رؤية الشهود والعيان، وهو دخول حدائق العرفان، واقتطاف ثمار الوجدان، ونكاح أبكار الحقائق، وهنّ أتراب، لاستوائها غالباً في لذة الشهود لمَن تمكن منها. ويشربون كأس الخمرة الأزلية، لا يسمعون في حضرة القدس لغواً ولا كِذاباً، لغاية أدبهم، جزاء من ربك على مكابدتهم في أيام سيرهم، عطاءً كافياً مغنياً من الرحمن، لا يملكون منه خِطاباً، لغاية هيبتهم، وهذا لقوم أقامهم مقام الهيبة، وثَمَّ آخرون أقامهم مقام البسط والإدلال،
وهم المتمكنون في معرفته، ينبسطون معه، ويشفعون في عباده في الدارين. قال الورتجبي: مَن كان كلامه في الدنيا من حيث الكشف والمعاينة، فهو مأذون في الدنيا والآخرة، يتكلم مع الحق على بساط الحرمة والهيبة، يُنقذ الله به الخلائق من ورطة الهلاك. هـ.
يوم يقوم الروح، أي: جنس الروح، وهي الأرواح الصافية، التي التحقت بالملائكة، فتقوم معهم صفاً في مقام العبودية التي شرفت بها، لا يتكلمون هيبةً لمقام الحضرة، إلاَّ مَن أّذِنَ له الرحمنُ في الشفاعة، على قدر مقامه، وقال صواباً، أي: استعمل الأدب في مخاطبته فإذا استعمل الأدب شفع، ولو قصر مقامه عن عدد المشفوع فيه. حُكي أنَّ بعض الأولياء قال عند موته: يا رب شفِّعني في أهل زماني، فقال له الهاتف مِنْ قِبل الله تعالى: لم يبلغ مقامك هذا، فقال: يا رب إذا كان ذلك بعملي واجتهادي فلعَمري إنه لم يبلغ ذلك، وإذا كان ذلك بكرمك وَجُودك، فهو أعظم من ذلك، فشَفَّعه الحقُّ تعالى في الوجود. هكذا سمعتُ الحكاية من شيخنا الفقيه العالم، سيدي " التاودي بن سودة " رحمه الله، فحُسن خطاب هذا الرجل بلّغه ما لم يبلغه قدره.

ذلك اليوم الحق، تحِق فيه الحقائق، وتبطل فيه الدعاوى، ويفتضح أهلها، فمَن شاء اتخذ إلى ربه مآباً، يرجع به إلى ربه، وهو حُسن التوجه إليه، برفض كل ما سواه. {إنَّا أنذرناكم عذاباً قريباً} قال القشيري: أي: عذاب الالتفات إلى النفس والدنيا والهوى، يوم ينظر المرءُ ما قدَّمت يداه من الإساءة والإحسان هـ. ويقول الكافر الجاحد لطريق الخصوصية، حتى مات محجوباً: يَا لَيْتَنِي كنتُ تُراباً، تحسُّراً على ما قاته من مقام المقربين. وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء سبتمبر 09, 2015 5:16 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة النازعات

الأية من 1 إلى 14

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا

وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا

فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا

فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ

تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ

أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ

يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ

أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً

قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ

فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ




يقول الحق جلّ جلاله: {والنازعاتِ} أي: والملائكة التي تنزع الأرواح من أجسادها، كما قال ابن عباس، أو أرواح الكفرة، كما قاله هو أيضاً وابن مسعود، {غَرْقاً} أي: إغراقاً، من: أَغرق في الشيء: بالغ فيه غايةً، فإنها تُبالغ في نزعها فتخرجها من أقاصي الجسد. قال ابن مسعود: تنزع روح الكافر مِن جسده من تحت كل شعرة، ومِن تحت الأظافر، ومن أصول القدمين، ثم تفرقها في جسده، ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده، فهذا عملها بالكفار دون المؤمنين. أو: تُغرقها في جهنم، فهو مصدر مؤكد.
{والناشطاتِ نشطاً} أي: ينشطونها ويخرجونها من الجسد، من: نَشط الدلو من البئر: أخرجها. {والسابحاتِ سَبْحاً} أي: يسبحون بها في الهوى إلى سدرة المنتهى. شبّه سرعة سيرهم بسبح الهوام، أو يسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج من البحر ما يخرج، {فالسابقاتِ سبقًا} فيسبقون بأرواح الكفرة إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، {فالمُدبراتِ أَمْراً} تُدبر أمر عقَابها وثوابها، بأن تهيئها لإدراك ما أعدّ لها من الآلام والثواب، أو السابحات التي تسبح في مضيها، فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد، مما يصلحهم في دينهم ودنياهم كما رُسم لهم.
أو: يكون تعالى أَقْسَم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، غرقاً في النزع، بأن تقطع الفلك حتى تنحطّ في أقصى المغرب، وتنشط من برج إلى برج، أي: تخرج، من: نَشط الثور: إذا خرج من بلد إلى بلد، وتَسْبح في الفلك، فتسبق بعضها بعضاً، فتُدبر أمراً نِيط بها، كاختلاف الفصول، وتقدير الأزمنة، وتدبير مواقيت العبادة، وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية ـ أي: قهرية - وحركاتها من برج إلى برج ملائمةً، عبَّر عن الأولى بالنزع، وعن الثانية بالنشط.

أو: بأنفس الغُزاة، أو: بأيديهم التي تنزع القِسي، بإغراق السهام، وينشطون بالسهم إلى الرمي، ويَسْبحون في البر والبحر، فيسبقون إلى حرب العدو، فيُدبرون أمرها، أو: بصفات خيلهم، فإنها تنزع في أعنّتها نزعاً تغرق فيه الأعنّة لطول أعناقها، لأنها عراب، وتخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وتَسْبح في جريها، فتسبق إلى العدو، فتدبر أمر الظفر والغلبة. وسيأتي في الإشارة أحسن هذه الأقوال إن شاء الله.
وانتصاب " نشطاً " و " سَبْحاً " و " سبقاً " على المصدرية، وأما " أمراً " فمفعول به، وتنكيره للتهويل والتفخيم. والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير العنواني منزلة المتغاير الذاتي؛ للإشعار بأنَّ كل واحدٍ من الأوصاف المعدودة من معظّمات الأمور، حقيق بأن يكون حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام من غير انضمام أوصاف الآخر إليه. والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتيبهما على ما قبلهما بلا مهلة. والمقسم عليه محذوف، تعويلاً على إشارة ما قبله من المقسم به إليه، ودلالة ما بعد من أحوال القيامة عليه، فإنَّ الإقسام بمَن يتولى نزع الأرواح، ويقوم بتدبيرها، يلُوح بكون المقسم عليه مِن قبل تلك الأمور لا محالة، ففيه من الجزالة ما لا يخفى.
أي: لتُبعثن {يومَ ترجُفُ الراجِفةُ} ، فالعامل في الظرف هو الجواب المحذوف. والرجف: شدة الحركة. والراجفة: النفخة الأولى، وُصفت بما حدث عندها لأنها تضطرب لها الأرض حتى يموت مَن عليها، وتزلزل الجبال وتندك الأرض دكاً، ثم {تتبعها الرادِفةُ} ؛ النفخة الثانية، لأنها تردف الأولى، وبينهما أربعون سنة، والأولى تُميت الخلق والثانية تُحْييهم.
{قلوبٌ يومئذٍ} ، وهي قلوب منكري البعث، {واجفةٌ} ؛ مضطربة، من: الوجيف، وهو الاضطراب، {أبصارُها} أي: أبصار أصحابها {خاشعةٌ} ؛ ذليلة لهول ما ترى، {يقولون} أي: منكرو البعث في الدنيا استهزاءً وإنكاراً للبعث: {أئنا لمردودون في الحافرة} ، استفهام بمعنى الإنكار، أي: أنُردّ بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياءً كما كنا؟ والحافرة: الحالة الأولى، يُقال لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى حالته الأولى، يُقال: لمَن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى حالته الأولى، ويُقال: رجع في حافرته، أي: طريقته التي جاء فيها، فحفر فيها، أي: أثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أنها محفورة، كقوله: {عيشة
راضية} [الحاقة: 21] على تسمية القابل بالفاعل.

أنكروا البعث ثم زادوا استبعاداً فقالوا: {أئذا كنا عظاماً نخرةً} ؛ بالية. ونخرة أبلغ من ناخرة؛ لأنَّ " فَعِلٌ " أبلغ من فاعل، يقال: نَخِرَ العظم فهو نَخِرٌ وناخر: بِلَى، فالنَخِر هو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له نخير، أي: أنُرد إلى البعث بعد أن صرنا عظاماً بالية؟ . و " إذا " منصوب بمحذوف، وهو: أنُبعث إذا كنا عظاماً بالية مع كونها أبعد شيء في الحياة.
{قالوا} أي: منكروا البعث، وهو حكاية لكفر آخر، متفرع على كفرهم السابق، ولعل توسيط " قالوا " بينهما للإيذان بأنّ صدور هذا الكفر عنه ليس بطريق الاطراد والاستمرار، مثل كفرهم الأول المستمر صدوره عنهم في كافة أوقاتهم، حسبما يُنبىء عنه حكايته بصيغة المضارع، أي: قالوا بطريق الاستهزاء، مُشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة، مشعرين بغاية بُعدها من الوقوع: {تلك إِذاً كرةٌ خاسرةٌ} أي: رجفة ذات خسران، أو خاسر أصحابها، والمعنى: أنها إن صحّت وبُعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاءُ منهم.
قال تعالى في إبطال ما أنكروه: {فإِنما هِي زجرةٌ وَاحدَةٌ} أي: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله، بل هي أسهل شيء، فما هي إلاّ صيحة واحدة، يُريد النفخة الثانية، من قولهم: زَجَر البعير: إذا صاح عليه. {فإِذا هم بالسَّاهرةِ} أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعدما كانوا أمواتاً في جوفها.والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سُميت بذلك، لأنَّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية، وفي ضدها: عين نائمة، وقيل: إنَّ سالكها لا ينام خوف الهلكة، وقيل: أرض بعينها بالشام إلى جنب بيت المقدس، وقيل: أرض مكة. وقيل: اسم لجهنّم. وعن ابن عباس: أنَّ الساهرة: أرض مِن فضة، لم يُعص اللهَ تعالى عليها قط، خلقها حينئذ. وقيل: أرض يُجددها اللهُ تعالى يوم القيامة. وقيل: الأرض السابعة، يأتي الله بها يوم القيامة فيُحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تُبدل الأرض غير الأرض، وقيل: الساهرة: أرض صحراء على شفير جهنم. والله تعالى أعلم.
أنفس العلماء الجهابذة، فالسابقات إلى الله بأنواع المجاهدات والسير في المقامات، حتى أفضت إلى شهود الحق عياناً، سبقاً، وهي أنفس الأولياء العارفين، فالمُدبرات أمر الخلائق بقسم أرزاقها وأقواتها ورتبها، وهي أنفس الأقطاب والغوث. وقال البيضاوي: هذه صفات النفوس، وحال سلوكها، فإنها تنزع من الشهوات، وتنشط إلى عالم القدس، فتسْبَح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات، حتى تصير من المكمِّلات، زاد الإمام: فتُدبْر أمر الدعوة إلى الله. وقال الورتجبي: إشارة النازعات إلى صولات صدمات تجلي العظمة، فتنزع الأرواح العاشقة عن معادن الحدوثية. ثم قال: والناشطات: الأرواح الشائقة تخرج من أشباحها بالنشاط، حين عاينت جمال الحق بالبديهة وقت الكشف. ثم قال: والسابحات تسْبَح في بحار ملكوته وقاموس كبرياء جبروته، تطلب فيها أسرار الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية، فالسابقات في مصاعدها عالم الملكوت، وجنات الجبروت، تُسابق كل همة، فالمدبِّرات هي العقول القدسية تُدَبّر أمور العبودية بشرائط إلهام الحقيقة. هـ.
والمقسَم عليه: ليبعَثن اللهُ الأرواحَ الميتة بالجهل والغفلة، حين تنتبه إلى السير بالذكر والمجاهدة، فإذا حييت بمعرفة الله كانت حياة أبدية. وذلك يوم ترجف النفس الراجفة، وذلك حين تتقدّم لخرق عوائدها ومخالفة هواها، تتبعها الرادفة، وهي ظهور أنوار المشاهدة، فحينئذ تُبعث من موتها، وتحيا حياة لا موت بعدها، وأمّا الموت الحسي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام. قلوب يومئذ ـ أي: يوم المجاهدة والمكابدة ـ واجفة، لا تسكن حتى تُشاهد الحبيب، أبصارُها في حال السير خاشعة، لا يُخلع عليها خلعُ العز حتى تصل. يقول أهل الإنكار لهذه الطريق: أئِنا لمردودون إلى الحالة الأولى، التي كانت الأرواح عليها في الأزل، بعد أن كنا ميتين بالجهالة، مُرْمى بنا في مزابل الغفلة، كعِظام الموتى، قالوا: تلك كرة خاسرة، لزعمهم أنهم إذا صاروا إلى هذا المقام لم يبقَ لهم تمتُّع بشيء أصلاً، مع أنَّ العارف إذا تحقق وصوله تمتع بالنعيمين؛ نعيم الأشباح ونعيم الأرواح. قال تعالى في رد ما استحالوه: فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحدَةٌ من همة عارف، أو نظرة وليّ كامل، فإذا هم في أرض الحضرة القدسية. قال الشيخ أو العباس: والله ما بيني وبين الرجل إلاَّ أن أنظر إليه وقد أغنيته. قلت: والله لقد بقي في زماننا هذا مَن يفوق أبا العباس والشاذلي وأضرابهما في الإغناء بالنظرة والملاحظة، والحمد لله.

الإشارة: والأرواح النازعات عن ملاحظة السِّوى غرقاً في بحار الأحدية. والناشطات من علائق الدنيا ومتابعة الهوى نشطاً، والسابحات بأفكارها في بحر أنوار الملكوت، وأسرار الجبروت، سبحاً، فالسابقات إلى حضرة القدس سبقاً، فالمدبرات أمر الكون، بالتصرُّف فيه بالنيابة عن الحق، وهو مقام القطبانية، أو النازعات عن الحظوظ والشهوات غرقاً في التجرُّد إلى العبادات بأنواع الطاعات. وهذه أنفس العُبّاد، والناشطات عن الدنيا، وأهلها فراراً إلى الله نشطاً، وهي أنفس الزُهّاد، والسابحات بعقولها في أسرار العلوم، فتستخرج من الكتاب والسنة درراً ويواقيت، يقع النفع بها إلى يوم الدين

_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة سبتمبر 11, 2015 4:36 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
سورة عبس

الأية من 17 إلى 42

بسم الله الرحمن الرحيم

قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ

مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ

كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ

فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ

أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا

ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا

فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا

وَعِنَبًا وَقَضْبًا

وَزَيْتُونًا وَنَخْلا

وَحَدَائِقَ غُلْبًا

وَفَاكِهَةً وَأَبًّا

مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ

وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ

وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ

لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ

ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ

وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ

تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ

أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ


{قُتِلَ الإِنسانُ} أي: لُعن، والمراد: إمّا مَن استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نُعُوته الجليلة، الموجبة للإقبال عليه، والإيمان به، وإمّا الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده، وقيل: المراد: أُميّة أو: عُتبة بن ربيعة. {ما أكْفَرَه} ، ما أشد كفره! تعجبٌ من إفراطه في الكفران، وبيانٌ لاستحقاقه الدعاء عليه، وقيل: " ما " استفهامية، توبيخي، أي: أيُّ شيء حَمَلَه على الكفر؟ ! {من أي شيءٍ خَلَقهُ} أي: من أيِّ شيءٍ حقيرٍ خلَقَه؟ ثم بيّنه بقوله: {من نطفةٍ خَلَقَه} أي: مِن نطفة مذرة ابتداء خلقه، {فقدَّره} ؛ فهيّأه لِما يصلح له، ويليق به من الأعضاء والأشكال، أو: فقدّره أطوراً إلى أن تَم خلقه.
{ثم السبيلَ يَسَّرهُ} أي: يَسّر له سبيل الخروج من بطن أمه، بأن فتح له فم الرحم، وألهمه أن يتنكّس ليسهل خروجه. وتعريف " السبيل " باللام للإشعار بالعموم، أو: يَسْر له سبيل الخير أو الشر، على ماسبق له، أو يَسْر له سبيل النظر السديد، المؤدِّي إلى الإيمان، وهو منصوب بفعل يُفسره ما بعده.
{ثم أماته فأقْبَره} أي: جعله ذا قبرٍ يُوارَى فيه تكرمةً، ولم يجعله مطروداً على وجه الأرض تأكله السباع والطير، كسائر الحيوان. يُقال: قبرتَ الميت: إذا دفنته، وأقبرته: أمرت بدفنه. وعدّ الإماتة من النِعم؛ لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم، ولأنها سبب وصول الحبيب إلى حبيبه. {ثم إِذا شاء أنْشَرَهُ} أي: إذا شاء نَشْرَه، على القاعدة المستمرة مِن حذف مفعول المشيئة، أي: ثم ينشره في الوقت الذي شاء، وهو يوم القيامة، وفي تعلُّق الإنشار بمشيئته ـ تعالى ـ إيذان بأنّ وقته غير متعين،
قال ابن عرفة: تعليق المعاد بالمشيئة جائز، جارٍ على مذهب أهل السنة؛ لأنهم يقولون: إنه جائز
عقلاً، واجب شرعاً، وأمّا المعتزلة فيقولون بوجوبه، بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين. هـ.
{
كلاَّ} ، ردع للإنسان عما هو عليه، ثم بيَّن سبب الردع فقال: {لمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ} أي: لم يقضِ العبد جميع ما أمَرَه اللهُ به؛ إذ لا يخلوا العبد من تقصيرٍ ما، فإن قلت: " لَمَّا " تقتضي توقع منفيها، وهو هنا متعذر كما قلتَ؟ . قلتُ: الأمر الذي أمر الله به عبادَه في الجملة: هو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان، وهو ممكن عادة، متوقع في الجملة، وقد وصل إليه كثير من أوليائه تعالى، فمَن وصل إليه فلا تقصير في حقه، وإن كانت المعرفة غير متناهية، ومَن لم يصل إليه فهومُقصِّر، غير أنَّ عقابه هو احتجابه عن ربه. والله تعالى أعلم.
ثم أَمَرَ بالتفكُّر في نِعم الله، ليكون سبباً للشكر، الذي هو: صرف كلية العبد في طاعة مولاه، فلعله يقضي ما أَمَرَه فقال: {فلينظر الإِنسانُ إِلى طعامه} أي: فلينظر إلى طعامه الذي هو قِوام بدنه، وعليه يدور أمر معاشه، كيف صيَّرناه، {أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ} أي: الغيث {صَبًّا} عجيباً، فمَن قرأ بالفتح فبدل اشتمال من الطعام، وبالكسر استئناف. {ثم شققنا الأرضَ} بإخراج النبات، أو: بالحرث، وهو فعل الله في الحقيقة؛ إذ لا فاعل سواه، {شَقًّا} بديعاً لائقاً بما يشقها من النبات، صِغراً أو كِبراً، وشكلاً وهيئة، أو: شقاً بليغاً؛ إذ لا ينبت بمطلق الشق، وإذا نبت لا يتم عادة. و " ثم " للتراخي التي بين الصبّ والشق عادة، سواء قلنا بالنبات أو بالكَراب، وهو الحراثة.
{فأنبتنا فيها حَبًّا} كالبُر والشعير وغيرهما مما يتغذّى به. قال ابن عطية: الحب: جمع حبة ـ بفتح الحاء، وهو: كل ما يتخذه الناس ويُرَبونه، والحِبة ـ بكسر الحاء: كل ما ينبت من البذور ولا يُحْفل به ولا هو بمتخَذ. هـ. {وعِنباً} أي: ثمرة الكَرْم، وهذا يؤيد أن المراد بالشق: حفر الأرض بالحرث أو غيره، لأنَّ العنب لا يشق الأرض في نباته، وإنما يغرس عوداً. وقال أبو السعود: وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيّد به المعطوف عليه، فلا ضرر في في خُلُو نبات العنب عن شق الأرض. هـ. {وقَضْباً} وهو كل ما يقضب، أي: يُقطع ليُؤكل رطباً من النبات، كالبقول والهِلْيَوْن ونحوه مما يُؤكل غضاً، وهو جملة النِعَم التي أنعم الله بها، ولا ذكر له في هذه الآية إلاّ في هذه اللفظة. قاله ابن عطية. والهِلْيَوْن ـ بكسر الهاء وسكون اللام: جمع هليونة، وهو الهِنْدَبا. قاله ابن عرفة اللغوي، وقيل: هو الفِصْفَصَة، وهو ضعيف؛ لأنها للبهائم، وهي داخلة في الأَبْ.
{

وزيتوناً ونخلا} ، الكلام فيهما كما تقدّم في العنب، {وحدائقَ} ؛ بساتين {غُلْباً} : جمع غلباء، أي: غلاظ الأشجار مع نعومتها، وصفَ به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، {وفاكهةً} أي: ما تتفكهون به من فواكه الصيف والخريف، {وأبًّا} أي:
مرعَى لدوابكم، من: أبَّه: إذا أمَّه، أي قصده، لأنه يُؤم وينتجع، اي: يُقصد، أو: من أب لكذا: إذا تهيأ له؛ لأنه مُتهيأ للرعي، أو: فاكهة يابسة تُؤب للشتاء.
وعن الصِّدِّيق رضي الله عنه أنه سُئل عن الأب، فقال: أيُّ سماء تُظلني، وأيّ أرض تُقلني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية، فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصاً كانت بيده، فقال: هذا لعَمْرُ الله التكلُّف، وما عليك يا ابن أمر عمر، ألاَّ تدري ما الأبُّ؟ ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم وما لا فلتَدعُوه. هـ. وهذه اللفظة من لغات البادية، فلذلك خفيت على الحواضر. {متاعاً لكم ولأنعامكم} أي: جعل ذلك تمتيعاً لكم ولمواشيكم، فإنّ بعض هذه المذكورات طعام لهم، وبعضها علف لدوابهم، و {متاعاً} : مفعول لأجله، أو: مصدر مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد، أي: متّعكم بذلك متاعاً، والالتفات لتكميل الامتنان، والله تعالى أعلم.
الإشارة: قُتل الإنسان؛ لُعن الغافل عن ذكر الله، لقوله عليه السلام: " الدنيا مَلعونَةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلاَّ ذِكْرُ الله وما وَالاهُ، وعالماً ومُتَعلِّماً "، فلم يخرج من اللعنة إلاّ الذاكر والعالِم والمتعلم إذا أخلصا، ثم عجب تعالى من شِدة كفره لنِعمه، حيث لم يُشاهد المُنعِّم في النِعم، فيقبض منه، ويدفع إليه، ثم ذكر أول نشأته ومنتهاه، وما تقوم به بِنْيتِه فيما بينهما؛ ليحضه على الشكر. قال القشيري: {من أيّ شيء خلقه..} الخ، يعني: ما كان له ليكفر، لأنّا خلقناه من نطفة الوجود المطلق وهيأناه لمظهرية ذاتنا وصفاتنا، وأسمائنا. هـ.
ثم قال: {ثم السبيل يَسَّره} أي: سهلنا عليه سبيل الظهور لِمَظاهر الأسماء الجلالية والجمالية، ثم أماته عن أنانيته، فأقبره في قبر الفناء عن رؤية الفناء، ثم إذا شاء أنشره بالبقاء بعد الفناء. كلاَّ لِيرتدع عن كفرانه لنِعمنا، وليستغرق أحواله في شهود ذاتنا، ليكون شاكراً لأنعُمنا، لمَّا يقضِ مَآ اَمَرَه، وهو الوصول إلى حضرة العيان. فكل مَن وصل إلى حضرة الشهود بالفناء والبقاء فقد قضى ما أَمَرَه به مولاه، وكل مَن لم يصل إليها فهو مُقَصِّر، ولو أعطي عبادة الثقلين. قال القشيري: ويُقال: لم يقضِ الله له أمره به، ولو قضى له ما أمره به لَمَا عصاه. هـ. وقال الورتجبي: لم يفِ بالعهد الأول، حين خاطبه الحق بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ولم يأتِ بمراد الله منه، وهو العبودية الخالصة. هـ. قلت: يعني مع انضمام شهود عظمة الربوبية الصافية.

وقوله تعالى: {فلينظر الإنسانُ إلى طعامه} أي: الحسي والمعنوي، وهو قوت القلوب والأرواح، أنَّا صببنا الماء صبًّا، أي: صببنا ماء العلوم والواردات على القلوب
الميتة فحييت. قال القشيري: صَبَبْنا ماءَ الرحمة على القلوب القاسية فَلاَنتْ للتوبة، وماء التعريف على القلوب الصافية فنبتت فيها أزهار التوحيد وأنوارُ التجريد. هـ. ثم شققنا أرض البشرية بأنواع العبادات والعبودية، شقًّا، فأنبتنا فيها: في قلبها حَبَّ المحبة، وكَرْمَ الخمرة الأزلية، وقَضْب الزهد في زهرة الدنيا وشهواتها، وزيتوناً يشتعل بزيتها مصابيح العلوم، ونخلاً يجنى منها ثمار حلاوة المعاملة، وحدائق، أي: بساتين المعارف متكاثفة التجليات، وأبًّا، أي: مرعى لأرواحكم، بالفكرة والنظرة في أنوار التجليات الجلالية والجمالية، فيأخذ النصيب من كل شيء، ويعرف الله في كل شيء، كما قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه:
الخلقُ نَوَّارٌ، وَأَنا رَعَيْتُ فيهم
هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
متاعاً لكم، أي: لقلوبكم وأرواحكم، بتقوية العرفان في مقام الإحسان، ولأنعامكم أي: نفوسكم بتقوية اليقين في مقام الإيمان. والله تعالى أعلم.

يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا جاءت الصَّاخةُ} أي: صيحة القيامة، وهي في الأصل: الداهية العظيمة، وسُميت بذلك لأنَّ الخلائق يَصخون لها، اي: يُصيخون لها، مِن: صَخَّ لحديثه: إذا أصاخ له واستمع، وُصفت بها النفخة الثانية لأنَّ الناس يصخون لها، وقيل: هي الصيحة التي تصخ الآذان، أي: تصمها، لشدة وقعها. وجواب (إذا) : محذوف أي: كان من أمر الله ما لا يدخل تحت نطاق العبارة، يدل عليه قوله: {يومَ يفرُّ المرءُ مِنْ أخيه} ، فالظرف متعلق بذلك الجواب، وقيل: منصوب بأعني، وقيل: بدل من " إذا " أي: يهرب من أخيه لاشتغاله بنفسه، فلا يلتفت إليه ولا يسأل عنه، {و} يفرُّ أيضاً من {أُمهِ وأبيهِ} مع شدة محبتهم فيه في الدنيا، {وصاحبتهِ} أي: زوجته {وبنيهِ} ، بدأ بالأخ ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أحبُّ، فالآية من باب الترقي. وقيل: أول مَن يفرُّ من أخيه: هابيل، ومن أبويه: إبراهيم، ومن صاحبته: نوح ولوط، ومن ابنه: نوح. {لكل امرىءٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغْنيه} أي: لكل واحد من المذكورين شغل شاغل، وخطب هائل، يكفيه في الاهتمام به، ويشغله عن غيره.
ثم بيَّن أحوال المذكورين وانقسامهم إلى السعداء والأشقياء، بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء، فقال: {وجوه يومئذٍ مُسْفِرةٌ} أي: مضيئة متهللة، من: أسفر الصبح: إذا
أضاء، قيل: ذلك مِن قيام الليل، وقيل: مِن إشراق أنوار الإيمان في قلوبهم، {ضاحكةٌ مستبشرةٌ} بما تُشاهد من النعيم المقيم والبهجة الدائمة. {ووجوه يومئذٍ عليها غبرةٌ} أي: غبار وكدور، {تَرهقها} أي: تعلوها وتغشاها {قَتَرَةٌ} أي: سواد وظُلمة {أولئك هم الكفرةُ} ، الإشارة إلى أصحاب تلك الوجوه. وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتهم في السوء، أي: أولئك الموصوفون بسواد الوجوه وغبرتها هم الكفرة {الفجرةُ} أي: الجامعون بين الكفر والفجور، ولذلك جمع الله لهم بين السواد والغبرة. نسأل الله السلامة والعافية.

الإشارة: فإذا جاءت الصاخة، أي: النفحة الإلهية التي تجذب القلوب إلى الحضرة القدسية، فتأنّست القلوب بالله، وفرتْ مما سواه فترى الرجل حين تهب عليه هذه النفحة، بواسطة أو بغير واسطة، يفر من الخلق، الأقارب والأجانب، أُنساً بالله وشُغلاً بذكره، لا يزال هكذا حتى يصل إلى مولاه، ويتمكن من شهوده أيَّ تمكُّن، فحينئذ يخالط الناسَ بجسمه، ويفارقهم بقلبه، كما قالت رابعة العدوية رضي الله عنها:
إِنَّي جَعلتُكَ في الفُؤَادِ مُحَدّثي
وأَبَحْتُ جسمي مَنْ أراد جُلوسي
فَالْجِسْمُ مني لِلْجَلِيس مُؤَانِس
وحبيبُ قَلْبي في الفُؤادِ أنِيسي
قال القشيري: قالوا: الاستقامة أن تشهد الوقت قيامة، فَما مِن وَلِيًّ وعارفٍ إلاّ وهو اليومَ يَفرُّ بقلبه من الجميع؛ لأنّ لكل شأناً يُغنيه، فالعارفُ مع الخَلْق لا بقلبه، ثم ذكر شعر رابعةُ. وقال الورتجبي: أكّد الله أمر نصيحته لعباده ألاّ يعتمدوا إلى مَن سواه في الدنيا والآخرة، وأنَّ ما سواه لا ينقذه مِن قبض الله حتى يفرّ مما دون الله إلى الله. هـ. وقال في قوله تعالى: {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يُغنيه} : لكل واحدٍ منهم شأن يشغله، وللعارف شأن مع الله في مشاهدته، يُغنيه عما سِوَى الله. هـ.

قوله تعالى: {وجوه يومئذٍ مُسْفِرة ضاحكة مستبشِرة} كل مَن أَسفر عن ليل وجوده ضياءُ نهار معرفته، فوجهه يوم القيامة مُسْفِر بنور الحبيب، ضاحك لشهوده، مستبشر بدوام إقباله ورضوانه. وقال أبو طاهر: كشف عنها سُتور الغفلة، فضحكت بالدنو من الحق، واستبشرت بمشاهدته. وقال ابن عطاء: أسفر تلك الوجوه نظرُها إلى مولاها، وأضحكها رضاه عنها. هـ. قال القشيري: ضاحكة مستبشرة بأسبابٍ مختلفة، فمنهم مَن استبشر بوصوله إلى حبيبه، ومنهم بوصوله إلى الحور، ومنهم، ومنهم، وبعضهم لأنه نظر إلى ربِّه فرأه، ووجوه عليها غبرة الفراقُ، يرهقها ذُلُّ الحجاب والبعاد. هـ.
قال الورتجبي: {وجوه يومئذ مُسْفِرة} ، وجوه العارفين مُسْفرة بطلوع إسفار صبح تجلِّي جمال الحق فيها، ضاحِكة مِن الفرح بوصولها إلى مشاهدة حبيبها، مستبشرة بخطابه
ووجدان رضاه، والعلم ببقائها مع بقاء الله. ثم وصف وجوه الأعداء والمدّعين فقال: {ووجوه يومئذٍ عليه غبرةُ} الفراقِ يوم التلاق، وعليها قَتر ذل الحجاب، وظلمة العذاب ـ نعوذ بالله من العتاب ـ قال السري: ظاهر عليها حزن البعاد؛ لأنها صارت محجوبة، عن الباب مطرودة، وقال سَهْلٌ: غلب عليها إعراض الله عنها، ومقته إياها، فهي تزداد في كل يوم ظلمة وقترة.
هـ.

اللهم أسفر وجوهنا بنور ذاتك، وأضحكنا وبَشِّرنا بين أوليائك في الدنيا والآخرة، إِنك على كل شيءٍ قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد سبتمبر 13, 2015 4:42 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد


سورة التكوير

الأية من 1إلى 14
بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ

وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ

وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ

وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ

وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ

وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ

بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ

وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ

وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ

وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ

عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ




قول الحق جلّ جلاله: {إِذا الشمسُ كُوِّرتْ} أي: ذُهب بضوئها، من كوَّرت العمامة: إذا لففتها، أي: يُلفّ ضوؤها لفًّا، فيذهب انبساطه وانتشاره، أو: ألقيت عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، من: طعنَة فكوّره: إذا ألقاه على الأرض. وعن أبي صالح: كُوِّرت: نُكّست، وعن ابن عباس رضي الله عنه: تكويرها: إدخالها في العرش. {وإِذا النجومُ انكَدرَتْ} أي: انقضّت وتساقطت، فلا يبقى يومئذٍ نجمٌ إلاّ سقط على الأرض. قال ابن عباس رضي الله عنه: النجوم قناديل معلّقة بسلاسل من نور بين السماء والأرض، بأيدي ملائكة من نور، فإذا مات مَن في السموات ومَن في الأرض قطعت من أيديهم، وقيل: انكدارها: انطماس نورها، ويُروى: أن الشمس والنجوم تُطرح في جهنم، ليراها مَن عبدها، كما قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98] .
{وإِذا الجبال سُيِّرتْ} عن أماكنها بالرجعة الحاصلة، فتسير عن وجه الأرض حتى تبقى قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً. {وإِذا العِشَار} جمع: عُشَرَاء، وهي الناقة التي مرّ على حملها عشرة أشهر، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام سنة، وهي أنْفس ما يكون عند أهلها، وأعزّها عليهم، {عُطِّلَتْ} ؛ تُركت مهملة؛ لاشتغال أهلها بأنفسهم، وكانوا يحبسونها إذا بلغت هذا الحال، فتركوها أحبّ ما تكون إليهم، لشدة الهول، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة، تُبعث كذلك فيغيبون عنها لشدة الهول، ويحتمل: إن يكون كناية عن
شدة الأمر. {وإِذا الوحوشُ حُشِرت} أي: جُمعت من كل جانب، وقيل: بُعثت للقصاص، قال قتادة: يُحشر كلُّ شيءٍ حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينها رُدّت تراباً، فلا يبقى منها إلاّ ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. {وإِذا البحار سُجّرتْ} أي: أُحميت، أو مُلئت وفُجر بعضها إلى بعض، حتى تصير بحراً واحداً، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الأنفطار: 3] ، من سَجر التنّور: إذا ملأه بالحطب، وقيل: يُقذف بالكواكب فيها، ثم تُضرم فتصير نيراناً، فمعنى " سُجِّرتْ " حينئذ: قُذف بها في النار، وقد ورد أنّ في النار بحاراً من نار.
{

وإِذا النفوس زُوِّجتْ} أي: قُرنت بأجسادها، أو: قرنت بشكلها، الصالح مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار، أو: بكتابها، أو بعملها، أو: نفوس المؤمنين بالحُور، ونفوس الكافرين بالشياطين. {وإِذا الموؤدةُ} أي: المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق، أو لخوف العار بهم من أجلهن، وقيل: كان الرجل إذا وُلد له بنت ألبسها جبة من صوف أو شعر، حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء، وقد حفر لها حفرة، فيلقيها فيها، ويهيل عليها التراب. وقيل: كانت الحامل إذا اقترتب، حفرت حفرة، فتمتخض عليها، فإذا ولدت بنتاً رمت بها، وإذا ولدت ابناً ضَمّته، فإذا كان يوم القيامة {سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ} ، وتوجيه السؤال لها لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته. وفيه دليل على أنَّ أطفال المشركين لا يُعذّبون، وأنَّ التعذيب لا يكون بغير ذنب.
{وإِذا الصُحفُ نُشِرَتْ} أي: صُحف الأعمال، فإنها تُطوى عند الموت وتُنشر عند الحساب، قال صلى الله عليه وسلم: " يُحشرُ الناس يوم القيامةِ حُفَاةً عراة " فقالت أمُ سلمة: فكيف بالنساء؟ ! فقال: " شُغِل الناسُ يا أم سلمة " فقالت: وما شغلهم؟ فقال: " نَشْرُ الصُّحُفِ، فيها مثاقيلُ الذرِّ، ومثاقيلِ الخَرْدل " وقيل: نُشرت: فُرقت على أصحابها، وعن مرثد بن وَداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصُحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافرين في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهذه صحف غير الأعمال.
{وإِذا السماءُ كُشِطَتْ} ، قُطعت وأزيلت، كما يُكشط الجلد عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور، {وإِذا الجحيمُ سُعِّرتْ} أي: أوقدت إيقاداً شديداً، غضباً على العصاة، {وإِذا الجنة أُزْلِفَتْ} أي: قُربت من المتقين، كقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [قَ: 31] .
عن ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه ثِنتا عشرة خصلة، ستٌّ في الدنيا، فيما بين
لنفختين، وهن من أول السورة إلى قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجرتْ} على أنَّ المراد بحشر الوحوش: جمعها من كل ناحية، لا حشرها للقصاص، وستٌّ في الآخرة، أي: بعد النفخة الثانية. والمشهور من أخبار البعث: أنَّ تلك الخصال كلها بعد البعث، فإنَّ الشمس تدنو من الناس في الحشر، فإذا فرغ من الحساب كُوِّرت، والنجوم إنما تسقط بعد انشقاق السماء وطيها، وأمّا الجبال ففيها اختلاف حسبما تقدّم، وأمّا العِشار فلا يتصور إهمالها إلاَّ بعد بعث أهلها.
وقوله تعالى: {علمتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ} : جواب " إذا "، على أنَّ المراد زمان واحد ممتد، يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال، مبدؤه، النفخة الأولى، ومنتهاه: فصل القضاء بين الخلائق، أي: تيقنت كلُّ نفس ما أحضرت من أعمال الخير والشر، والمراد بحضورها: إمّا حضور صحائفها، كما يُعرب عنه نشرُها، وإمّا حضور أنفسها، على أنها تُشكّل بصورة مناسبة لها في الحُسن والقُبح، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49، العنكبوت: 54] ، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ... } [النساء: 10] ، الآية، وقوله عليه السلام في حق مَن يشرب في آنية الذهب: " إنما يُجَرْجرُ في بطنه نار جهنم " ولا بُعد في ذلك، ألا ترى أنَّ العِلم يظهر في عالم الخيال على صورة اللبن، كما لا يخفى على مَن له خبرة بأحوال الحضرات الخمس، وقد رُوي عن عباس رضي الله عنه أنه قال: " يُؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان "، وأيًّا ما كان فإسناد إحضارها إلى النفس مع أنها تحضر بأمر الله عزّ وجل، كما نطق به قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً..} [آل عمران: 30] الآية؛ لأنها لمّا عملتها في الدنيا فكأنها أحضرتها في الموقف، ومعنى علمها بها حنيئذ: أنها تُشاهد جزاءها، خيراً كان أو شرًّا.
الإشارة: اعلم أنَّ النفس والروح والسر أسماء لمسمَّى واحد، وهو اللطيفة اللاهوتية السارية في الأبدان، فما دامت تميل إلى المخالفة والهوى سُميت نفساً، فإذا تطهرت بالتقوى الكاملة سُميت روحاً فإذا تزكّت وأشرقت عليها أسرار الذات سُميت سرًّا، فالإشارة في قوله: {إذا الشمس كُورت} إلى تكوير النفس وطيها، حين انتقلت إلى مرتبة الروح، وإذا النجوم: نجوم علم الرسوم، انكدرت حين أشرقت عليها شمس العرفان، فلم يبقَ منها للعارف إلاّ ما يحتاج إليه من إقامة رسم العبودية، يعني يقع الاستغناء عنها، فإذا تنزل إليها حققها أكثر من غيره، إذا الجبال؛ جبال العقل، سُيرت؛ لأنّ نوره ضعيف كنور القمر مع طلوع الشمس، وإذا العِشارُ عُطلتْ، أي: النفوس الحاملة أثقال الأعمال والأحوال، وأعباء التدبير والاختيار، فيقع الغيبة عنها بأثقالها، وإذا الوحوش، أي:
الخواطر الردية حُشرتْ وغرقتْ في بحر الأحدية، وإذا البحارُ بحار الأحدية سُجرتْ، أي: فُجرت وانطبقت على الوجود، فصارت بحراً واحداً متصلاً أوله بآخره، وظاهره بباطنه، وإذا النفوس، أي: الأرواح، زُوجتْ بعرائس المعرفة في البقاء بعد الفناء، على سُرر التقريب والاجتباء. وقال سهل: تآلفت نفس الطبع مع نفس الروح، ففرحت في نعيم الجنة، كما كانتا متآلفتين في الدنيا على إدامة الذكر. هـ.
وإذا الموؤودة سُئِلَتْ بأيّ ذنبٍ قُتلتْ، أي: فكرة القلوب التي عطلت وأُميتت بحب الدنيا والفناء فيها، حتى انصرفت إلى التفكُّر في خوضها، وتدبير شؤونها، فتُسأل بأي ذنب قُتلت، حتى تعطّلت فكرتها في أسرار التوحيد؟ وقال القشيري: هي الأعمال المشوبة بالرياء، المخلوطة بالسمعة والهوى. هـ. وإذا الصُحف؛ الواردات الإلهية نُشرتْ على القلوب القدسية، فظهرت أنوارُها على الألسنة بالعلوم اللدنية، وعلى الجوارح بالأخلاق السنية، وإذا السماءُ كُشطتْ، إي سماء الحس تكشطت عن أسرار المعاني، وإذا الجحيم، نار القطيعة، سُعّرتْ لأهل الفرق، وإذا الجنة جنة المعارف، أُزلفت لأهل الجمع والوصال، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ من المجاهدة عند كشف أنوار المشاهدة. وبالله التوفيق

_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة سبتمبر 18, 2015 4:36 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
سورة الانفطار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)


يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا السماءُ انفطرتْ} أي: انشقت لنزول الملائكة، كقوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً} [النبأ: 19] ، {وإِذا الكواكبُ انتثرتْ} أي: تساقطت متفرقة، {وإِذا البحار فُجِّرتْ} ؛ فُتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالأُجاج، وزال ما بينها من البرزخ والحاجز، وصارت البحار بحراً واحداً. رُوي: أنَّ الأرض تنشق، فتغور تلك البحار، وتسقط في جهنم، فتصير نيراناً، وهو معنى التسجير المتقدم عند الحسن. {وإِذا القبورُ بُعْثرِتْ} أي: قُلب ترابها، وأُخرج موتاها، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته: إذا جعلت أسفله أعلاه، وجواب " إذا ": {عَلِمَتْ نفسٌ مَّا قدَّمتْ وأخَّرَتْ} أي: إذا كانت هذه الأشياء قرأ كلُّ إنسان كتابه، وجُوزي بعمله، لأنَّ المراد بها زمان واحد، مبدأه: النفخة الأولى، ومنتهاه: الفصل بين الخلائق ونشر الصُحف، لا أزمنة متعددة حسب تعددها، وإنما كررت لتهويل ما في حيّزها من الدواهي، ومعنى " ما قَدَّم وأخَّر ": ما سلف مِن عملٍ؛ خير أو شر، مَن سَنّ سُنة حَسَنةٌ أو سيئة يُعمل بها بعده، قاله ابن عباس وابن مسعود. وعن ابن عباس أيضاً: ما قدّم من معصية وأخّر من طاعة، وقيل: ما قدَّم من أمواله لنفسه، وما أخَّر لورثته، وقيل: ما قدَّم من فرض، وأخّر منه عن وقته، وقيل: ما قدمتْ من الأسقاط والأفراط، وأخّرت من الأولاد. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا سماء المعاني انفطرت، أي: تشققت وظهرت من أصداف الأواني، وإذا نجوم على الرسوم انتثرت عند طلوع شمس العيان، وإذا بحار الأحدية فُجِّرتْ وانطبقت على الكائنات فأفنتها، وإذا القلوب الميتة بُعثت وحييت بالمعرفة، عَلِمَتْ نفسٌ مَّا
قدّمت من المجاهدة، وما أخَّرت منها؛ إذ بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة، وبقدر الشكر يكون الصحو، وبقدر الشُرب يكون الرّي، فعند النهاية يظهر قدر البداية، البدايات مجلاة النهايات " فمَن أشرقت بدايته، أشرقت نهايته ". وبالله التوفيق
.

يقول الحق جلّ جلاله:{يا أيها الإِنسانُ مَا غرّكَ بِرَبِّكَ الكريم}؛ أيّ شيءٍ خدعك وجرّأك على عصيانه، وقد علمتَ ما بين يديك من الدواهي التامة، والعواطب الطَامّة، وما سيكون حينئذ من مشاهدة ما قَدَّمتَ من أعمالِك، وما أخّرت؟ والتعرُّض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه مما لا يصلح أن يكون مداراً للاغترار، حسبما يغويه الشيطان، ويقول: افعل ما شئتَ فإنَّ ربك كريم، قد تفضّل عليك في الدنيا، وسيفعل مثله في الآخرة، فإنه قياس عقيم، وتمنية باطلة، بل هو مما يُوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، والاجتناب عن الكفر والعصيان، كأنه قيل: ما حملك على عصيان ربك، الموصوف بالصفات الزاجرة عنه، الداعية إلى خلافه.
رُوي أنه صلى الله عليه وسلم لمّا قرأها قال: " غرَّه جهلُه " وعن عمر رضي الله عنه: غرّه حُمقه، وقال قتادة: غرّه عدوه المسلّط عليه ـ يعني الشيطان ـ وقيل للفضيل: لو أقامك اللهُ تعالى يوم القيامة بين يديه فقال لك: {مَا غرَّك بِرَبِّكَ الكريم} ماذا كنتَ تقول؟ قال: أقول: ستُورك المرخاة، لأنَّ الكريم هو الستّار وأنشدوا:
يا كاتِمَ الذنْب أّمَا تَسْتَحِي
واللهُ في الخلوة رَائِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّك إمْهَالُه
وسترُه طولَ مسَاوِيكا
وقال مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجل عليه العقوبة، وقال السدي: غرّه رفق الله به، وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه، فقال لي: ما غرك بي؟ لقلتُ: غرّني بك بِرّك سالفاً وآنفاً، وقال آخر: أقول: غرّني حلمك، وقال أبو بكر الورّاق: لو قال لي: ما غرَّك بي؟ لقلتُ: غرّني بك كرم الكريم. وهذا السر في التعبير بالكريم، دون سائر الصفات، كأنه لقَّنه الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، وهكذا قال أبو الفضل العابد:
غرّني تقييد تهديدك بالكريم، وقال منصور بن عمّار: لو قيل لي: ما غرّك؟ قلت: ما غرّني إلا ما علمتُه من فضلك على عبادك، وصفحك عنهم. هـ.

{
الذي خَلَقك فَسَوَّاكَ} أي: جعلك مستوي الخلْقِ، سالم الأعضاء مُعَدّة لمنافعها، {فعدلك} ؛ فصيّرك معتدلاً متناسب الخَلق، غير متفاوت فيه، ولم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا أحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه أسود، أو: جعلك معتدلاً تمشي قائماً، لا كالبهائم. وقراءة التخفيف كالتشديد، وقيل: معنى التخفيف: صَرَفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال، فيكون من العدول. {في أيّ صورةٍ ما شاء رَكَّبَك} أي: رَكَّبك في أيّ صورة شاءها من الصور المختلفة، و " ما ": مزيدة، و (شاء) : صفة لصورة، أي: ركَّبك في أيّ صورة شاءها واختارها من الصور العجيبة الحسنة، كقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيا أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها؛ لأنها بيان لـ " عدلك ". {كلاَّ} ، ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر المعاصي، مع كونه موجباً للشكر والطاعة. والإضرابَ في قوله تعالى: {بل تُكذِّبون بالدين} عن جملة مقدّرة ينساق إليها الكلام، كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض: وأنتم لا ترتدعون عن ذلك، بل تجترئون على أقبح من ذلك، وهو تكذيبكم بالجزاء والبعث، أو بدين الإسلام، الذي هو من جملة أحكامه، فلا تُصدقون به، {وإِنَّ عليكم لَحافِظين} : حال مفيدة لبطلان تكذيبهم، وتحقيق ما يُكذِّبون به، أي: تُكذِّبون بالجزاء، والحال أنَّ عليكم مِن قِبلنا لحافظين لأعمالكم، {كِراماً} عندنا {كاتبين} لها، {يعلمون ما تفعلون} من الخير والشر، قليلاً أو كثيراً، ويضبطونه نقيراً أو قطميراً. وفي تعظيم " الكاتبين "، بالثناء عليهم؛ تفخيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، حيث يستعمل فيها هؤلاء الكِرام.
الإشارة: يا أيها الأنسان، ما غرَّك بالله حتى لم تنهض إلى حضرة قدسه؟ ! غرّه جهله ومتابعة هواه، أو قناعته من ربه، والقناعة من الله حرمان، أو غلطه، ظن أنه كامل وهو ناقص من كل وجهٍ، أو ظنّ أنه واصل، وهو ما رحل عن نفسه قدماً واحداً، ظنّ أنه في أعلى عليين باق في أسفل سافلين، وهذا الغلط هو الذي غَرّ كثيراً من الصالحين، تراموا على مراتب الرجال، وهم في مقام الأطفال، سبب ذلك عدم صُحبتهم للعارفين، ولو صَحِبوا الرجالَ لرأوا أنفسهم في أول قدم مِن الإرادة، وهذا هو الجهل المركّب، جَهلوا، وجهلوا أنهم جاهلون. ثم شوّقه إلى السير إليه بالنظر إلى صورة بشريته، فإنه عدلها في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه روحاً قدسية سماوية من روحه القديم، ثم لمّا زجر عن الاغترار لم ينزجروا، بل تمادوا على الغرور، وفعلوا فعل المكذِّب بالبعث والحساب؛ مع أنّ عليهم من الله حفظة كِراماً، يعلمون ما يفعلون، فلم يُراقبوا الله جلّ جلاله، المُطَّلع على سرهم وعلانيتهم، ولم يحتشموا من ملائكته المُطَّلعين على
أفعالهم. والله تعالى أعلم.
يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ الأبرارَ} أي: المؤمنين {لَفِي نعيم} عظيم، وهو نعيم الجنان {وإِنَّ الفُجَّار} أي: الكفار {لَفِي جحيم} كذلك، وفي تنكيرهما من التفخيم والتهويل ما لا يخفى، {يَصْلَونها يومَ الدِّين} يُقاسون حرها يوم الجزاء، وهو استئناف بياني منبىء عن سؤال نشأ عن تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها؟ فقال: يحترقون فيها يوم الدين، الذي كانوا يُكذِّبون به، {وما هم عنها بغائبين} طرفة عين بعد دخولها، وقيل: معناه: وما كانوا عنها غائبين قبل ذلك، بل كانوا يجدون سمومها في قبورهم، حسبما قال صلى الله عليه وسلم: " القَبْر رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّة، أو حُفْرة مِنْ حُفَرِ النَّار ". {وما أدراك ما يومُ الدين ثم ما أدراك ما يومُ الدين} ، هو تهويل وتفخيم لشأن يوم الدين الذي يُكذِّبون به، ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق؛ فعلى أيّ صورة تصوروه، فهو فوقها، وكيفما تخيلوه فهو أهم من ذلك وأعظم، أي: أيُّ شيء جعلك دارياً ما هو يوم الدين؟ على أنَّ " ما " الاستفهامية خبر " يوم "، كما هو رأي سيبويه، لما مَرّ من أنّ مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ، ولا ريب أنّ مناط إفادة التهويل والفخامة هنا هو: ما يوم الدين أيّ شيء عجيب هو في الهول والفضاعة؟ انظر أبا السعود. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل ما في القرآن من قوله تعالى: {وما أدراك} فقد دراه، وكل ما فيه من قوله: {وما يدريك} فقد طوي عنه. هـ. وينتقض بقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىا} [عبس: 3] .
ثم بيَّن شأن ذلك اليوم إجمالاً، فقال: {يومَ لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً} أي: لا تستطيع دفعاً عنها، ولا نفعاً لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة به بالإذن، و (يوم) : مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من (يوم الدين) ، ومَن نصب؛ فبإضمار " اذكر "، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وشويقه صلى الله عليه وسلم إلى معرفته: اذكر يوم لا تملك نفس إلى آخره، فإنه يُدريك ماهو، {والأمرُ يومئذ لله} لا لغيره، فهو القاضي فيه وحده دون غيره، ولا شك أنَّ الأمر لله في الدارين، لكن لمّا كان في الدنيا خفياً، لا يعرفه إلاَّ العلماء بالله، وأمّا في الآخرة فيظهر المُلك لله لكل أحدٍ، خصّه به هناك. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال القشيري: إنَّ الأبرار لفي نعيم الشهود والحضور، وإنَّ الفجار لفي جحيم الحجاب والغيبة، يَصْلونها يومَ الدين، يحترقون بنار الحجاب، ونيران الاحتجاب يوم الجزاء والثواب، وما أدراك ما يومُ الدين، ثم ما أدراك ما يومُ الدين، يُشير إلى التعجُّب من كُنه أمره، وشأن شأنه، يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً، لفناء الكل، ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً. هـ. {والأمر يومئذ لله} ، قال الواسطي: الأمر اليوم ويومئذ ولم يزل ولا يزال لله، لكن الغيب بحقيقته لا يُشاهده إلاّ الأكابر من الأولياء، وهذا خطاب للعموم، إذا شاهدوا الغيب تيقّنوا أنَّ الأمر كله لله. فأما أهل المعرفة فمُشَاهَد لهم الأمر كمشاهدتهم يومئذٍ، لا تزيدهم مشاهدة الغيب عياناً على مشاهدته لهم تصديقاً، كعامر بن عبد القيس، حين يقول: لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً. هـ. وقاله أيضاً عليّ رضي الله عنه. وقال القشيري: الأمر يومئذ لله وقبله وبعده، ولكن تنقطع الدعاوى ذلك اليوم، ويتضح الأمر، وتصير المعارف ضرورية. هـ. وقال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه في رسائله الكبرى، بعد كلام: وليت شعري، أيُّ وقت كان المُلك لسواه حتى يقع التقييد بقوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ} [الحَجّ: 56] وقوله: {والأمر يومئذ لله} لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. هـ. وقال الورتجبي: دعا بهذه الآية العبادَ إلى الإقبال عليه بالكلية بنعت ترك ما سواه، فإنَّ المُلك كله لله في الدنيا والآخرة، يُضل مَن يشاء، ويهدي مَن يشاء. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.


_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين سبتمبر 28, 2015 4:28 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

سورة المطففين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)

يقول الحق جلّ جلاله: {ويل للمطفيين} ، الويل: شديد الشر، أو: العذاب الأليم، أو: واد في جهنم يهوي الكافر فيه أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، وقيل: كلمة توبيخ وعذاب، وهو مبتدأ، سوّغ الابتداء به معنى الدعاء. والتطفيف: البخس في الكيل والوزن، وأصله: من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير،
= =رُوي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة فوجدهم يُسيئون الكيل جدًّا، فنزلت، فأحْسَنوا الكيلَ، وقيل: قدمها وبها رجل يُعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، وقيل: كان أهل المدينة تُجاراً، يطففون، وكانت بياعتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم: " خَمْسٌ بخمس، ما نَقَض قومٌ العهد إلاّ سلَّط الله عليهم عدوّهم، ولا حَكَموا بغير ما أنزل الله إلاَّ فَشَى فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشى فيهم الموت، ولا طَفّفوا الكيل إلاَّ مُنِعُوا النبات، وأُخذوا بالسنين، ولا
مَنَعُوا الزكاة إلاَّ حبس اللهُ عنهم المطر ". ثم فسّر التطفيف الذي استحقوا عليه الذم والدعاء عليهم بالويل، فقال: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفُون} أي: إذا أخذوا بالكيل من الناس بالشراء ونحوه يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولمّا كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرّهم، ويتحامل فيه عليهم


أبدل " على " مكان " مِنْ " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلّق " على " بـ " يستوفون "، وتقدّم المفعول على الفعل لإفادة الاختصاص، أي: يستوفون على الناس خاصة، وقال الفراء: " مِنْ " و " على " يتعاقبان في هذا الموضع؛ لأنه حقّ عليه، فإذا قال: اكتلت عليه، فكأنه قال: أخذت ما عليه، وإذا قال: اكتلت منه، فكأنه قال: استوفيت منه. هـ.
{
وإِذا كالوهم أو وزنوهم} أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم في البيع ونحوه، فحذف الجار وأوصل الفعل، {يُخْسِرون} ؛ ينقصون، يقال: خَسر الميزان وأخسره: إذا نقصه. وجعلُ البارز تأكيداً للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل، ولعل ذكر الكيل والوزن في صور الإخسار، والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء لِما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكُّنهم منه عند الكيل؛ لأنهم في الكيل يزعزعون ويحتالون في الملء بخلاف الوزن، ويحتمل أنّ المطففين كانوا لا يأخذون ما يُكال ويوزن إلاّ بالمكاييل لتمكّنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرف، كما تقدّم، وهذا بعيد، وإذا أعطوا كالُوا ووزنوا، لتمكّنهم من البخس في النوعين.
{ألاَ يظنُ أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} وهو يوم القيامة، وهو استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف والتعجُّب من اجترائهم عليه. وأدخل همزة الاستفهام على (ألاَ) توبيخاً، وليست " ألا " هذه للتنبيه، و " أولئك " إشارة إلى المطففين، ووضعه موضع ضميرهم؛ للإشعار بمناط الحُكم الذي هو وصفهم، فإنَّ الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث اتصافه بوصفه، وأمّا الضمير فلا يتعرّض لوصفه، وللإيذان بأنهم مُمازون بذلك الوصف القبيح أكمل امتياز، وما فيه من معنى البُعد للإشارة إلى بُعد درجتهم في الشرارة والفساد، أي: ألاَ يظنُّ أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع أنهم مبعوثون ليوم عظيم ولا يقادَر قدره، ويُحاسبون فيه على قدر الذرّة والخردلة، فإنَّ مَن يظن ذلك وإن كان ظنًّا ضعيفاً لا يكاد يتجاسر على تلك القبائح، فكيف بمَن يتيقنه؟ وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابياً قال له: قد سمعتَ ما قال الله في المطفّفين ـ أراد بذلك أنَّ المُطَفف قد توجّه عليه الوعيد العظيم الذي سمعتَ به ـ فما ظنّك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟ !. {يومَ يقومُ الناسُ} ، منصوب بـ " مبعوثون "، أي: يُبعثون يومَ يقوم الناس {لرب
العالمين} أي: لحكمِه وقضائه، أو لجزائه بعقابه وثوابه،
== وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قرأ هذه السورة، فلمّا بلغ هنا بكى نحيباً، وامتنع من قراءة ما بعده--.
{
كلاَّ} ردع وتنبيه، أي: ارتدعوا عما كنتم عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب، وتنبّهوا أنه مما يجب أن يُنتهى به ويُتاب منه، ثم علل الردع المذكور، فقال: {إِنَّ كتابَ الفُجَّار} أي: صحائف أعمالهم {لفي سِجّينٍ} ، جمهور المفسرين أنَّ " سِجين " موضع تحت الأرض السابعة، كما أنَّ " علِّيين " موضع فوق السماء السابعة، وفي القاموس: عليون جمع " عِلِّيّ " في السماء السابعة، تصعد إليه أرواح المؤمنين، و " سجّين " موضع في كتاب الفجار، ووادٍ في جهنم، أو حجر في الأرض السابعة. هـ.
--- وفي حديث أنس صلى الله عليه وسلم قال: " سجين أسفل سبع أرضين " وقال أبو هريرة: قال صلى الله عليه وسلم: " الفلق: جُب في جهنم مغطى، وسِجين: جُب في جهنم مفتوح--- "
والمعنى: إنّ تاب أعمال الفجار مثبت في سجين. هو علم منقول من الوصف " فعيل " من السجن؛ لأنَّ أرواح الكفرة تسجن فيه، وهو منصرف لوجود سبب واحدٍ فيه، وهو العلميّة، لأنه علم لموضع.
ثم عَظَّم أمره فقال: {وما أدراك ما} هو {سِجّينٌ} أي: هو بحيث لا يبلغه دراية أحد، وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} ، قال الطيبي: هو على حذف مضاف، أي: موضع كتاب مرقوم. هـ. أو: فيه كتاب مرقوم، وهو بدل من " سِجّين " أو: خبر عن مضمر، بحذف ذلك المضاف، وأمّا مَن جعله تفسيراً لسجّين، بأن جعل سجيناً هو نفس الكتاب المرقوم؛ فلا يصح؛ إذ يصير المعنى حينئذ: إنَّ كتاب الفجار لفي كتاب، ولا معنى له. {ويل يومئذٍ للمكَذّبين} هو متصل بقوله: {يوم يقوم الناسُ لرب العالمين} وقيل: ويل يوم يخرج ذلك المكتوب للمكذّبين {الذين يُكَذِّبون بيوم الدين} ؛ الجزاء والحساب، {وما يُكَذِّب به} ؛ بذلك اليوم {إِلاَّ كُل معتدٍ} ؛ مجاوِز للحدود التي حدّتها الشريعة، أو مجاوِز عن حدود النظر والاعتبار حتى استقصر قدرة الله على إعادته، {أثيمٍ} ؛ مكتسب للإثم منهمك في الشهوات الفانية حتى شغلته عما وراءها من اللذة الباقية، وحملته على إنكارها، {إِذا تُتلى عليه آياتُنا} التنزيلية الناطقة بذلك {قال} : هي {أساطيرُ الأولين} أي: أحاديث المتقدمين وحكايات الأولين، والقائل: قيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: النظر بن الحارث، وقيل: عام لمَن اتصف بالأوصاف المذكورة.
{كلاَّ} ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له، {بَلْ رانَ عَلَى قُلُوبِهِم ما كانوا يكسِبون} ، هو بيان لما أدّى بهم إلى التفوُّه بهذه العظيمة، أي: ليس في آياتنا ما يصحح أن يُقال فيها هذه المقالات الباطلة، بل رانت قلوبهم وغشّاها ما كانوا
يكسبون من الكفر والجرائم حتى صارت عليهم كالصدأ للمرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق،
== كما قال صلى الله عليه وسلم: " إن العبد كلما أذنب ذنباً حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسوّد قلبه.. "---
الحديث، أي: ولذلك قالوا ما قالوا. والرين: الصدأ، يقال: ران عليه الذنب وغان ريناً وغيناً.
{كلاَّ} ردع وزجر عن الكسب الرائن {إِنهم عَن رَّبِّهِمْ يومئذٍ لمحجوبون} لَمَّا رانت قلوبهم في الدنيا حُجبوا عن الرؤية في الآخرة، بخلاف المؤمنين، لَمّا صفت مرآة قلوبهم حتى عرفوا الحق كشف لهم يوم القيامة عن وجهه الكريم.
= قال مالك: لَمّا حجب الله أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه. هـ. وقال الشافعي: في هذه الآية دلالة على أنَّ أولياء الله يرونه. هـ. وقال الزجاج: في هذه الآية دليل أن الله يُرى يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولمَا خصّصت منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله==
. {ثم إِنهم لصالُو الجحيم} أي: داخلو النار، و " ثم " لتراخي الرتبة، فإنّ صَلي الجحيم أشد من الإهانة، والحرمان من الرؤية والكرامة. {ثم يُقال} لهم: {هذا الذي كنتم به تُكَذِّبون} في الدنيا فذُوقوا وباله. وبالله التوفيق.
==الإشارة: التطفيف يكون في الأعمال والأحوال، كما يكون في الأموال، فالتطفيف في الأعمال عدم إتقانها شرعاً، ولذلك قال ابن مسعود وسلمان رضي الله عنهما: الصلاة مكيال، فمَن وَفَّى وُفِّي له، ومَن طفَّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين. هـ.
فكل مَن لم يُتقن عملَه فعلاً وحضوراً فهو مطفف فيه. والتطفيف في الأحوال: عدم تصفية القصد فيها، أو بإخراجها عن منهاج الشريعة==
، قال تعالى: {ويل للمطفيين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ... } الخ، قال القشيري: يُشير إلى المقصّرين في الطاعة والعبادة، الطالبين كمال الرأفة والرحمة، الذين يستوفون من الله مكيال أرزاقهم بالتمام، ويكيلون له مكيال الطاعة بالنقص والخسران، ذلك خسران مبين، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم المشهد، مهيب المحضر، فلذلك فسدت أعمالهم واعتقادهم. هـ. يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يكثر فيه الهول، ويعظم فيه الخطب على المقصّرين، وتظهر فيه كرامة المجتهدين ووجاهة العارفين.
{كلاَّ} ليرتدع المقصّر عن تقصيره؛ لئلا ينخرط في سلك الفجار، {إن كتاب الفجّار لفي سجين} المراد بالكتاب هنا: كتاب الأزل، وهو ما كتب لهم من الشقاوة قبل كونهم، قال صلى الله عليه وسلم: " السعيد مَن سعد في بطن أمه، والشقي مَن شقي في بطن أمه "
و {وما أدراك ما سجين} فيه {كتاب مرقوم} لأهل الشقاء شقاوتهم. {ويل يومئذ للمُكَذِّبين} بالحق وبالدالين عليه، {الذين يُكَذِّبون بيوم الدين} وهم أهل النفوس المقبلين على الدنيا بكليتهم، {وما يُكَذِّب به إلاّ كل معتد أثيم} ؛ متجاوز عن الذوق والوجدان، محروم من الكشف والعيان، {إذا تُتلى عليه آياتنا} الدالة علينا {قال أساطيرُ الأولين} أي: إذا سمع الوعظ والتذكير من الدالين على الله قال: خرافات الأولين. وسبب ذلك: الرانُ الذي ينسج على قلبه، كما قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يومئذ لمحجوبون} لمّا ==رانت قلوبهم، وتراكمت عليها الحظوظ والهوى، حُجبوا عن شهود الحق في الدنيا، ودام حجابهم في العقبى إلاَّ في أوقات قليلة، قال الحسن بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. هـ. قال الواسطي: الكُفار في حجابٍ لا يرونه البتة، والمؤمنون في حجاب يرونه في وقتٍ دون وقتٍ. هـ. أي: والعارفون يرونه كل وقت، ثم قال: ولا حجاب له غيره، وليس يسعه سواه، ما اتصلت بشريةٌ بربوبيته قط، ولا فارقت عنه. هـ.
وقال في الإحياء: النزوع إلى الدنيا يَحجب عن لقاء الله تعالى، وعند الحجاب تتسلط عليهم نار جهنم، إذ النار غير متسلطة إلاّ على محجوب، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم} فرتَّب العذاب بالنار على ألم الحجاب، وألم الحجاب كافٍ من غير عِلاوة النار، فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه! هـ. وقد رتَّب الحجاب على الران والصدأ المانع من كشف الحقيقة، فكل من طهّر قلبه من ران الهوى، وغسله بأنوار الذكر والفكر لاحت له أنوار المشاهدة وأسرار الحضرة، حتى يشاهد الحق في الدنيا والآخرة، ويكون من المقربين أهل عليين، وكل مَن بقي مع حظوظ هواه حتى غلب على قلبه رانُ الشهوات بقي محجوباً في الدارين من عامة اليمين. وأنواع الران التي تحجب عن الشهود ست: ران الكفر، وران العصيان، وران الغفلة، وران حلاوة الطاعات، وران حس الكائنات، فإذا تصفّى من هذه كلها أفضى إلى مقام العيان، ولا طريق لرفع الران بالكلية إلاَّ بصُحبة المشايخ العارفين. وبالله التوفيق.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: لطائف شفاء الصدور فى الصوفية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أكتوبر 01, 2015 5:02 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مايو 30, 2013 5:51 am
مشاركات: 34114
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد


سورة الانشقاق

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ

وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا

وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ

فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا

وَيَصْلَى سَعِيرًا

إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا

إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ

بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا


يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا السماءُ انشقتْ} أي: تشقّقت أبواباً لنزول الملائكة في الغمام، أو: انشقت وطُويت كطي السجل للكتاب، {وأَذِنَتْ لربها} أي: استمعت، وفي الحديث: " ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ إذنه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن " أي: ما استمع، أي: انقادت وأذعنت لتأثير قدرته تعالى حين تعلّقت إرادته بانشقاقها، ولم تأبَ ولم تمتنع، {وحُقَّتْ} أي: وحقَّ لها أن تسمع وتطيع لأمر ربها، إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى.
{وإِذا الأرضُ مُدَّتْ} ؛ بُسطت وسُويت باندكاك جبالها وكِّل أمتٍ فيها حتى تصير كالصحفية الملساء، عن أبن عباس: تُمدّ مَدَّ الأديم العُكاظي، منسوب إلى عكاظ سوق بين نخلة والطائف، كانت تعمره الجاهلية في ذي القعدة، عشرين يوماً، تجمع فيه قبائل العرب، فيتعاكظون، أي: يتغامزون ويتناشدون، قاله في القاموس. {وألقتْ ما فيها} أي: رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز، كقوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: 2] . {وتخلتْ} منها فلم يبقَ في جوفها شيء، وذلك ما يُؤذن بعِظَم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها قبل الوضع. {وأَذِنَتْ لربها} أي: استمعت في إلقاء ما في بطنها، وتخليتها عنه، {وحُقتْ} أي: وهي حقيقة بأن تنقاد لربها ولا تمتنع، ولكن لا بُعد إن لم تكن كذلك، بل في نفسها وحَد ذَاتِها، من قولهم: هو محقوق بكذا، أو حقيق به، والمعنى: انقادت لربها وهي حقيقة بذلك مِن ذاتها، وكذلك يقال في انشقاق السماء. انظر أبا السعود. وجواب (إذا) محذوف، ليذهب المقدِّر كلَّ مذهب، أي: كان من الأمر
الهائل ما يقصر عنه الوصف، أو حذف اكتفاءً بما تقدّم في سورة التكوير والانفطار، أو ما دلّ عليه {فملاقيه} أي: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدْحَهُ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إذا السماء، أي: سماء الأرواح انشقت عن ظلمة الأشباح انشقاق الفجر عن ظلمة الليل، فتغيب ظلمة الأشباح في نور عالَم الأرواح، فحينئذ تظهر حقائق الأشياء على ما كانت عليه في الحقيقة الأزلية، فينتفي الحدث ويبقى القِدم. قال الورتجبي: إذا أراد الله قلع الكون، يلقي على السموات والأرض أثقال هيبة عظمته وكبريائه، فتنشق السماء، وتمد الأرض من عكس تجلي عظمته وكبريائه، وحق لهما أن تتصدّعا، لِما عليهما من أثقال قهريات جبروته، حيث يشققهما، وهما طائعتان لربهما، وكيف لا تكون منهما طاعة، وهما في قبضة قهر جلاله أقل من خردلة، ألا ترى كيف قال صلى الله عليه وسلم: " الكونُ في يمين الرحمن أقلِّ من خَردلةٍ " وكذلك يتجلّى لسماء أرواح العارفين وأرض قلوب المحبين بنعت العظمة والكبرياء، فتنشق الأرواح وتزلزل القلوب من وقوع نور هيبته عليها، وبهذا الوصف وصف قلوب المقرّبين عند نزول خطاب الهيبة، قال الله تعالى: {حَتَّىا إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ... } [سبأ: 23] الآية. قال بعضهم: خطاب الأمر إذا وقع على الهياكل فهي بين مطيع وعاصٍ، وخطاب الهيبة إذا وردت تفني وتُعجز الإقرار معه كقوله: {إذا السماء انشقت} وَرَدَ عليها صفةُ الهيبة فانشقت وأذِنَتْ لربها وأطاعت وانقادت، وحُق لها ذلك، وهو الذي أوجدها. هـ وإذا الأرض أرض البشرية مُدت، أي: بُسطت ولانت لأحكام الربوبية بالمجاهدة والرياضة، وألقت ما فيها من الخبائث والعيوب، وتخلّت عنها، وأذنت لربها في أحكام العبودية والعبادة، وحُقَّتْ بذلك؛ لأنَّ في ذلك شرفَها وعزَّها، وجواب " إذا " محذوف، أي: كان من الأسرار والأنوار والمعارف ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تحيط به الإشارة.
يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الإِنسانُ} خطاب الجنس {إِنك كادِحٌ إِلى ربك كَدْحاً فمُلاقِيهِ} أي: جاهدٌ جادٌّ في السير إلى ربك. فالكدح في اللغة: الجد والاجتهاد، أي: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك، لأنَّ الزمان يطير طيراً وأنت في كل لحظة تقطع حظًّا من عمرك القصير، فإنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك. قال الطيبي عن الإمام: في الآية نكتة لطيفة، وهي: أنها تدل على انتهاء الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادته وراحته الأبدية. هـ.
قلتُ: إن كان كدحه في طلب مولاه؛ حصل له بعد موته دوام الوصال، وصار إلى روح وريحان، وجنات ورضوان، وإن كان كدحه في طلب الحُور والقصور، بُشّر بدوام السرور، وربما اتصلت روحه بما كان يتمنى، وإن كان كدحه في طلب الدنيا مع إقامة الدين أفضى إلى الراحة من تعبه، وإن كان في طلب الحظوظ والشهوات مع التقصير، انتقل من تعب إلى تعبٍ، والعياذ بالله. وقال أبو بكر بن طاهر: إنك تُعامل ربك معاملة ستعرض عليك في المشهد الأعلى، فاجتهد ألاَّ تخجَل من معاملتك مع خالقك. أهـ.
ثم فصّل ما يلقى بعد اللقاء فقال: {فأما مَن أُوتي كتابه بيمينه} أي: كتاب عمله {فسوف يُحاسب حساباً يسيراً} ؛ سهلاً هيناْ، وهو الذي يُجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث: " مَن يحاسَب عُذِّب " فقيل له: فأين قوله تعالى: {فسوف يُحاسب حساباً يسيراً} فقال: " ذلكم العرض، مَن نُوقش الحساب عُذِّب " والعرض: أن يُقال له: فعلتَ كذا وفعلتَ كذا، ثم يُقال له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. {وينقلبُ إِلى أهله} أي: إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو: إلى فريق المؤمنين، أو: إلى أهله في الجنة من الآدمية أو الحور والغلمان، أو: إلى مَن سبقه من أهله أو عشيرته،إن قلنا: إنَّ الكتاب يُعطى بمجرد اللقاء في البرزخ، فإنَّ الأرواح بعد السؤال تلحق بأهلها وعشيرتها، حسبما تقدّم في الواقعة. وقوله تعالى: {مسروراً} أي: مبتهجاً بحاله، قائلاً: {هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} [الحاقة: 19] أو: مسروراً بلقاء ربه ودوام وصاله.

تنبيه: الناس في الحساب على أقسام، منهم مَن لا حساب عليهم ولا عتاب، وهم العارفون المقربون، أهل الفناء في الذات، ومنهم مَن يُحاسب حساباً يسيراً، وهم الصالحون الأبرار، ومنهم مَن يُناقش ويُعذِّب ثم ينجو بالشفاعة، وهم عصاة المؤمنين ممن ينفذ فيهم الوعيد، ومنهم مَن يُناقش ويخلد في العذاب، وهم الكفرة،وإليهم أشار بقوله:
{وأمَّا مَن أُوتي كتابَه وراء ظهره} ، قيل: تغلّ يُمناه إلى عنقه، وتُجعل شماله وراء ظهره. وقيل: يثقب صدره وتخرج منه إلى ظهره، فيعطى كتابه بها وراء ظهره، {فسوف يَدعو ثبُوراً} يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك، {ويَصْلَى سعيراً} أي: يدخلها، {إِنه كان} في الدنيا {في أهله} أي: معهم {مسروراً} بالكفر، يضحك على مَن آمن بالبعث. وقيل: كان لنفسه متابعاً، وفي هواه راتعاً، {إِنه ظن أن لن يَحُورَ} ؛ لن يرجع إلى ربه، تكذيباً بالبعث. قال ابن عباس: ما عرفتُ تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حُوري. أي: ارجعي. {بلى} جواب النفي، أي: يرجع لا محالة، {إِنَّ ربه كان به بصيراً} أي: إنَّ ربه الذي خلقه كان به وبأعماله الموجبة للجزاء " بصيراً " بحيث لا تخفى عليه منها خافية، فلا بد من رجعه وحسابه عليها حتماً.
الإشارة: يا أيها الإنسان الطالب الوصول، إنك كادح إلى ربك كدحاً بالمجاهدة والمكابدة فمُلاقيه بالمشاهدة المعاينة في مقام الفناء والبقاء، فأمّا مَن أُوتي كتابه السابق له في الأزل " بيمينه " بكونه من أهل اليمين والسعادة " فسوف يُحاسب حساباً يسيراً " فيُؤدب في الدنيا إن وقع منه سوء أدب، " وينقلب إلى أهله " إخوانه في الله " مسروراً " بوصوله إلى مولاه. قال الورتجبي: مسروراً بلقاء ربه، وما نال من قُربه ووصاله، وهذا للمتوسطين، ومَن بلغ إلى حقيقة الوصال وصار أهلاً له لا ينقلب عنه إلى غيره. هـ. وأمَّا مَن أُوتي كتابه السابق بخذلانه في الأزل، وراء ظهره، بحيث غفل عن التوجه إلى الله، واتخذه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبوراً، فيتمنى يوم القيامة أن لم يكن شيئاً، ويصلى سعير القطيعة والبُعد إنه كان في أهله مسروراً منبسطاً في الدنيا، مواجَهاً بالجمال من أهله وعشيرته، ليس له مَن يؤذيه، وهذا من علامة الاستدراج، ولذلك لا تجد وليًّا إلاَّ وله مَن يُؤذيه، يُحركه إلى ربه، قال بعض الصوفية: قَلَّ أن تجد وليًّا إلاَّ وتحته امرأة تؤذيه. هـ. " إنه " أي: الجاهل ظن أن لن يحور إلى ربه في الدنيا ولا في الآخرة، بل يرده اللهُ ويُحاسبه على النقير والقطمير، إنه كان به بصيراً بظاهره وباطنه.



_________________



مولاي صل وسلم دائما أبداعلى حبيبك خير الخلق كلهم
اللهم صل على هذا النبى الأمين وأجعلنا من خاصة المقربين لديه السعداء وعلى آله وسلم حق قدره ومقداره العظيم




أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 94 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1 ... 3, 4, 5, 6, 7  التالي

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط