موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 116 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1 ... 4, 5, 6, 7, 8
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يوليو 04, 2021 10:07 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977

تعريف المساواة فى الاسلام



المساواة مصدر مساواه إذا كان سواء له أى ماثلا فالسواء المثل ، ولا يتصور تمامالمساواة بين شيئين أو اشياء فى البشر لأن أصل الخلقة جاء على تفاوت فى الصفات المقصودة ذاتية ونفسية وذلك التفاوت يؤثر تمايزا متقاربا او متباعدا فى أخلاق البشر وآثارهم بتفاوت الحاجة إليهم وترقب المنافع والمضار من تلقائهم ؛ وذلك يقتضى تفاوت معاملة الناس بعضهم لبعض فى الاعتبار والجزاء

فلو دعت شريعة إلى دحض هذه الفروق والميزات ادعت لى ما لا يستطاع *( وتأبى الطباع على الناقل )*

فضلا على ما فى ذلك من حمل الناس على إهمال المواهب السامية ،وذلك فساد قبيح والله لا يحب الفساد

ويكون الاقتراب إلى الفساد يفيد الاقتراب إلى الافراط فى إلغاء المميزات الصالحة ، ولا تستقيم شريعة ولا قانون لو جاء بهذا الالغاء ، فان الذين تطرفوا فى اعتبار المساواة لا يسيرون طويلا حتى تجيههم سدود لا يستطيعون اقتحامها كالسيوعيين فقد وقفوا فى حدود عجزوا عن تحقيق مبدأ المساواة فيها كمساواة أبكم لفضيخ ومعتوه لدكى ، ومن هذا يتضح القياس وتظهر المساواة الحقة بين الناس قال تعالى ( وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ) الآية وقال ( إن هم إلا كالانعما بل هم أضل سبيلا )

إذن فالمساواة تعتمد توفر شروط وانتقاء موانع ، فالشريعة التى تبى المساواة على اعتبار الشروك والقيود شريعة مساواتها ضعيفة ، والشريعة التى تبنى مساواتها على اعتبار انتقاء الموانع شريعة مساواتها واسعة صالحة ، ويظهر أن الدعوة الاسلامية بنت قاعدة المساواة على انتقاء الموانع وشنان بين قوة تأثير الشروط وتأثير المانه والشريعة التى لا تقيد المساواة بشىء شريعة مضللة

فاذاعددنا المساواة فى اصول شريعة الاسلام فنما تعنى بها المماثلة بين الناس فى مقادير معلومة وحقوق مضبوطة من نظام الأمة سواء كان الضبط بكليات ومستثنيات منها أم كان بتعداد مواقع المساواة

والمساواة فى الاسلام تتعلق بثلاثة أشياء : الانصاف وتنفيذ الشريعة والأهلية

بعده



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يوليو 06, 2021 2:12 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977



المساواة فى الانصاف



الأول المساواة فى انصاف بين الناس فى المعاملات : وهى المعبر عنها بالعدل وهى خصلة جليلة جاءت به جميع الشرائع وبينت تلفاصيله بما يناسب احوال اتباعها ، وشريعة الاسلام اوسع الشرائع فى اعتبار هذه المساواة ، ففى خطبة حجة الوداع : ( وإن ربا الجاهلية موضو وأن أول ربا أبدأ به رباا عمى العباس بن عبد المطلب وإن دماء الجاهلية موضوعة وغن أول دم أبدأ به دم ابن ربيعة بن الجارث بن عبد المطلب ) وفى الصحيح أن الربيع بنت النضر لطمت جارية فكسرت ثنيتها فطلب اهل الجارية القصاص فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فجاء أنس بن النضر اخو الربيع وكان من خاصة الصحابة من الانصار فقال يا رسول الله والله لا تكسر تنية الربيع ، فقال رسول الله : كتاب الله القصاص ، ثم أن أهل الجارية رضوا بالارش ، وقصة الفزارى لذى لطمة جبلة ابن الايهم معروفة وخلاصتها أن جبلة بن الايهم مالك غسان بدمشق أسلم بعد فتح الشام وسكن المدينة وحج مع عمر بن الخطاب فبينما هو يطوف إذ وطىء رجل من فزارة ازار جبلة فانحل ازاره فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه فاستعدى الفزارى عمر بن الخطاب على جبلة فقال عمر لجبلة : ما أن يعفوا عنك الفزارى وما أن يقتص منك ، فقال جبلة : أيقتص منى وأنا ملك وهو سوقه ? قال عمر : قد شملك وإياه الاسلام فما تفضله إلا بالعافية والتقوى قال جبلة : ما كنا اظن إلا أ، أكون فى الاسلام أعز منى فى الجاهلية ، قال عمر : دع عنط هذا فلما رأى جبلة الجد من عرم قال له أنظر فى أمرى الليلة فرحل جبلة ورواحله البلاد ولحق بالشام ثم بالقسطنطينية فتنصر وبقى عند قيصر ؛ ولم يكن تنصره بالذى يؤسف عمر أن التهاون بأصول الاسلام أضر على الاسلام من خروج بعض أفراده عن الجامعة إذ لا قيمة للجامعة إذا لم تحترم أصولها ومن هذا المثال قضية المخزومية وقضية إبطال الربا وهما صالحتان لتمثيل المساواة فى إيصال الحقوق وفى إقامة الشريعة فانهما مما يتعلق باقامتها إذ لا حق لشخص معين فيما تضمنتاه

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة يوليو 09, 2021 9:17 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977


المساواة فى تنفيذ الشريعة



الثانية المساواة فى تنفذ الشريعة وإقامتها بين الأمة بحيث تجرى أحكامها على وتيرة واحدة ولو فيما ليس فيه حق للغير مثل إقامة الحدود وقد سرقت أمرأة من بنى مخزوم من قريش حليا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باقامة الحد عليها وعظم ذلك على قريش فقالوا : من يشفع لها عند رسول الله ? فقال قائل : ومن يجترىء عليه غير أسامة بن زيد فتكلموا أسامة فكلم أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأنها فغضب رسول الله وقا : أتشفع فى حد من حدود الله إ،ما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها , أشار كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما كان فى الأمم السالفة من التفاضل فى إقامة الشريفة ، وقد كان ذلك فى بنى اسرائيل كما ثبت فى بعض طرق هذا الحديث فى الصحاح ، وثبت أن الرومان كانت عقوبات الجنايات المتماثلة تختلف عندهم على حسب اختلاف حالات المجرمين ووسائلهم

المساواة الاهلية



الثالثة المساواة الأخلية اى فى الصلوحية للأعمال والمزايا وتناول المنافع بحسب الأهلية لذلك وهذه قد تكون بين جميع من هم داخلون تحت سلطة الاسلام وتكون بين المسلمين خاصة وتكون بين أصناف المسلمين من الرجال او من الأحرار او من النساء

والأصل فى هذه الاخلية فى الاسلام هو المساواة بين الداخلين تحت حكم الاسلام كلهم لقوله صلى الله عليه وسلم فى أهل الذمة لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، ثم المساواة بين المسلمين خاصة فى أحكام كثيرة بحكم قوله تعالى ( إنما المؤمنون أخوة ) فقد جمع حكم الاخوة اطراد المساواة فدخل الرجال والنساء والأحرار والعبيد إلا فيما دلت الأدلة على تخصيصه بصنف دون آخر لا تخصيصا تقتضاه حال الفطرة أو مصلحة عامة وفى الحديث ( الناس سواسية كأسنان المشط ) فلم يقصر المساواة على جنس ا, قبيلى ولم يقدم على عربيا على عجمى ولا أبيض على أسود ولا صريحا على مولى ولا لصبق ولا معروف النسب على مجهوله وفى خطبة حجة الوداع : ( أيها الناس ، إن ربك واحد وإن أباكم واحد ، كلكم لأدم وآدم من تراب لافضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى )

قد كان تمايز الدناس أو القبائل فى القوانين والشرائع السالفة أصلا فى الأحكام ، ففى التوراة سفر لخصائص الأوبين ، وعند الرومان والفرس وبنى إسرائيل لم يكن للدخيل فى الأمة مثل ما للأصيل ، وعند العرب لم يكن للصريح ما للصيق بله فى الغريب عن القبيلة ن والاسلام أبطل ذلك ، أمر النبى صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وهو من موالى قريش وأمر ابنه أسامة بن زيد على جيش فتكلم فىالمرتين بعض العرب فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( ان تطعنوا فى إمارته ( يعنى أسامة ) فقد طعنتم فى إمارة أبيه من قبل وأيم الله أن كان ( زيد ) لخليقا بالامارة وإن هذا ( أسامة ) لمن أحب الناس إلى فنبه بقوله أن كان لخليقا بالأمارة على أن الاعتبار بالكفاءة ونبه بقوله : لمن أحب الناس إلى على أنه إنه اكتسب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لفضله وكفاءته إذ بذلك تكتسب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

وكذلك لن يختص الاسلام بالمساواة طبقة ، وقد كان نظام الكبقات فاشيا بين الأمم ، فكانت الفرس والروم يعدون الناس أربع طبقات أشرافا وأوساطا وسفلة وعبيدا وكان العرب يعدون الناس طبقات ثلاثا سادة وسوقة وعبيدا ، فكان الفرس يهصون كل طبقة بخصائص لا تبلى اليها الطبقة التى هى دونها ، سأل رستم قائد جيوش الفرس فى حرب القادسية زعرة بن حوية تميمى صحابى أسلم فى آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى سنة 77 عن الاسلام فكان من جملة ما قاله زهرة لرستم ( إن الناس بنو آدم أخوة لأب وأم : فقال رستم : إنه منذ ولى أزدشير لم يدع أهل فارس احدا من السفلة يخرج من عمره ورأوا أن الذى يخرج من عمله تعدى طوره وعادى أشراقه : قال زهرة : نحن خير الناس للناس فلا نستطيع أن تكون لكما تقول بل يطيع الله فى السفلة : ولا يضرنا من عصى الله فينا

وكان العرب يفرقون فى الدية بين السادة والسوقة وفى الاقتصاص فى الدماء ويسمون ذلك بالتكايل فيقدم دم السيد أضعاف دم السوقة فجاء الاسلام بابطال ذلك ففى الحديث ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) ولم يتعبر الاسلام للطبقات أحكاما فى الأهلية للكمال إلا فى جعل الناس قسمين أهل الحل ؛ والعقد – والرعية فاهل الحل والعقد هم ولا قو المور وأهل العلم ورؤساء الأجناد فهولاء طبقة إسلامية جعل اليها النظر فى اجراء مصالح المة ، ومن خصائصها : انتخاب الخليفة ، كما فعل عبد الرحمن بن عوف فى تعيين الخليفة من الستة بعد عمر رضى الله عنهم

وأما المخالفون فى الدين من أتباع حكومة الاسلام فقدمنحهم الاسلام مساواة فى معظم الحقوق عدا ما روعى لهم فيه احترام شرائعهم فيما بينهم وعدا بعض الأحكام الراجعة إلى موانع المساواة ، وقد اختلف علماء الاسلام فى القصاص بين المسلم والذمى وجمهور العلماء ولاية الذمى ولايات كالكتابة ونحوها

وقد كان فى الأمم الماضية بعد الاختلاف بين الحكومات ورعاياها فى الدين حئلا دون نيل الحقوق ومودبا للاضطهاد / وقد قص التاريخ لعينا عدة اضطهادات من هذا القبيل كاضطهاد الأشوريين والرومان لليهود ، واضطهاد التبايعة للنصارى فى نحران وهم أصحاب الأخدود وتاريخ الاسلام مبرأ من ذلك

بعده



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت يوليو 10, 2021 9:01 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977


موانع المساواة فى الاسلام



موانع المساواة فى الاسلام كما أشرتاليه فى اول مبحثها تكون : جبلية وشرعية واحتماعية وسياسية

فالموانع الجبلية كموانع مساواة المرأة للرجل فيما لا تستطيع أن تساويه فيه بخلقتها مثل قيادة الجيش والقضاء عند جمهور المسلمين لا حتياج هذه الخطط إلى رباطه الجأش وكمع مساواة الرجل للمرأة فى كفالة الأبناء الصغار وفى استحقاق النفقة

والموانع الشرعية هى المغلولة لعلل أوجبتها وهى مبينة فى مواضعها من كتب الشريعة مثلا عدم المساواة فى اياته تعدد الأزواج للمراة وفى مقدار الميراث وفى عدد الشهادة ومثل عدم مساواة العبد للحر فى قبول الشهادة ،وكذلك أهل الذمة عند من منع قبول شهادتهم ومن منع القصاص لهم من المسلمين بالقتل

والموانع الاجتماعية تتعلق غالبا بالأخلاق وبانتظام الجامعة الاسلامية على وجه أكمل وجه ، كعدم مشاواة الجاهل للعالم فى الولايات الملشروطة بالعلم كالقضاء والفتوى وعدم مساواة العطاء بين أهل ديوان الجند فقد أعطاهم عمر على حسب السابقية فى الاسلام وحفظ القرآن

والموانع السياسية هى التى ترجع إلى حفظ حكومة الاسلام وسد منافذ الوهن أن يصل اليها كمنع مساواة أهل الذمة للمسلمين فى الأهلية للولايات التى يمنع منها التدين بغير الاسلام ، ومنع مساواتهم للمسلمين فى تزوج المسلمات ومنع مساواة غير القرشى القرشى فى الخلافة للوجه الذى نبه اليه أبو بكر رضى الله عنه يوم السقيفة ، إذ قال ( إن العرب لا تدين لغير هذا الحى من قريش ) قال إمام الحرمين فى الارشاد ( ومن شرائطها ( أى الخلافة ) عند أصحابنا أن يكون الامام من قريش وهذا مما يخالف فيه بعض الناس وللاحتمال مجال )

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يوليو 11, 2021 1:49 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977


المساواة بين اسلام وأوربا



أهابت دعوة الاسلام بالأمم وقد كانوا غافلين مستسلمين ففتحت أعينهم إلى ما فى معاملة سادتهم وكبرائهم إياهم من الاعتداء والغض ، فأخذ أولئك يقتربون إلى تقويم أود جبابرتهم والطموح إلى إصلاح أحوالهم ، وأخذ هؤلاء ينزلون عن صياصى الجبروت ويخفضون من غلوائهم ؛ فحدثت بذلك يقظة فكرية فى العالم اخترقت دعوة الاسلام أفكار الحضارة العالمية بطرق شتى :

منها تناقل الأخبار ، ومنها الجوار ، ومنها الدعوة بالكتب النبوية إلى ملوك الأمم المشهورة مثل الفرس والروم والجيش والقبط وملوك أطراف بلاد العرب فى العراق والشام والبحرين وحضرموت ، ومنها هجرة المسلمين الأولين إلى بلاد الحبشة ومنها الفتوح الاسلامية فى بلاد الفرس والروم والجلالقة (إسبانيا) والافرنج والصقالية والبربر والهند والصين

وقد كانت سيادة العالم حين ظهور الدعوة المحمدية منحصرة فى مملكتين الفرس والروم – وأما المملكة الفارسية فقد أوهمتها الحروب المدية بين الفرس والروم فى زمن سابور الثانى وأبناء قسطنطين الرومانى وأعقب تلك الحروب تنازعا مستمرا بين قواد الجيوش الفارسية إلى أن صار الملك إلى أبروير بن بهرام الذى اخذ يجدد ملك الدولة الفارسية ، وهو الذى كان ملكه فى وقت البعثة ، وكتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة المشهور مع عبد الله بن حذافة السهمى ، وأما المملكة الرومانية فقد بلغت من الاختلال فى الغرب اوائل القرن السادس مبلغا أشرف بها على الفوضى بتنازع قواد الجيوش السلطة ولم تأخذ فى تدارك صلاح أحوالها إلا فى زمن هرقل ( هيرا كليوس ) وقد كان ملكه فى عصر البعثة ،وهو الذى جرى بينه وبين أبى سفيان المحاورة فى شأن الاسلام كما تقدم وهو الذى كتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه المشهور مع دحية الكلبى

فكان لشيوع دعوته صلى الله عليه وسلم فى بلاد العالم أثران

الأول : أنها سهلت لكثير من الأمم الدخول فى دين الاسلام أو فى حكمه بما شاهدوا من آثار محامد سياسته لرعاياه مع عدم التشويش على أهل الأديان فى عقائدهم فتمكنوا بذلك خير تمكن من مخالطة المسلمين فى معظم شئون الحياة مخالطة خولت لهم مزيد الاطلاع على محاسن الاسلام وتربية اهله – وربما كان ذلك هو السبب فى إسلام كثير من المتدينين مثل نصارى نجران وتغلب وفضرة وغسان – ومثل يهود اليمن ومثل مجوس الفرس والبربر ، ومثل نصارى القبط والجلالقة والبربر ومن لم يدخل منهم فى دين الاسلام فهل سهل عليه الدخول فى ذمته

الأثر الثانى : كان من تناقل تلك الحوادث ومن نمازج الفرق من الأمة لواحدة أو من تمارج الأمم سمعه حسنة للاسلام ومعاملته ، فكان لتلك السمعة أثر جليل فى حقبة الممالك التى بقيت خارجة عن حكم الاسلام

ومن أمثلة ذلك ما تقدم من كلام زهرة بن حوية وما جرى بين يدى النجاشى من كلام أفصح به جعفر بن أبى طالب عن حقيقة الاسلام ومن جملة ما قال له : ( تكنا قبل الاسلام يأكل القوى الضعيف ) ومعناه فقد الحرية والمساواة قصمم النجاشى على حماية المهاجرين من المسلمين ورد صفراء مشركى قريش الذين جاءوا طالبين تسليمهم اليهم ، اقتبست الأمم من أسلوب الاسلام أساليب جديدا فى سياسة ممالكهم أفضت إلى تخفيف وطأة الاستبداد وإلى حصول خير كثير للبشر ؛ وشكلا جديد للمدنية كانت عاقبتهم ما نشاهده اليوم من رقى إلى معارج سامية

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يوليو 12, 2021 2:21 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977



علاقة الاخلاق والنواميس بالشرائع



يقول محمد زكى فى كتابه تاريخ القضاء لقد ذهب العلماء قديما إلا أن للأقليم بمائه وهوائه وارتقائه وانخفاضه ودرجة حرارته مفعولا كبيرا وتأثيرا بينا علىالمزاج والخلق الانسانى ، وقد خاض هذا الموضوع ووفت فى عضده على ما يثبت هذا القول الحكيم(أبوقراط) المولود سنة 664 ق.م وأفرد له كتابا خاصا ذكر فيه التأثيرات التى تنتاب الانسان من طبيعة الاقليم الذى ينزله . ولم ينفذ قوله فيه دون برهان قاطع وحجة لا تدفع على ما لها من الأثر فى الخلق والنمو والضعف والارتقاء والانحطاط وإن كان قد سبقه إلى التقلف فى هذا الموضوع كثير من علماء الهند والصين واليونان ومصر وفارس بدليل ما جاءت به آثارهم بيد أن كلامهم فيه كان يدور على الظن وهو عار عن الأدلة القاطعة ولكن أبا قراط سعه علمه فى الطب وجودة فراسته ساعدتاه على أن يقول القوم المعقول الذى أخذه عن مشاهدة الطبيعة وتأثيرها . واليك بعض ما قاله فى هذا المنحى

*( إن آسيا تختلف اختلافا عظيما عن أوروبا بطبيعة محاصيلها وطبيعة سكانها فجميع ما فيها اجمل وأكمل منه فى أوروبا . وأقليمها أجود ؛ وسكانها أرق طباعا : وأهدأ بالا وسبب ذلك اعتدال فصولها : )*

وهذا هو كلام ( أبى قراط ) ما يدل على أنه ذهب بذكائه وخبرته يستقرىء الطبيعة ويتفحمها فأخرج أمثال هذا القول الذى يعتمد عليه علماء هذا الزمان فى تقرير اشباة هذه النظرية وتمحص الزمان بعد ذلك بقرون عدة عن ابن خلدون وما رأى الدعوى وتبدت له صحتها حتى أيده فى رأيه وبسط الكلام عليا فى مقدمته المشهورة وجرى مجراه ووافقه على ما للطبيعة من السلطان النافذ والقوة الفعالة فى صحة الانسان وعقله وطبعه ولم يبق ريب بعدئذ فى أن للطبيعة كل هذا التأثير على الانسان وصفاته وأمياله وأنه ليس لنا إلا التسليم به لأن المشاهد والواقع تحت الحواس دليلان عادلان على مبلغه من الصحة ، وبعده من الخطأ هذا ولا يفوتنا أن نواميس الحياة برأت فى الانسان حب الدفاع عن نفسه : واضطرتهاليد القوى الطبيعية ، ولا يزال يدافع ويطلب النصرة لشخصه حتى يلفظ النفس الأخير ، ثم أن ميله إلى المخالفة لتباين أغراضه وأمياله عن سواه الذى هو أساس الظلم والاعتداء فلا يمكن أن يكف عنه ما دامت الننفس مملوءة بالشهوات ومولعة بحب الذابت ، وما دام الانسان بعيدا عن ردا يردعه أو زاجر يزجره قد أحدث فى نفسه الحاجة إلى وضع دستور أو أحكام يسير عليها ويقيم منه قوما ينظرون أموره ، ويكفون اعتدائه ، ويحفظون حقوقه ، ويردون ما سلب منه ، ويرضون مظلومه ويقيمون حدود الله ؛ فى سائر أنواع المعاملة حسب تلك الأحكام الوضعية التى احتاد إليها ليدرأ عن نفسه ظلم أخية فيستتب الأمن وتهدأ القلوب المضطرية فوضع الشرائع لذلك استنباطا وسن النواميس لهذا الغرض وعلى هذا الوجه اخذ يطب ماله ويعترف بما عليه

فيتضح لنا مما تقدم أن الانسان قد احتاج اليها بطبيعته فوضع رسومها موادها وأصولها وهى فى مجموعها المقياس الذى يدل على درجة أخلاق الأمة لخضوعها إلى الخلق والمزاج الانسانى ، ولأنها من قيضهما ، ولما كان كما سبق خاضعين لأحكام الناموس مستعدين منه روحيهما كانت الشرائع أيضا خاضعة لأحكامه

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يوليو 13, 2021 5:26 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977



اثر الشرائع فى الامم
وتطور انتقالها فى الاقطار



المعنا فيما تقدم إلى أن الأمة الواحدة كالفرد ، وانها بين الأمم الأخرى كما يكون الانسان بين اضرابه ، فترى فردا واحدا بزغ كالشمس من بين تلك الجموع الانسانية الكثيفة لنبوغه وما وصلت إليه عبقريته ، قيرسل عليها نور علمه وفضله ويبدو ظلام حهالتها كذلك ترى أمى من بين تلك الأمم ظهرت ظهور الفذ بين قومه تتبدى فى عليائها بين القوة والاقتدار فتشرئب لها أعناق تلك الأمم الضعيفة وتتطلع إليها لتقتبس من ضيائها وعارفها ، وتأخذ عنها ولو نسيا من نبوغها

ثم إن النظرية فى أن الضعيف يقلد القوى ويترسم خطواته ، ويسلك ما سلك من المناهج على أمل أن يتسنم ذروة مجده وعظمته وصحيحة ثابتة وذلك مشاهد أيضا فى الاجرام السماوية كما حققه علم الفلك فانك ترى الكواكب جميعها مجذوبة إلى الصديم الأكبر الذى تسلخت منه وتفرعت عنه بقوة الطبيعة ولنا فى الأمم الآن مندوحة فان انجلترا والمانيا مثلا لما هما عليه من القوة والمعرفة لا ترى الأمم الضعيفة بدا من أن تندفع اليهما بدافع قوة كامنة فى طلب العمران فنأخذ عنهما كل امورها وتقلدهما فى نظاماتها وتتاجر معهما لتتبصر فى صنعها وأسباب تقدمها ورقيها فتقتبس ما يوافق طبيعتها لتدرك ما أدركنا وهذا من قبيل التشبيه والتمثيل

الامة الاسلامية أرفع الامم على الاطلاق

ولا يخفى أن فى الماضى كان النبوغ فى الأمم نادرا جدا وكان الزمان يقتصر على أن يبعث أمة واحدة من الأمم لعديدة تكون صاحبة الحول والطول والسلطان ، فتنفرد بحكم معظم العالم وأممه إن لم نقل كله

وكانت هذه المم الضعيفة لا تجد إلا أن تميل إليها كل الميل اضطررا وأن تأخذ عنها وكان اول شىء تستطيعه للتقرب منها والزلى إليها الماجرة معها ، فتتهافت على سلعها ومصنوعاتها ويتجلى من بين البيع والشراء احتكاك فى الآراء والافكار ، فتنتج عنه ثورة فكرية وحب اطلاع على احوالها الاجتماعية ينتهيان باقبتاس النواميس والنظامات التى تسير عليها ويكون النجار إذا ذاك الوساطة فى نقلها إلى بلادهم ،ولنا فى إسبانيا والاندلس والحروب الصليبية خير شاهد على ذلك ، فان الدول الغربية بأسرها لم تنهض فيها المعارف وتتبوأ المكانة السامية من الهيئة الاجتماعية إلا بعد أن جرى عليها هذا المجرى الذى قررناه والتاريخ أصدق شاهد

وهناك أمران خليقان بالاعتبار لهما دخل كبير فى انتقال الشرائع من قطر إلى آخر وذلك إما بالغزو او الهجرة . فالأمة التى تغزو إذا كانت على مدنيةوعلم وافرين ثم غلبت المغزوة على أمرها أدخلت فيها شرائعها وقوانينها كما كانت الحال فى مصر بعد ما فتحها المسلمون ويرها من البلدان والممالك . وأما إذا كانت الأمة للغزوة صاحبة طول وحول ثم انقسم أهلها على أنفسهم أو أمراءها فشن الغارة عليهم قوم من غير جنسها بغية استئنارها ثم دارت الدائرة على المغير رجع إلى مغنمه يحمل كل معرفة أوامر ممهد إلى نظام الاجتماع , وليس هناك دليل أقرب الينا ون كثرت الأدلة على ذلك مما حمله الصليبيون غلى بلادهم من الآثار الاجتماعية الاسلامية ونظاماتها التى لا يزال اهل الغرب يأخذون فى معاملاتهم وحقوقهم بأهدافها

وكذلك فى الهجرة وأسابها كثيرة ما لضيق الحال كما انتاب سكروبيس المصرى ورأى ألا يفرجها ويوسع من صدرها ير الهجرة فهجر بلاده إلى اليونان مع أنيه ونقل إليهم الشرائع المصرية أو لأمر سياسى ذى بال كما قضى على ليكورغ بنزول مصر لما وقع بينه وبين زوجة أخيه من الشحناء ، وقد اكتسب باستيطانه بلادنا – ما صيره متشرعا نافعا لبلده ؛ أو لطلب العلم كهردة سولون إلى مصر واقتباسه الفلسفة والتشريع وقد دخل بلاده بعد طول القيبة قاضيا أصوليا ومتشرعا قادرا ، وحكيما فذا ، أولما هو أعلى واغلى من ذلك جميعا كهجرة حضرة النبى صلى الله عليه وسلم التى هى السبب الأول فى كل خير وصل ويصل إلى العالم اجمع وكانت فواتحها بر ومفاتحها عز ونصر وسيأتى معنا تفصيل فى موضوعها فى هذا الكتاب إن شاء الله

هذا ما قد رأينا من الاسباب الجوهرية التى دعت إلى انتقال الشرائع مع أمة إلى أمى أخرى حتى انتشرت ودبت بين عقول الخلق فعرفوا وعملوا بها

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس يوليو 15, 2021 4:56 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977

العوامل النفسانية فى قبول الشرائع



قلنا فيما سبق إن للناموس دخلا فى الشرائع ووضعها وذلك جريا مع الفواعل الطبيعية التى لا تؤثر فى أخلاق الأمة وعوائدها والآن بعد أن أثبتنا كيفية انتقالها من قطر إلىآخر رأينا أن نذكر ان الشرائع المنتقلة لا يمكن الأخذ بها أواتباعها إلا بعد عاملين كبيرين إما بالضغط الشديد من الفاتح الغاضب كما فعل الرومان بمصر وإما بعد طول الزمن وتطور الأمة فى خلاله بتكور حديث يلائم حالة النظام التشريعى الجديد القارىء الكريم أننا فى ذلك تذهب إلى مذهب مضاد لمن يقول أن شرائع الأمة العظيمة ذات القوة الموفورة والرقى الأسنى خليقة بأن تكون لجميع الأمم والشعوب هاديا ومرشدا وما اضطرنا غلى ذلك إلا ما أبداه التاريخ والحياة القومية من استحالة العمل بها مباشرة ولا يخفى أن اختلاف الأقاليم وطبيعتها احدثا اختلافا أيضا بينا فىأخلاق وطبائع وعوائد سكانها وما كان يصلح لأخل الأقليم الحار لا يمكن أنيستقيم أو يصلح لأخل الاقليم المعتدل أو البارد ما دامت الحياة القومية والعوائد والاخلاق تقف فى وجه هذا فلا تدعه يتطرق إلى العقول او ينساب إلى تكوين الامة الاجتماعى ، لذلك فالشرائع التى تكون من طبيعة الشعب وعواطفه واساليب عيشة ووجوه حياته ووسكه يستحيل اذا انتقلت إلى أمة أخرى متباينة فى منازعها أن تقع موقع القبول وتنزل منها منزلا مرضيا

ومن نظر قليلا إلىما فعله سكروبيس بعد نزوله إلى اليونان وإدخاله الشرائع المصرية بين أهلها يجد ان الرجل نظر هذه النظرة وراعى تباين الاخلاق والعوائد فعمل على الوفاق بينهما وجعل للزمن يدا فيه ، فأنشأ أولا حيا مصريا مكون من عدة بلاد يسكنها بنوه ثم أجرى بينهم الشرائع المصرية لموافقتها لهم ، وليدخل الصلات بين الفريقين تزوج من أخت الملك فنحى نحوه بنوه واختلطوا بأهل البلاد وتزوجوا من بناتهم أيضا فحدث من بين هذا الاختلاط على توالى الأيام اتقاق فى العوائد والاخلاق ، وأخذ يضمل الفرق رويدا رويدا إلى أن أصح الاثنان ممتزجين فى منازعهما ومتفقيه فى أغراضهما هنالك أمست الشريعة المصرية بعد التعديل الذى أدخل عليها صالحة لهم وموافقة لحالهم

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس يوليو 22, 2021 5:16 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977



سياسة عمرو بن العاص

فى القضاء على الشرائع والقوانين الوضعية بالتشريع الاسلامى



ولنضرب مثلا آخر أقرب . مأخذا فى التاريخ : وأصدق مبنى وأشهر ذكرا . وذلك أنه حين ما دانت البلاد المصرية لعمرو بن العاص كان القضاء فيها حب الشرائع الرومانية وكان عمرو مع نفر قليل جدا بالنسبة لسواد الأقباط الذين كانوا ينيفون على السبعة ملايين ، فلم يشأ أن يغير حالتهم الاجتماعية وطرق التقاضى فيدخل عليهم الشرائع الاسلامية باعتباره فاتحا قادرا ولكن أبدى لهم رضاءه عن شرائعهم التى يتعاملون بها واجازها لهم ثم أظهر ما دل على قدرته فى السياسة ولطف الرأى وحسن التصرف إذ عين فى كل بلد قاضيا من القبط لينظر أموره وقضايا أهله وكان إذا وقع خلاف بين قبطى وعربى كان يتحاكمان إلىملجس مؤلف من قضاة الجنسين وهكذا كانت طيقة الفصل فى قضايا المصريين إذا ذاك ، الأمر الذى جعل جوستاف لوبون يقول فى بعض أقواله ( ولقد كان المسلمون أعقل من ساسة هذا العصر وعلمائه فان جميع الممالك التى فتحوها أخذوا داعا على أنفهسم أن يبيحوا للأمة المهزومة البقاء على شرائعها والاستمساك بآدابها وعاداتها ومعتقداتها ) تمشيا مع التسامح الذى هو عندهم من المبادىء السامية التىتدين لها العالم

وقد لبثت الحال على ذلك حتى أسلم خلق كثير من القبط ونزجت القبائل العربية وتعاملت فيها مع أهلها فتغيرت العوائد من شدة الاحتلاط فعندئذ سادت الشرائع الاسلامية فى هذا القطر إلا فى المسائل الدينية البحتة التى تتعلق بالديانة المسيحية

فهذا فى المثلان التاريخيان مع قلتما فانهم تبيان لصحة هذه النطرية التى توجب على كل حكومات العالم أنتراعى أخلاق أممها وعوائدها فى وضع القوانين وسن الشرائع لها أو نقلها غليها ، لأن ما يوافق روحها الاجتماعية يكون أسرع للقبول من كل مجموع الأمة واسهل تناولا وأنت لا يمكنك أن تجد هذا بحال من الأحوال فى أية شريعة من الشرائع ولا قانون من القوانين إلا فى القانون الاسلامى والشريعة الاسلامية

الدين والاخلاق بين القانون الاسلامى والقانون الوضعى



ذلك لأن القانون الاسلامى يمتاز عن القانون الوضعى بله قوانين والشرائع الوضعية وغيرها يتناول أصوله وقواعده علاقة الانسان بخالقه وعلاقته بنفسه فوق تناوله لما تعرضت له القوانين من العلاقات الاجتماعية الخاصة والعامى

فعلاقة الانسان بخالقه ينظمها ما وردت به الشريعة الاسلامية من العبادات والعقائد كاعتقاد الوحدانية والقدرة والكمال والتنزه عن النقائص لله سبحانه وتعالى ؛ وكالرضاه بالقضاء والقدر والايمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وغير ذلك ، وقد حمع أصول العقائد الدينية وألم بابحاثها علم العقائد ويسمى على التوحيد وعلى الكلام

أما العبادات العمليى ( من الصلاة والزكاة والحج وترك المحرمات ونحو ذلك فقد تعرضت لبيانها وتفصيل جزئياتها كتب الفقهالاسلامى وجلت لها قسما خاصا بها يمسى العبادات
وعلاقة الانسان بنفسه ينظمها ما وردت به شرعة الدين من الحث على الفضائل الخلقية والكمالات النفسية التى تؤدب النفوس وتكلمها وتخلصها من رجس المفاسد وتستنقذها من ادران النقائص ، من الصدق والاحسان وطلاقة الوجه وكف الأذى وبذل المعروف والحياء والأحسان إلى الوالدين وتنفيس كربة المسلم وأن يحب المرء لكل انسان ما يحب لنفسه وصلة الرحم والاحسان إلى الجار وبذلك المعونة وستر عيوب الناس وعيادة المريض والصدقة على الفقير وبذل النصيحة عن إخلاص وإطعام الطعام وإفشاء السلام وترك الكذب والغيبة والنميمة والحسد والفجور وإيذاء الناس إلى غير ذلك مما هوموضوع الاخلاق والآداب ،وإنما سمينا هذه العلاقة بعلاقة الانسان بنفسه – وإن كانت من العبادات والقربات التى يثبا عليها المؤمن ويتقرب إلى الله – جريا على اصطلاح القانون فى تسميتها ولأنها أمور ترجع إلى تهذيب النفس وتربيتها بالآداب ومحاس الأخلاق .

وإنما لم تتعرض القوانين الوضعية لهاتين العلاقتين لأنها لا تتصدى إلا إلى ما هو ضرورى لحياة المجتمع البشرى وصيانته وترقيته ويرى مشرعوها أن العبادات الدينية لا دخل لها فى ذلك –
أما العلاقة الأخرى فيرونها من الآداب التى ليست ضرورية لحياة المجتمع وله منها بد وعن تنظيم القانون إياها مندوحة

فليس للقانون أن يرتب على مخالفتها جزاء قانونيا ، ولكن عقاب المخالف لها أدبى كززاية الناس واحتقارهم لمن يخالف العادات والآداب المألوفة – اللهم إلا ما صدر من هذه الآداب والمسالك ضروريا للمجتمع فان القانون مغلبق حينئذ أن يتناوله بأحكامه ونصوصه ،إما من طريق العادة أو التشريع فلا ينبغى للقانون أن يحتم على الناس أن يصدقوا أو يصدقوا أو يتركوا الحسد والكذب ولو فشت خصلة من هذه الخصال أو عدمت فى أمة من الأمم ما كان ذلك مءثرا فى كيانها وإن كانت مكارم الأخلاق تسكبها كمالا أدبيا ، ورذائل الخصال إذا فشت تحدث نقصا فى آدابها وغضاضة فى كرامتها ولكن حياتها مع ذلك تبقى موفورة وكيانها الاجتماعى يستمر محميا بالقانون والتشريع

هذا ما يقول أهل القانون فى علاقة الآخلاق بالقانون الوضعى ، فهم يرون أن كلا منهما فى ناحية وليس باحدهما حاجة إلى الآخر ، والواقع الملموس أن القانون والأخلاق يتعاونان على حفظ كيان المجتمع البشرى ويتساندان فى توفير السعادة والرفاهه له ،واليك بيان ذلك :

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد يوليو 25, 2021 5:23 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977


( الاداب والاخلاق وحاجة المجتمع اليها )



لم نقل تمتاز الشريعة الاسلامية بتنظيمها هاتين العلاقتين عبثا من القول ولكن لما هو أوضح من الشمس فى رائعة النهار ، من ظهور آثارهما فى تقويم النفوس وتحضير بداوة الطباع وتنقية القلوب من جفائها وجلاء الضمائر والذمم من أصدائها ولهما أيضا آثارهما فى آداب السلوك العامى ، ولا أظن مجتمعا معما ارتقى به التشريع واحيط بسياج من القانون يخلو من هذه الشمائل والفضائل إلا انحط إلى درك الضعف والاستكانة وتقنع بالحقارة والمخانة ، يدل على ذلك أنه قد اصبح رقى الأمم يقاس برقى آرائها وأخلاقها والتاريخ يشهد أن أسباب عظيمة الأمم ترجع إلى الأخلاق والتقاليد التىتكون عظمتها وتبنى سادتها . قال ( جيوستاف لوبون ) فى كتابه سر تطور الأمم ) : لقد بدأت عوامل انحطاط الأمة الرومانية فىالوقت الذى ازدهرت فيه العلوم وكثرت الشعراء والفلاسفة بها فيه لأن أخلاقها وتقاليدها التى كانت تبنى عليها عظمتها بدأت فى الانحلال )

ومن أجل ذلك عنيت الشريعة الاسلامةي بالأداب والأخلاق التى كان لها الأثر اكبر فى عظمة الأمة العربية والدول الاسلامية التى كانت معتصمة بحبلها مستمسكة بعزاها
ومن المعلوم أن القوانين الوضعية قد سايرت الشريعة الاسلامية فى المحافظة على ما هو ضرورى للمجتمع وجعلت الشريعة الضروريات التى يجب المحافظة عليها خمسا ( الدين والنفس والعقل والمال والنسل ) والقوانين الوضعية تساير الشريعة فى المحافظ على هذه الأمور الخمسة غير أنها قد تخالف الشريعة فى نوع الفكرة دون جنسها أو فى طريقة المحافظة
فالمحافظة على الدين فى القانون معناها تمتع كل إسنان بحرية الاعتقاد له ان يعتقد ما شاء ويدين بأى دين شاء أما المحافظة على الدين فى الشريعة الاسلامية فهى ألا يترك الدين الاسلامى من دخل فيه بالاتداد والا استوجب العقاب الشرعى ، فالقانون يحافظ على مطلق الدين الذى يدين له الانسان والشريعة تحافظ على دين معين لا نرى فى سواه السعادة الحقة وتترك للانسان حرية الدخول فى الاسلام ( لا إكراه فى الدين قد تبين الشرد من الغى ) والمحافظة على الدين فى الشريعة هو الأصل فى وجوب قتل المرتد وقتال المرتدين والخوارج على الدين الاسلامى

فهنا اتفاق بين الشريعة والقانون فى جنس الفكرة دون نوعها – ويرجع هذا الخلاف إلى الخلاف بينهما فى مبدأ حد الحرية الشخصية فالشريعة ترى أن حد الحرية الشخصية ألا يضر الانسان بنفسه ولا بغيره لأن إلقاء النفس إلى التهلكة والضرار محرمة فى الشريعة بالنصوص القطعية – والقانون يرى أن حد الحرية الشخصية ألا يضر الانسان غيره فقط – ولما كان الاتداد عن الدين الاسلامى فيه إضرار بالنفس وإلقاء بها فى البقاء الأيدى بعد أن تبينت هدى الاسلام ووقفت على مزاياه واقتنعت بأنه سبيل السعادة الحقة كان هذا من بابا إلقاء النفس إلى التهلكة ولم يكن داخلا من دائرة الحرية الشخصية التى تخير من لم يدخل الاسلام وتمنحه الحرية فى ألا يدخله لأنه لم يتذوق بعد حلاوته ولم تشرب نفسه الاعتقاد بأنه حق وسعادة جلبهما نفسه بترك الدخول فيه

والمحافظة على النفس فى القانون يتظمها قانون العقوبات وقانون تحقيق الجنايات – والمحافظة على العرض داخله فى النفس – أما المحافظة على النفس فى الشريعة فبالقصاص والديات وسائر العقوبات الجنائية الداخلة فى قوله تعالى ( والجروح قصاص ) وبالحدود الشرعية وتحريم الانتحار وإباحة أكل الميتة لمضطر ، والمحافظة على العرض بعقوبة القذف إلى غير ذلك ، واختلاف نصوص العقوبات فى الشريعة والقانون يرجع إلى اختلافهما فى طريقة المحافظة

بعده


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: كتاب تاريخ الجندية الإسلامية ( حسن محمد قاسم )
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء يوليو 28, 2021 9:11 pm 
غير متصل

اشترك في: الثلاثاء يناير 06, 2009 4:44 pm
مشاركات: 4977

الغاية القوصى التى تتطلبها القوانين

الاسلامية والمثل العليا التى ينشدها التشريع الاسلامى



الأمم إذا تنسمت فيها روح الحياة ،وأنعشتها اليقظة بعدالرقدة والهمة بعد الخمول وشعرت بكيان لها جامع تحتاج إلى ما ينظم علاقات أفرادها بعضهم مع بعض ، وإلى ما يصون حرية الفرد ويحفظ حقوقه – كل ذلك لا يكون إلا بتشريع محكم القواعد – رصين الأساس – يسير مع سنن الطبيعة فى مصلحة الفرد

وهذا النظام الطبيعى أوالقانون البشرى رأيناه نافذ المفعول فى الجزيرة العربية بعد أن سكن أقوتها المستعر واستسلمت أهواؤها البائرة إلى نور الحق واليقين ، أو بعد أن زهق الباطل ،وظهر الحق وأضاءت الدعوى الاسلامية ربا الجزيرة وسهولها ودخل تحت لواء صاحب الدعوة افواد العرب وقبائلها

رأى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يظهر للمسلمين تشريعا غنيا ينظمه مترعا بقواعد السياسة العادلة فكان ما أراد وإذ به تشريع مبين هو صوب الحكمة ونتاج العبقرية

أما دعائم هذا التشريع فثلاث كتاب الله المحكم وسنة الرسول الأعظم والاجتهاد الذى مهد طريقة ودعا إليه بالقول والعمل والتعزير .وكتاب الله وحجة رسوله الخالدة كان المصدر العام والينبوغ الثجاج فى التشريع الاسلامى لا شتماله على الأسس الثابتة والقواعد المجملة التى يبنى عليها تنظيم الشئون العامى للدولة وهذه الأسس فلما تختلف فيها أمة عن أمة أو زمن عن زمن تلك الأسس قوله تعالى

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولى الأمر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول وقوله إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل

وقوله وشاورهم فى الأمر ،وقوله فى التشريع المدنى يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الاثنين إلى غير ذلك من النظم القويمة التى استسلمت منها الأحكام التشريعية

وهذه الأسس انما جاءت مجملة الأحكام يتسع لأولى الأمر أن يضعوا نظمهم ويشكلوا حكومتهم بما يلائم الحالة ويتفق والمصالح غير متجاوزين العدل والشورى والمساواة

أما بالسنة النبوية فقد كانت منار التشريع الساطع والهدى الذى اهتدى به المسلمون فلقد تناولت جميع المناحى التى يحتاجها البشر فى النظم والقوانين ووصلت إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه البحث العلمى الدقيق وهنا برزت مواهب الشاعر الأعظم وظهرت عبقريته فبهرت العالم بما جاء به من توضيح لأى القرآن الكريم واستنباط الأحكام ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين لهم ) ولم يقتصر على الأعتراف من هذا البحر الخضم بل جاء بدساتير مكملة رصينة الوضع والأحكام لم تتوصل إليها ممالك كثيرة حتى ولو خطب فى المدينة وحصلت على قسط وافر من الرقى والعمران

بل لا تزال قوانين اغلب الأمم المتمدنة خالية منها طنظم المواريث والوصايا الملائمة للعقل والمنطق وقد شملت تشريعه عليه الصلاة والسلام الحقوق المدنية واقسامها وبنى كل تلك النظم على دستور أساسى وهو دره المفاسد وجلب المصالح وهو دستور عام يفسح مجالا واسعا للمسلمين فى اتباع ما ينير سبلهم ويءمن مصالحهم

بعده



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 116 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة السابق  1 ... 4, 5, 6, 7, 8

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 2 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط