موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: جهاد النفس والهداية
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس يوليو 08, 2021 6:20 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس إبريل 09, 2015 7:45 pm
مشاركات: 2365

بسم الله الرحمن الرحيم
جهاد النفس والهداية


ارسلك إلى نفسك خاصة تجاهدها، فان قدرت عليها وصرت مع الله خاصة أرسلك بعد ذلك الى أهلك، فتسرى روحك بنور من عند الله الى قلوبهم بدون جهد ولا تعب ولا علم منك، فيهديهم الله هداية كهدايتك، فتفرح بهم ويفتح الله عليك وعليهم ثم بعد ذلك يرسلك الى أهل ودك ومحبتك، فيهتدون بما يقذفه الله تعالى من سر روحك ثم بعد ذلك لأهل قطرك حسب ما قدر لك، ثم الى الملأ الأعلى فتنفع وتنتفع وتعرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وتتلذ من شراب بحره الفياض، وتعرف أن حيرة القلب أمام الرب سبحانه تكون من الميل الى الناس في غفلة عن رب الناس مع أن الناس ليسوا هم الأساس، فلا تشرب إلا من شراب الرسول صلى الله عليه وسلم.

جاءت السطور المتقدمة في رسالة بعث بها سيدي وشيخي الشيخ عبد السلام الحلواني طيب الله ثراه الى تلميذه الصالح المبارك الصديق الكريم السيد/ سالم جمعة، بارك الله له في دينه ودنياه، وهي ترينا أثر جهاد النفس في ذات المسلم في آله وذويه وأحبابه وأهل وطنه، كيفما شاء الله تعالى وقدر.
وقد أرانا سيدي الشيخ أن جهاد النفس يتدرج بصاحبه شيئا فشيئا في صعوده الى قمة العرفان التي تنتهي اليها همم العارفين بالله، الذين شغلهم الله تعالى عما سواه. فالدرجة الولى التي يصعدها المؤمن هي تهذيب نفسه لنفسه فان بلغها تعدى اثره الى من حوله من اهله وخاصته، ثم الى أصدقائه الذين يتصلون به، ثم الى أهل وطنه فلا يقف سره عند الأقربين بل يتعداهم الى غيرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ويقول السادة الصوفية أن المؤمن في تهذيب نفسه ينتقل من العبادة الى العبودية ثم ينتقل من العبودية الى العبودة، فالعبادة تكون لأهل المجاهدات، والعبودية تكون لأهل المكابدات والعبودة تكون لأهل المشاهدات. وعنهم أن المؤمن لا يستطيع تهذيب نفسه الا بمخالفة هواها، ويحكى سيدي الامام أبو القاسم الجنيد فيقول في ذلك:
أرقت ليلة، فقمت الى وردي (من الصلاة) فلم أجد ما كنت أجده من الحلاوة والتلذذ بمناجاتي لربي، فتحيرت، فأردت أن أنام فلم أقدر فقعدت فلم أطق القعود، ففتحت الباب و خرجت فاذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق، فلما أحس بي رفع رأسه وقال: يا أبا القاسم الى الساعة؟ فقلت يا سيدي: من غير موعد؟ قال بلى ، قد سألت محرك القلوب أن يحرك الى قلبك، فقلت: قد فعلت ذلك، فما حاجتك؟ فقال متى يصير داء النفس دواءها؟ قلت: اذا خالفت هواها صار دواؤها داءها، فأقبل على نفسه وقال: اسمعي ، قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبييت أن تسمعيه الا من الجنيد، فقد سمعت ، وانصرف عني، ولم أعرفه، ولم أقف عليه بعد.
أقول والقرآن الكريم يؤيد السادة الصوفية في فهمهم هذا، فانه سبحانه وتعالى يقول (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى )

ويقول الامام أبوحفص رضي الله عنه : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجبرها على مكروهها في سائر أيامه كان مغرورا، ومن نظر اليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه والكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم الخليل (عليهم الصلاة والسلام) يقول (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)
ويقول سيد الامام الجنيد رضي الله عنه : النفس الأمارة بالسوء هي الداعية الى المهالك، المعينة للأعداء، المتبعة للهوى المتهمة بأصناف الأسواء. ومن حكم السادة الصوفية: نفسك كالدابة أن ركبتها حملتك وان ركبتك قتلتك. ويقولون : النعمة العظمى الخروج من النفس لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين الله عز وجل.
ويقول سيدي أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: وقفت نفسي مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت نفسي مع الصائمين فلم أر لي قدما، فقلت يارب: كيف الوصول اليك؟ فقال: أترك نفسك وتعال، ويقول سيدي سهل التستري رضي الله عنه : ما عبد الله بشيء مثل مخالفة النفس والهوى.

وفي نهي النفس عن هواها وفاء بعهد الله تعالى وخوف منه سبحانه
وقد قال تعالى لبني اسرائيل (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)،
ويقول سيدي الامام القشيري رضي الله عنه في لطائف اشارته عند هذه الآية الكريمة:
عهده سبحانه حفظ المعرفة، وعهدنا اتصال المغفرة، عهده حفظ مخابه وعهدنا لطف ثوابه، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب.

أوفوا بعهدي بحفظ السر أوف بهدكم بجميل البر، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوف بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق، أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا علي غيري أوف بعهدكم ألا أمنع عنكم لطفي وخيري وأطال رضي الله عنه في تلك الروائع الى أن قال:
أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطلبات، أوفوا بعهدي تقولوا ابدا: ربي ربي، أوف بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي. واياي فارهبون أي أفردوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الايجاد فلا تصح الخشية من ليس له قدرة ولا منة.

ومن حكم سيدي أبوسليمان الداراني رضي الله عنه قوله: من أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله ومن صدق في ترك شهواته كفى مؤونتها، والله أكرم من أن يعذب قلبا ترك شهوة لأجله. ويقول السادة الصوفية أن متابعة النفس في هواها يؤدي بصاحبها الى الهوان عند الله تعالى، وفي ذلك أنشدوا.

نون الهوان من الهوى مسروقة
وصريع كل هوى صريع هوان


وفي جهاد النفس يستقصى السادة الصوفية عيوبهم الباطنة وهي عندهم ثلاث أنواع:
(أ)عيوب النفس، وتأتي من تعلقها بالشهوات الجسدية، كطيب المأكل والمشرب والملبس والمركب.
(ب) وعيوب القلب، وتتأتى من تعلقه بالشهوات القلبية، كحبالجاه والرياسة والكبر والحرص والحسد، وتلك من أخلاق الشياطين.
(ج) وعيوب الروح، وتتأتى من تعلقها بالحظوظ الباطنة، كطلب الكرامات والمقامات.
وهم لا يحرمون زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق،
انما يرون ألاينخدع المؤمن بظواهر الدنيا فيقف عندها ويجعلها نهاية أفقه بل يمد نظره الى الآخرة التي هي خير وأبقى، لأن الله تعالى ينظر الى القلوب والأحوال ولاينظر الى الأجساد والأشكال، ولذلك ورد في الحديث الشريف: " رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك"
ومن حكم السادة الصوفية في أحوال المعيشة قولهم: الدنيا كلها فضول الا خمس خصال: خبزيشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره وبيت يكنه، وعلم يستعمله. ويقول الامام جلال الدين الرومي رضي الله عنه فيما ترجمه عنه صديقي الفاضل الشيخ الصاوي شعلان:
"اقرأ ما كتب الرحمن في صحائف الأكوان، ولا تجعل الظواهر منتهى بصرك ومبلغ علمك حتى لا تحجب الحقيقة عن عينيك وتنحرف بك الأهواء عن سبيل الرشد، واعلم أن الدنيا لوكانت كلها طوع يديك ما كان لك سوى القوت، فلا تأكل في سبعة أمعاء، ان أموال قارون لم تزده لحظة على العمر المقدر، وان الاسكندر الاكبر قهر الجيوش الزاحفة ثم زحف عليه الاجل المحتوم وقهره في الوقت المعلوم.

"أيها المؤمن، أن آثام اليوم هي عقارب الغد ، وسكرة الدنيا هي لهيب العطش في صحراء القيامة.

"أيها المؤمن، اسق ورد الطاعات من دموع توبتك حتى تستروح الفردوس أنسام صلواتك، وتستقبل الحور هدايا الطيب والعطر من حسناتك، وتنظم عقود الجواهر من تسبيحاتك".
وحين يتمتع السادة الصوفية بالحلال، يوجهون النية فيه لله تعالى فإذا أكلوا حلالا ينوون أن تكون لهم بأكله قوة في عبادة الله سبحانه.
وهذه النية عندهم ألذ من طعم الطعام ذاته، واذا لبسوا اللباس قصدوا به ستر العورة وأخذ الزينة للصلاة ولا يقصدون به التباهي والتفاخر كما يقصد عامة الناس، واذا أتوا نساءهم قصدوا أن يعفوا أنفسهم ونساءهم عن الحرام، او بنية النسل الطيب، ويقول مولانا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أتيت أهلي قط بنية الشهوة ولكن بنية أن يرزقني الله منها من يوحد الله ولايشرك به شيئا.

وقد ارادوا أن يغير رضي الله عنه ملبسه بأفخر منه حين ولى الخلافة، ورجوا من سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ان تكلمه في ذلك فكلمته فقال لها: يرضى الله عنك يا أم المؤمنين تريدين أن أغير ما كنت عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وقصته رضي الله عنه حين أركبوه البرذون (السيسي) معروفة فقد ركبه قليلا ثم قال، أنزلوني، قالوا لماذا يا أمير المؤمنين، قال أخشى ان يداخلني الغرور.
ولا تعجب أن يسلك السادة الصحابة هذا المسلك، فقد صحبوا مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسوا به في أقواله وأفعاله واحواله وقد بلغ في زهده ما لم يبلغه الا رسول كريم وكان يستطيع أن يعيش عيشة الملوك لو شاء، ولكنه آثر ما يبقى على ما يفنى حتى لقد دخل على السيدة الزهراء رضي الله عنها فوجدها تطحن بالرحى وعليهاء كساء من وبر فقال لها : تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الاخرة.

وقد روى عقبة بن علقمة قال : دخلت على علي رضي الله عنه فإذا بين يديه طعام خشن فقلت: يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا؟ فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا فان لم آخذ نفسي بما أخذ به نفسه خفت ألا ألحق به.
ويستعين السادة الصوفية في جهاد أنفسهم بمراقبة الله تعالى واستحضار عظمته سبحانه، ويقولون في هذا المقام : تعهد نفسك في ثلاثة مواضع: اذا عملت فاذكر نظر الله اليك، واذا تكلمت فاذكر سمع الله اليك ، واذا سكت فاذكرعلم الله فيك.

والجهاد عند السادة الصوفية ثلاث أنواع: جهاد في سرك مع الشيطان حتى تكسره، وجهاد في العلانية في أداء الفرائض حتى تؤديها كما امر الله تعالى ، وجهاد مع أعداء الله في غزو الاسلام. وهم يقولون اقوى القوة غلبتك نفسك، ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز، ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه.
ويقول سيدي شقيق البلخي رضي الله عنه: عملت في القرآن عشرين سنة حتى ميزت الدنيا عن الآخرة، فأصبته في حرفين وهو قوله تعالى (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
ويقول رضي الله عنه كذلك: اذا أردت أن تكون في راحة فكل ما أصبت والبس ما وجدت وارض بما قضى الله عليك.

ويقول أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: ان الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوه فخلع عليهم خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، واني لا أريد من الله الا الله.

ومن كلمة سيدي أبي يزيد المتقدمة ترى أن القوم لا يشتغلون بالنعم عن النعم. ويقول السادة الصوفية اذا كان الله قد أمرك بالاحسان الى جارك ومراعاة حقه، فجار نفسك- وهوقلبك- أولى بالأ تضيعه ولا تغفل عنه ولا تمكن حلول الخواطر الرديئة به. واذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك-وهوروحك- أولى أن تحامي على حقها ولاتمكن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها، وجار روحك-وهوسرك- أولى أن ترعى حقه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.

وهم يقولون ان النفس والقلب والروح والسر سيء واحد في أصله وبحسب ما يكون فيه مجاهد نفسه يوصف بوصفه، فاذا جاهد نفسه الأمارة صار الى قلبه، واذا جاهد قلبه صار الى روحه واذا جاهد روحه صار الى سره، وهذا السر يكون بينه وبين ربه فلا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده، ويشبهون ذلك بالبذرة التي تكون في الأرض فإنها اذا نمت كان جذعا ثم فروعا ثم زهورا ثم ثمارا وأصلها واحد واختلفت مسمياتها بحسب أوضاعها التي تكون عليها، واذا نضجت الشجرة أستظل الناس بظلها وأكلوا من ثمرها، وكذلك المؤمن اذا نضج في تربية نفسه التف الناس حوله وانتفعوا بتجربته وتربيته اذا كان الله اراده اماما للناس.

والسادة الصوفية يعولون كثيرا في تربية النفس على صحبة الشيخ المربى، ويقولون أن السالك الى ربه بنفسه يكون كالشجرة التي تنبت بنفسها فإنها تورق ولكنها لا تثمر، واذن لابد للمريد من شيخ يربيه في جنب الله ويعينه على جهاد نفسه والتخلص من كدوراتها ورعوناتها.

ويقول سيدي أبو طالب المكي رضي الله عنه:
واعلم أن الأنس لا يوجد به في كل عالم، ولا في كل عاقل ولا في كل عابد زاهد، ويحتاج الأنس الى وجود معان تكون في الولي، فإذا اجتمعت فيه كمل فيه الأنس ، وانتفت عنه الوحشة، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس، ومن لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس، واذا حصل الأنس ففيه الروح من الكروب، والاستراحة من الغم، والسكون وطمأنينة القلب فكذلك عز من يوجد فيه الأنس لعزة خصاله وهي سبع: علم، وعقل، وأدب، وحسن خلق، وسخاء نفس، وسلامة قلب، وتواضع، فان فقد بعضها لم يجد خلا يأنس لكماله. وأضدادها وحشة كلها، لأن الجاهل لا أنس فيه، والأحمق لا أنس به، والبخيل سيء الخلق لا أنس عنده. والخبيث والمتكبر لا أنس معه فاعرف هذا.
وأضاف رضي الله عنه قوله.
ومثل جملة الناس كمثل جملة الشجر، منهم من له ظل ليس فيه ثمر، وهذا الذي فيه نفع من الدنيا ولا ثمر له في العقبى، ويحتاج اليه في وقت، ومنهم من فيه ثمر وليس له ظل، وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا، ومنهم من فيه ظل وثمر، فهذا يصلح للدين والدنيا وهو أعزها، ومنهم من لا ظل له ولاثمر وهذا لا يحتاج اليه فمثله في الشجر مثل شجر الغضا يمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب، فهؤلاء من الناس من يضر ولا ينفع ويكثر ولا يدفع، مثله كما قال الله تعالى(يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)
وقد قيل في وصف الناس:

الناس شتى اذا ما أنت ذقتهم
لايستوون كما لا يستوي الشجر
ذا رب ظل، وهذا عنده ثمر
وذاك ليس له ظل ولا ثمر


وليس العلم الذي شرطوه في الداعي الى الله تعالى علم دراسة فحسب بل هو علم دراسة وعلم وراثة أو علم وراثة يغني عن الدراسة، فكم من عالم رواية لم يصل الى الدراية والوعاية التي تصحب أهل الحق والحقيقة من الدعاة الى الله عز وجل، وهذا ما يفسر قول مالك رضي الله عنه: ليس العلم بكثرة الرواية وانما هو نور يقذفه الله في القلوب، وقوله: لاأحب من الكلام الا ما كان تحته عمل. وفي الحديث الشريف( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). ويقول امامنا الشافعي رضي الله عنه:

شكوت الى وكيع سوء حفظي
فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يهدى لعاصي


ولهذا العلم النوراني يشير سيدي وشيخي علي عقل رضي الله عنه في الهامه الذي نقلناه عنه:

بحر التجلي كله حكمة
كم تسكر الأرواح من عذبه
دع ما يقول الناس من علمهم
ما دمت تلقي العلم من سيبه



وليس في صحبة المريد لشيخه اشتغال بالناس عن الله لأن الشيخ انما هو يد الله وعونه للمريد وقد ربط سبحانه الأسباب بالمسببات، والامامة في سبيل الهدى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دعائم الدين والله تعالى يقول في وصف عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
كما يقول تعالى (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) اما الاشتغال بالناس والمنهي عنه شرعا فهو اغتيابهم واستقصاء عيوبهم والأولى بالمؤمن أن يشتغل بعيوب نفسه ويصلحها بمعاونة أحد العارفين بالله تعالى من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر على نور من ربهم.
وقد غرف سيدي الشيخ على عقل رضي الله عنه من بحر التجلي حتى روى وأروى، ويقول متحدثا بنعمة ربه عليه في الهامه الرباني الذي كان فيه وحيد نسجه

علومي في الورى نفحات ربي
فما بلغوا مذاقي أو شمولي
ولي من مشرق الايمان علم
سموت به على كل الفحول



ويبين رضي الله عنه أن الالهام الرباني الذي يقذفه الله في قلوب أوليائه من اهل اليقين انما يجيئهم بعد مجاهدات شاقة لايصبر عليها إلا أولو العزم ممن باعوا أنفسهم لله تعالى واستسهلوا في سبيله كل صعب ونظروا الى فضله ولم ينظروا الى اعمالهم بل أيقنوا أنه سبحانه ان قبلها منهم فانما يقبلها كرما بعد تجاوزعنهم، وفي ذلك يقول طيب الله ثراه:

ومـــن له قــلب قوى اليقـــين
يلبســه الخــالق أســـمى وسام
كم من مصــل لم يذق قلبــه
طعم الصلاة او طويل القيام
وصـــائم يزيد في صـــومه
والروح لا تفهم معنى الصيام
فالذوق في القلب له طعمــه
وانه والله أشــــهى طعـــــام
قالوا ينام الليــل عبد الصــفا
فقلت عيب عنـــدنا ان ينـــام
أيدعي الحب ويهوى الكرى
الا ان ذا واللـــه شر انهــزام
لو أنهــم بالنـــوم يعطونهـــا
ما صح في الأولياء الاعتصام
لـــكنهم بالــذكر يعطونهـــا
والــذكر أزكى مبرئ للسقــام
يا بائــع الـــروح لخلاقهـــا
تقبـــل البيـــع بغير التـــزام
وســــلعة بيعت على عيبهـــا
مقبــــولة بالطبع عند الــكرام
والله ربي أكرم الأكرمــين
يقبلنا بعيبنــا والســـــــلام


واذا اراد القارئ الكريم أن يقف على مواجيد سيدي الشيخ في صلته بالله تعالى فليقرأ ما وصفها به رضي الله عنه في الأبيات الأتية التي كانت الهاما لوقته من غير تفكير:

طاب في نشره عبير غرامي
فتضافيت والهوى يهدنى
وحياتى حيات عالم قوم
عرف الحق دون اى فتون
ومقامى مقام صب معنى
ثابت الجائش صادق التمكين
دعواتى من الضياء ضياء
صرت كالفرقدين فى التبين
ان سكنت الثرى بجسمى فروحى
فى سماء الهدى ونور اليقين
يرمس الناس فى القبور ورمسى
حبى ربى وفضلة يكفــــينى
طال نوحى ولست الا محبا
سمع الطير من اعالى الغصون
وسمعت الطيور وهى تناجى
والتناجى يثير شجوى الحنين
فتناجيت بلاغــــاريد حتى
هامت الطير من سماعى حنينى
لم امتع بغير ربى قلبى
ولهذا ماء الهدى يروينى
وانا الثابت المحب دوامـــا
لست اخشى عزل من عزلونى
لو يذوقون بعض ماذقت في الحب
خففو عذلهم وقد عذرونى
اخضع الراسيات من كلم العشق
فتعلو الجبال عند انينى
فمرامى وجة الحبيب وان مت
شهيدا ففى الرحاب زرونى
املى فية ان يكفر عنى
ما تجاوزت من حودد الدين
انا ان كنت مذنبا واثيما
انما ذو الجلال لا يردينى
انا ان كنت مذنبا واثيما
فرحيم العباد لا يخزيني
انا ان كنت مذنبا واثيما
فرضا الله سوف لا يخطيني
انا ان كنت مذنبا واثيما
فالهى من الظمى يشفينى
انا ان كنت مذنبا واثيما
انما رحمت الالة تقينى
علم الله ان قلبى ضعيف
فروانى بماء عين اليقين


والفضل في تسجيل الأبيات المتقدمة والتي تنشر لأول مرة كان للصديق الفاضل الدكتور مظهر سعيد وقد تكرم فنسخ لي صورة منها ومن غيرها مما سجله عن الشيخ في ليلة سهرها معه من نحو ثلاثين سنة في بلقاس، وسوف لا يفوتني أن أمتع القراء بالبقية الممتعة في مقالاتي اللاحقة إن شاء الله، وشكر الله للصديق صنيعه.
الا رضي الله عن مشايخنا العارفين بالله الذين أوردونا موارد الايمان، وسقونا من رحيق الاحسان، ومشارب العرفان، وصدق الله العليم الحكيم اذ يقول ناصحا لعبده(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

"كتاب الصوفية في إلهامهم"
تأليف: الأستاذ حسن كامل الملطاوي

_________________
اللهم صل على سيدنا محمد
باب الاستجابة
نبي التوبة و الإنابة
صاحب طيبة المستطابة
والرفعة المهابة
وعلى آله وسلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط