موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 6 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. صدقاً
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت يونيو 13, 2020 5:12 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. صدقاً صدقاً

الإيمان بسيدنا النبي ليس شرطاً لدخول الجنة، الخمر طالما لم يسكر شاربها فهي حلال ، كل واحد حر ياخد بأي رأي فقهي هو عايزه - وكأن الناس كلها النووي وابن حجر- ، وآخر المتمة أن كل واحد حر في عبادته مع ربنا وما دام كل واحد حر وربنا كفل حرية الإعتقاد لكل الناس يبقى كل الناس مسلمين وكل الناس موحدة بالله اللي بيدخل مسجد ويصلي لله مسلم وموحد بالله واللي بيدخل كنيسة ويصلي لله مسلم وموحد بالله ودي آخر حاجة سمعتها من صاحب الفتاوى السابقة أظن حضراتكم عرفتم أنا بتكلم على مين ..... أيوه هو ده

طبعاً هو حر يقول اللي يقوله وطبعاً أنا مبتكلمش عن حرية الإعتقاد كل واحد حر يتعقد كما يشاء ويعبد كما يشاء وعند الله تجتمع الخصوم

لكن المشكلة في إن أنا لقيت ناس للأسف الشديد متأثرة بالكلام ده ومصدقاه وبتعتقد فعلاً أن غير المسلمين موحدين وهيدخلوا الجنة يعني ببساطة شديدة ممكن بعد كده نلاقي ناس بتقول ما دام كل مسلم وكل حلو طب ليه أنا منقلشي على الدين الفلاني وأهو كله في الآخر هيدخل الجنة؟! وهذا هو بيت القصيد من هذه المشاركة

وهو توضيح - من خلال علماء الأمة على آختلاف العصور - أن الدين الحق والدين الخاتم هو فقط دين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن أتباعه هم فقط المسلمون الموحدون وكل ما سوى الدين المحمدي باطل وما بني على باطل فهو باطل والله حق لا يقبل الباطل

منهج هذا الرجل صاحب الفتاوي يذكرني بمنهج ابن الزبعري ... فما هو منهج ابن الزبعري؟

سيرة ابن هشام (1/ 359 - 360)

[ مَقَالَةُ ابْنِ الزّبَعْرَى ، وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ حَتّى جَلَسَ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى : وَاَللّهِ مَا قَامَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ وَقَدْ زَعَمَ مُحَمّدٌ أَنّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنّمَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى : أَمَا وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته لَخَصَمْته ، فَسَلُوا مُحَمّدًا : أَكُلّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ فِي جَهَنّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا ، وَالنّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ( عَلَيْهِمَا السّلَامُ ) ،فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى ، وَرَأَوْا أَنّهُ قَدْ احْتَجّ وَخَاصَمَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزّبَعْرَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ( إنّ ) كُلّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ إنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ الشّيَاطِينَ وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ { إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } أَيْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَعُزَيْرًا ، وَمَنْ عُبِدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ الّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللّهِ فَاِتّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ . وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنّهَا بَنَاتُ اللّهِ { وَقَالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } إلَى قَوْلِهِ { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ } وَنَزَلَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَعَجَبِ الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجّتِهِ وَخُصُومَتِهِ { وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ } أَيْ يَصُدّونَ عَنْ أَمْرِك بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ثُمّ ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَقَالَ { إِنْ هُوَ إِلّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } أَيْ مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السّاعَةِ يَقُولُ { فَلَا تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }.أهـ

يتبع بمشيئة الله..


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. ص
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء يونيو 17, 2020 10:37 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

هذا الرجل قال أيضاً في فتواه الأخيرة التي نقلتها في المشاركة السابقة أن دين الإسلام ليس ناسخاً لما قبله من الأديان وأن شريعة الإسلام ليست ناسخة لما قبلها من الشرائع

وفيما يلي بيان لرأي الكثير من علماء الأمة المحمدية وأن هذا الرجل مخالف لما عليه جمهور الأمة المحمدية سلفها وخلفها

التفسير الوسيط - مجمع البحوث (1/ 536 - 538)

19 - {إن الدين عند الله الإسلام ... } الآية.

المعنى: إن الملة المرضية عند الله - هي الإسلام .. فلا يقبل من أحد دين غيره "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه". فليس لأحد من أهل الكتاب أن يتمسك بملته بعد ما أنزل الله دستوره القرآن ناسخا لما قبله من الأديان والشرائع،كما أنه ليس للمشركين أن يتمسكوا بشركهم: "إن الشرك لظلم عظيم" فلا يرضاه الله لأحد دينا.

وكما أن الإسلام هو دين هذه الأمة الذي رضيه الله لها، فهو دين جميع الأنبياء والمرسلين وأممهم من قبل محمد، فهو دين الله دائما في جميع الأزمان، لاشتماله على توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد، واحتوائه على أصول الشرائع المشتركة بينهما .. أما الفروع، فإنها مختلفة، تبعا لاختلاف الأمم.
قال تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا"، فإن ما يصلح منها لأمة، لا يصلح لأمة أخرى.
فالصيام مشروع في جميع الأديان، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأمم.
والميراث مشروع في جميع الشرائع، ولكن كيفيته تختلف باختلاف الأمم.
وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الأحكام.

وبالجملة، فالأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" والمعنى: أنهم إخوة في الدين، وإن تفرقت الأمهات. ولعله يقصد الأمهات: الأمم التي بعثوا فيها. ويدل لذلك قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه".

(وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم):

المعنى: كان أهل الكتاب مجمعين - فيما بينهم - على الإسلام إذا جاءهم رسوله الموعود به في كتبهم.
وكان فريق منهم - وهم اليهود - يعادون مشركي المدينة .. وكانت تحدث بينهم حروب، فيقولون: اللهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان. ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وكان هذا حالهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ودعائه الناس إلى الإسلام: الذي جاء به مصححا للأخطاء المتعمدة التي اقترفوها في دينهم، كدعواهم بنوة عزير وعيسى، لله تعالى .. فحسدوه صلى الله عليه وسلم، لأنه من ولد إسماعيل، وليس من ولد إسحاق عليهما السلام.

واختلفوا في أمر الإسلام: فمنهم من آمن به كعبد الله بن سلام، وزيد بن سعنة، من أحبار اليهود وغيرهما. ومنهم من كفر به وهم أكثرهم. وكان كفرهم هذا من بعد ما جاءهم العلم اليقيني بأنه الحق، إذ أتاهم على وفق أوصافه ونعوته في كتابهم. وكان هذا أقبح القبح منهم. وإن الجحود - بعد العلم - أشنع من الكفر عن غفلة أو جهالة.

وكان اختلافهم فيه - بعد ما أتاهم العلم - إلا بغيا وحسدا فاشيا بينهم، لا لشبهة تقتضيه .. وصدق الله إذ يقول: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما.

(ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب):
ختم الله الآية بهذا الوعيد.

والمعنى: ومن يجحد آيات الله - الشاهدة بأن الإسلام هو الدين عند الله فلا يؤمن به - يعاقبه الله عن قريب، فإنه سريع الحساب ومن كان سريع الحساب، كان سريع العقاب، قريب الجزاء. وقد نفذ الله وعيده فيهم، فقتلوا، وأخرجوا من ديارهم حول المدينة ... وما ينتظرهم من الجزاء في الآخرة أعظم.

20 - {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ... } الآية.

المعنى: فإن جادلك أهل الكتاب، أو جميع الناس في الدين بعد ما جاءهم العلم به، وظهرت لهم براهينه، فقل لهم: أسلمت وجهي لله، أي أخلصت ذاتي ونفسي له، ومن آمن معي أخلصوا له أنفسهم كذلك.
وإطلاق الوجه على الذات كلها، لأنه ترجمان النفس، وعليه تظهر آثارها، وهو من إطلاق اسم الجزء على الكل لأهميته.

والمراد من الآية: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لأهل الكتاب ذلك، ليعلموا أنه ليس مسئولا عن انحرافهم وكفرهم، وأن تبعة ذلك عليهم وحدهم، وأنه سائر في طريق عبادة الله وحده هو وأتباعه، دون اكتراث بضلالهم، لأن المحاجة والجدل معهم لا فائدة فيهما، بعد ما جاءهم العلم بأن ما عليه هو الحق.

(وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد):

المعنى: وقل يا محمد - لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وللأميين - وهم مشركو العرب: الذين عرفوا بهذا الوصف، لعدم معرفة سوادهم الأعظم القراءة والكتابة - قل لهم - بعد ما أعلمتهم بترك المحاجة معهم وبإسلام وجهك وتابعيك لله تعالى - هل أجدى معكم هذا وأسلمتم متبعين لي كما فعل المؤمنون، فإنه قد جاءكم من الآيات ما يقتضي الإسلام، أو أنتم لا تزالون مصرين على العناد والكفر؟.
وهذا كما تقول - إذا لخصت لسائل مسألة بعد ما بينتها له بسعة وإفاضة - هل فهمت ما قلته لك؟ وذلك على نظام قوله تعالى: "فهل أنتم منتهون" بعد تفصيل الصوارف عن تعاطي ما حرم الله تعالى.
وفي ذلك توبيخ واتهام لهم بالبلادة وجمود القريحة.
فإن أسلموا متأثرين بذلك، فقد اهتدوا إلى الحق بإسلامهم، وخرجوا مما كانوا فيه من ضلال.
وإن أعرضوا عن الإسلام فلا يضرك إعراضهم، فما عليك إلا تبليغهم، وقد فعلت، فخلصت بذلك من التبعية.أهـ

التفسير الوسيط - مجمع البحوث (1/ 611 - 613)

85 - {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}:

ومن يطلب دينا غير دين الإسلام يتدين به: عقيدة وعملا، فلن يقبله الله منه، لأنه غير ما شرعه الله لخلقه. وإذا كان الله لا يقبل دينا غير الإسلام - فكل من دان بغيره، يكون في الآخرة من الخاسرين، لأنه محروم من الثواب، خالد في العقاب.

روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسه بيده، لو أصبح فيكم موسى بن عمران، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم".وروى أبو يعلى، والبزار، وأورده ابن كثير: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وفي رواية: "لو كان موسى وعيسى حييين لما وسعهما إلا اتباعي".

{كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89)}.

المفردات:
(لعنة الله): أي الطرد من رحمته.
(ولا هم ينظرون): أي ولا هم يمهلون. فعذابهم موصول مستمر. أو لا ينظر إليهم، ولا يعتد بهم.

التفسير
86 - {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86)}:

سبب النزول:
أخرج عبد بن حميد وغيره، عن الحسن: أنهم - أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى - رأوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم، في كتابهم، وأقروا وشهدوا أنه حق. فلما بعث من غيرهم، حسدوا العرب على ذلك. فأنكروه. وكفروا بعد إقرارهم.

والمعنى: أي سبيل لأن يهدي الله قوما كفروا بمحمد، بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، امتثالا لما جاء في كتبهم، وعلموا أن الرسول محمدا حق حينما رأوه - بعد مبعثه - مطابقا لما جاء عنه في كتبهم، وجاءتهم الآيات الواضحات والمعجزات الشاهدات بصدقه!! والله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ما داموا مصرين على عنادهم وحسدهم للرسول، على ما آتاه الله من فضله.أهـ

تفسير الشعراوي (1/ 371)

وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية. . كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتصديق بدين الإسلام. . فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض. . ويجعلها مركزة في دين واحد. .

الذين آمنوا بهذا الدين: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} . . والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن. . وهذا إعلان بوحدة دين جديد. . ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة. . أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه. . ولم يؤمنوا بالدين الجديد. . لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة. . ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة. . جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. . بما فيهم المجوس والذين أشركوا.

والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن. . عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام. . وهو يظن أن هذا الدين نافعه. . نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] وقوله جل جلاله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [آل عمران: 19]

إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت. . فالذي آمن بمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. . لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة. . والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة}.أهـ

تفسير الشعراوي (1/ 426)

وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كافر. . لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} [آل عمران: 85].أهـ

تفسير الشعراوي (1/ 532)

هم قالوا {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} . . عندما يقول الله لهم بلى فمعنى ذلك أن هذا الكلام غير صحيح. . وأنه سيدخلها غير هؤلاء. . وليس معنى أنه سيدخلها غير اليهود والنصارى. . أن كل يهودي وكل نصراني سيدخل الجنة. . لأن الله سبحانه وتعالى قد حكم حينما جاء الإسلام بأن الذي لا يسلم لا يدخل الجنة. . واقرأ قوله جل جلاله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} [آل عمران: 85]
لماذا لم يقل الله سبحانه وتعالى. . أنه لن يدخلها اليهود ولا النصارى. . لأن القرآن أزلي. . ما معنى أزلي؟ . . أي أنه يعالج القضايا منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة. . فالقرآن كلام الله تبارك وتعالى. . فلو أنه قال لن يدخل الجنة إلا من آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لكان في هذا تجاوزٌ. . لأن هناك من آمن بموسى وقت رسالته وعاصره واتبعه وحسن دينه ومات قبل أن يدرك محمدا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
فهل هذا لا يدخل الجنة ويجازى بحسن عمله. . وهناك من النصارى من آمن بعيسى وقت حياته. . وعاصره ونفذ تعاليمه ومنهجه ثم مات قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. . أهذا لن يدخل الجنة؟ . . لا. . يدخل وتكون منزلته حسب عمله ويجازى بأحسن الجزاء. . ولكن بعد أن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وجاء الإسلام ونزل القرآن، فكل من لم يؤمن برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لن يدخل الجنة. . بل ولن يراها.
. ولذلك جاء كلام الله دقيقا لم يظلم أحدا من خلقه.أهـ

تفسير الشعراوي (3/ 1595 - 1596)

إن الغاية التي تسعد العالم كله هي دين الإسلام، ومن يرد دينا غير ذلك فلن يقبله الله منه.

فإن كان هناك من لا يعجبه تقنين السماء ويقول مندهشا: إن في هذا التقنين قسوة؛ إنك تُقطع يد إنسان وتشوهه نرد على مثل هذا القائل: إن سيارة تصدم سيارة تشوه عشرات من البشر داخل السيارتين، أو قطار يصاب بكارثة فيشوه مئات من البشر.

ونحن عندما نبحث عن عدد الأيدي التي تم قطعها في تاريخ الإسلام كله، فلن نجدها إلا أقل كثيرا من عدد المشوهين بالحوادث، وأي ادعاء بالمحافظة على جمال الإنسان مسألة تثير السخرية؛ لأن تقنين قطع يد السارق استقامت به الحياة، بينما الحروب الناتجة عن الهوى شوهت وأفنت المئات والآلاف، إن مثل هذا القول سفسطة، هل معنى تشريع العقوبة أن يحدث الذنب؟ لا، إن تشريع العقوبة يعني تحذير الإنسان من أن يرتكب الذنب.

وعندما نقول لإنسان: «إن قتلت نفسا فسيتولى ولي الأمر قتلك» أليس في ذلك حفاظ على حياته وحياة الآخرين؟ وحين يحافظ التشريع على حياة فرد واحد فهو يحافظ في الوقت نفسه على حياة كل إنسان، يقول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .
وهكذا يصبح هذا التقنين سليما غاية السلامة، إذن فقول الحق سبحانه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} يدلنا على أن الذي يشرع تشريعا يناقض ما شرعه الله فكأنه خطأ الله فيما شرع، وكأنه قد قال لله: أنا أكثر حنانا على الخلق منك أيها الإله؛ لأنه قد فاتتك هذه المسألة.

وفي هذا القول فسق عن شرع الله، وعلى الإنسان أن يلتزم الأدب مع خالقه. وليرد كل شيء إلى الله المربي، وحين ترد أيها الإنسان كل شيء إلى ربك فأنت تستريح وتريح، اللهم إلا أن يكون لك مصلحة في الانحراف. فإن كان لك مصلحة في الانحراف فأنت تريد غير ما أراد الله، أما إذا أردت مصلحة الناس فقد شرع الحق ما فيه مصلحة كل الناس؛ لذلك قال الحق: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} .

وقد يقول قائل في قوله تعالى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} إن هذه العبارة لا تكفي في منحى اطمئنانا إلى جزاء العمل الذي أتقرب به إلى الله، فالله قد يقبل وقد لا يقبل فهو - سبحانه - لا أحد يكرهه على شيء، ونقول له: إنك ستأتي إلى ربك رضيت أو أبيت فما حاجتك إلى هذا القول؟ لو كنت تستطيع، فكن عاقلا ولا تتمرد على أمر ربك، ويقول الحق: {وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين}.أهـ

يتبع بمشيئة الله ...


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. ص
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 29, 2020 2:57 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

تفسير الإمام الشافعي (1/ 225)

قال الشَّافِعِي: أخبرنا الثقة من أصحابنا، عن حماد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" الحديث.

ومعنى حديث عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفر بعد إيمان " ومعنى من بدَّل: قُتِل، معنى يدل على أن من بدل دينه دين الحق - وهو الإسلام -، لا من بدَّل غير الإسلام، وذلك أن من خرج من غير دين الإسلام إلى غيره من الأديان، فإنما خرج من باطل إلى باطل، ولا يقتل على الخروج من الباطل، إنما يقتل على الخروج من الحق، لأنه لم يكن على الدين الذي أوجب الله - عزَّ وجلَّ عليه الجنة وعلى خلافه النار. إنما كان على دين له النار إن أقام عليه، قال اللَّه جل ثناؤه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآية.

وقال الله عزَّ وجلَّ: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) .
وقال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) إلى قوله: (مسْلِمُون) الآية.
قال الله عزَّ وجلَّ: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ).أهـ

تفسير الإمام الشافعي (1/ 478 - 479)

قال الله عزَّ وجلَّ: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)

الأم: المرتد عن الإسلام:

قال الشَّافِعِي رحمه الله: ومن انتقل عن الشرك إلى إيمان، ثم انتقل عن الإيمان إلى الشرك من بالغي الرجال والنساء استتيب، فإنه تاب قُبِلَ منه، وإن لم يتب قُتِل.
قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) الآية.
وقال اللَّه - عز وجل -: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) .

الأم (أيضاً) : كتاب الحج: قال الشَّافِعِي رحمه الله: أخبرنا سفيان بن عيينه، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نزلت: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) الآية. "قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال اللَّه تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فحجهم، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - "حجُّوا" فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال اللَّه جل ثناءه: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) .
قال عكرمة: من كفر من أهل الملل، فإن الله غني عن العالمين، وما أشبه ما قال عكرمة بما قال - واللَّه أعلم -.أهـ

قلت: يعني اليهود وغيرهم من أهل الملل الأخري - غير الإسلام - كفار وليسوا مسلمين.


تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (2/ 143 - 156)


إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا}

قال أبو جعفر: أما"الذين آمنوا"، فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به - على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا.

وأما"الذين هادوا"، فهم اليهود. ومعنى:"هادوا"، تابوا. يقال منه:"هاد القوم يهودون هودا وهادة. وقيل: إنما سميت اليهود"يهود"، من أجل قولهم: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) . [سورة الأعراف: 156] .

قلت: فهو هنا فرق بين المؤمنين وبين اليهود ومعنى ذلك - كما هو واضح- أن اليهود ليسوا مؤمنين بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

قال أبو جعفر: يعني بقوله: (من آمن بالله واليوم الآخر) ، من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة، وعمل صالحا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم. يعني بقوله: (فلهم أجرهم عند ربهم) ، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم.

فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) ؟
قيل: تمامه جملة قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر) . لأن معناه: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، فترك ذكر"منهم" لدلالة الكلام عليه، استغناء بما ذكر عما ترك ذكره.
فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟
قيل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلهم أجرهم عند ربهم.

فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟
قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به، إذ أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بمحمد وبما جاء به ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الآخر، ويعمل صالحا، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.

فإن قال قائل: وكيف قال:"فلهم أجرهم عند ربهم"، وإنما لفظه"من" لفظ واحد، والفعل معه موحد؟
قيل:"من"، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا، فإن معنى الواحد والاثنين والجمع، والتذكير والتأنيث، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير. فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جل ثناؤه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ) [يونس: 42-43] . فجمع مرة مع"من" الفعل لمعناه، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر:
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما، ... وقولا لها: عوجي على من تخلفوا
فقال:"تخلفوا"، وجعل"من" بمنزلة"الذين"، وقال الفرزدق:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فثنى "يصطحبان " لمعنى "من". فكذلك قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) ، وحد "آمن وعمل صالحا" للفظ "من"، وجمع ذكرهم في قوله: (فلهم أجرهم) ، لمعناه، لأنه في معنى جمع.

وأما قوله: {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) }
فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.

* ذكر من قال عُني بقوله: (من آمن بالله) ، مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1112 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي. وكان سلمان من جُنْدَيسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا. فبينما هما في الصيد، إذ رفع لهما بيت من عباء، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي. فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما. فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تزني، ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقص عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. فوقع في قلوبهما، وتابعاه فأسلما. وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام.
فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيد للملك، فجعل طعاما، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس. فأبى الفتى، وقال: إني عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه من الرسل، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم. فبعث الملك إلى ابنه فدعاه. وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار، ليس تحل ذبائحكم. فقال له الملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك. فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك. قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا. فأجله أجلا. فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين، فإنا في بِيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها، فأتونا فيها.
فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك: فجعل يقول لابن الملك: انطلق بنا! وابن الملك يقول: نعم. وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلما أبطأ على سلمان، خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه، وهو رب البيعة.
وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان، فكان سلمان: معهم يجتهد في العبادة ويتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبادة ما لا تطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز، فارفق بنفسك وخفف عليها. فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به، أهو أفضل أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع. قال: فخل عني.
ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال: أتعلم أن هذه البيعة لي، وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت! ولكني رجل أضعُف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. قال له سلمان: أي البيعتين أفضل أهلا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبد معهم.
ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فقال لسلمان: إن أردت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم. فقال له سلمان: أيهما أفضل، أنطلق معك أم أقيم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فانطلق معه. فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله! فلم يكلمه ولم ينظر إليه. وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوما حزينا، فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم! فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن، فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أدركه، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه. فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد، فناداهما فقال: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله! فعطف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض ودعا له وقال: قم بإذن الله! فقام صحيحا يشتد، فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد. وسار الراهب فتغيب عن سلمان، ولا يعلم سلمان.
ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب. فلقيه رجلان من العرب من كلب، فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نعم راعي الصرمة هذا! فحمله فانطلق به إلى المدينة.
قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم. فبينا هو يوما يرعى، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه، فقال: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي؟ فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك.
فهبط سلمان إلى المدينة، فنطر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه. ثم انطلق فاشترى بدينار، ببعضه شاة وببعضه خبزا، ثم أتاه به. فقال:"ما هذا"؟ قال سلمان: هذه صدقة قال: لا حاجة لي بها، فأخرجها فليأكلها المسلمون". ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: هذه هدية. قال: فاقعد [فكل] فقعد فأكلا جميعا منها. فبينا هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان، هم من أهل النار. فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك، فأنزل الله هذه الآية: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر).

فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان هالكا. وإيمان النصارى: أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.

قلت: والكلام واضح أن من لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان هالكاً وليس كما قال صاحب الفتوى السابقة بأن الإيمان بسيدنا محمد ليس شرطاً في دخول الجنة إلا إذا كانت النار بالنسبة له ليست هلاكاً والعياذ بالله.

1113 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية. قال سأل سلمان الفارسي النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية:"إن الذين آمنوا والذين هادوا". فدعا سلمان فقال: نزلت هذه الآية في أصحابك". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم"من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير؛ ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك".

وقال ابن عباس بما:-
1114 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) إلى قوله: (ولا هم يحزنون) . فأنزل الله تعالى بعد هذا: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85]
وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) .

فتأويل الآية إذًا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين - من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر - فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
والذي قلنا من التأويل الأول، أشبه بظاهر التنزيل، لأن الله جل ثناؤه لم يخصص - بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان - بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: (من آمن بالله واليوم الآخر) ، عن جميع ما ذكر في أول الآية.أهـ

تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (6/ 570 - 576)

القول في تأويل قوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) }
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه "وهو في الآخرة من الخاسرين"، يقول: من الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل.

وذُكر أنّ أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم المسلمون، لما نزلت هذه الآية، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين، لأن من سُنة الإسلام الحج، فامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم.

قلت: يعني المسلمين هم فقط المسلمون الذين يحجون إلى بيت الله الحرام يعني أمة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس أي ملة أخرى.

ذكر الخبر بذلك:
7356 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال، زعم عكرمة:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا"، فقالت الملل: نحن المسلمون! فأنزل الله عز وجل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [سورة آل عمران: 97] ، فحجَّ المسلمون، وقعدَ الكفار.

قلت: الكلام واضح وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل أصحاب الفتن ممن يريدون تضييع شباب المسلمين وتحطيم الثوابت وتدمير هذه الأمة وهذا الدين.

7357 - حدثني المثنى قال، حدثنا القعنبي قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه"، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنزلَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحُجُّهم أنْ: (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) .
7358 - حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نزلت:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا" إلى آخر الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون! قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم إنْ: (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ) من أهل الملل (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) .

معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إلى قوله: (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة البقرة: 62] ، فأنزل الله عز وجل بعد هذا:"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه".

القول في تأويل قوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) }
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت.

فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلمًا فارتدّ بعد إسلامه.

وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفيهم نزلت.

ذكر من قال ذلك:
7368 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم"، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به.

7369 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم" الآية كلها، قال: اليهود والنصارى.

7370 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم" الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقٌّ، فلما بُعث من غيرهم حَسدوا العربَ على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم، حسدًا للعرب، حين بُعثَ من غيرهم.

7371 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم"، قال: هم أهل الكتاب، كانوا يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ويستفتحون به، فكفروا بعد إيمانهم.

قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن: منْ أنّ هذه الآية معنيٌّ بها أهل الكتاب على ما قال، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم، بتأويل القرآن. وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات. ثم عرّف عباده سُنته فيهم، فيكون داخلا في ذلك كلّ من كان مؤمنًا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أنُ يبعث، ثم كفر به بعد أن بُعث، وكلّ من كان كافرًا ثم أسلم على عهده صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد وهو حيٌّ عن إسلامه. فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين وغيرُهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله.

فتأويل الآية إذًا:"كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم"، يعني: كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم "بعد إيمانهم"، أي: بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه "وَشهدوا أن الرسول حقّ"، يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّا "وجاءهم البينات"، يعني: وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك؟ "والله لا يهدي القوم الظالمين"، يقول: والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة، وهم الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختارُوا الكفر على الإيمان.أهـ

يتبع بمشيئة الله.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. ص
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء يونيو 30, 2020 2:39 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

تفسير ابن أبي حاتم - محققا (1/ 126 - 127)

635 - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الآخرة من الخاسرين

636 - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ثنا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَصْحَابِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، فَبَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ فَقَالَ: كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِكَ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا، فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَانُ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَلْمَانُ هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليوم الآخِرِ فَكَانَ إِيمَانُ الْيَهُودِ أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ مُوسَى حَتَّى جَاءَ عِيسَى، فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِعِ عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولا مِنْهُ، حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ مُحَمَّدًا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُمْ وَيَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عِيسَى وَالإِنْجِيلِ كَانَ هَالِكًا. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ هَذَا.أهـ

تفسير ابن أبي حاتم - محققا (2/ 699)

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلُ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ
3788 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا شَبَابَةُ، ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ قَوْلُهُ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَقَالَتِ الْمِلَلُ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ.أهـ

تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (3/ 105)

قال ابن عباس: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم (عليه السلام) كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ.أهـ

تفسير البغوي - إحياء التراث (1/ 422 - 423)

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نزلت [هذه الآية] فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ، أَيْ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي: بَيَانَ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وقال الربيع بن أنس: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْرَاةَ وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ، حَتَّى أَهْرَقُوا بَيْنَهُمُ الدِّمَاءَ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالِاخْتِلَافُ وَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي بَيَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ، بَغْياً بَيْنَهُمْ، أَيْ: طَلَبًا لِلْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزبير: نَزَلَتْ [هَذِهِ الْآيَةُ] فِي نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَعْنَاهَا: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيهِ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، أَيْ: لِلْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ.

[سورة آل عمران (3) : آية 20]
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20)
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ حَاجُّوكَ، أَيْ: خَاصَمُوكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قالوا: ألسنا [عَلَى] مَا سَمَّيْتَنَا بِهِ يَا محمد وإنما الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ نَسَبٌ، وَالدِّينُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَنَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، أَيِ: انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَلْبِي وَلِسَانِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي، وَإِنَّمَا خُصَّ الوجه لأنه أكرم الجوارح للإنسان، وَفِيهِ بَهَاؤُهُ فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ للشيء فقد خَضَعَ لَهُ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِ، أَيْ: وَمَنِ اتَّبَعَنِي فأسلم كَمَا أَسْلَمْتُ، وَأَثْبَتَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو الْيَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «اتَّبَعَنِي» عَلَى الْأَصْلِ وَحَذَفَهَا الْآخَرُونَ عَلَى الْخَطِّ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَقَوْلُهُ: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ، يَعْنِي: الْعَرَبَ أَأَسْلَمْتُمْ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أي: وأسلموا، كَمَا قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [الْمَائِدَةِ: 91] ، أَيِ: انْتَهُوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: أَسْلَمْنَا، فقال لليهود: أتشهدون أن عزيزا عبده ورسوله؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ [أَنْ يَكُونَ عزيز عليه السلام عبدا]، وَقَالَ لِلنَّصَارَى: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى عَبْدًا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، أَيْ: تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ الْهِدَايَةُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، عَالِمٌ بِمَنْ يُؤْمِنُ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.أهـ

تفسير البغوي - إحياء التراث (1/ 465)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [بينهم أن] «كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إبراهيم عليه السلام» ، [وأن دينه الإسلام] ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قرأ أهل الْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ يَبْغُونَ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون.أهـ

زاد المسير في علم التفسير (1/ 73)

قوله تعالى: مَنْ آمَنَ، في إعادة ذكر الإيمان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لما ذكر مع المؤمنين طوائف من الكفار رجع قوله: مَنْ آمَنَ إليهم. والثاني: أن المعنى من أقام على إيمانه. والثالث: أن الايمان الأول نطق المنافقين بالإسلام. والثاني: اعتقاد القلوب.

قوله تعالى: وَعَمِلَ صالِحاً. قال ابن عباس: أقام الفرائض.

فصل: وهل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ فيه قولان: أحدهما: أنها محكمة، قاله مجاهد والضحاك في آخرين، وقدروا فيها: إن الذين آمنوا، ومن آمن من الذين هادوا. والثاني: أنها منسوخة بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، ذكره جماعة من المفسّرين.أهـ

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب = التفسير الكبير ط العلمية (7/ 181)

فإن قوله إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام.أهـ

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب = التفسير الكبير ط العلمية (8/ 110 - 111)

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الاٌّ خِرَة ِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أتبعه بأن بيّن في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله لأن القبول للعمل هو أن يرضى الله ذلك العمل ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه ولذلك قال تعالى إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( المائدة 27 ) ثم بيّن تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولاً عند الله فكذلك يكون من الخاسرين والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب وحصول العقاب ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ إلا أن ظاهر قوله تعالى قَالَتِ الاْعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ( الحجرات 14 ) يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي والآية الثانية على الوضع اللغوي

اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الاْخِرَة ِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( آل عمران 85 ) أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.أهـ

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب = التفسير الكبير ط العلمية (11/ 112)

ثم قال تعالى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً والمعنى أن هذا هو الدين المرضى عند الله تعالى ويؤكده قوله تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ.أهـ


تفسير الرازي = مفاتيح الغيب = التفسير الكبير ط العلمية (32/ 145)

المسألة الرابعة دين الله هو الإسلام لقوله تعالى إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ ولقوله وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه.أهـ


تفسير القرطبي (1/ 436)

الثَّامِنَةُ- رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا" [الحج: 17] الآية. منسوخ بقوله تعالى:" يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" [آل عمران: 85] الْآيَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. وَهِيَ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السلام.أهـ

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 271)

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام} يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه السلام {دِينًا} تمييز {فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين}.أهـ

تفسير النسفي = مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 427)

{وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} حال اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده وَمَن يَبْتَغِ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه.أهـ

البحر المحيط في التفسير (1/ 388 - 389)

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدَّرَ اللَّهُ بِهَا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ بَقِيَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ وَنَصْرَانِيَّتِهِ وَصَابِئِيَّتِهِ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ مَا قَدَّرَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ. وَرُدَّتِ الشَّرَائِعُ كُلُّهَا إِلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَهِيَ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.أهـ


البحر المحيط في التفسير (1/ 651 - 653)

لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ: ظَاهِرُهُ الِاسْتِئْنَافُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّا نُؤْمِنُ بِالْجَمِيعِ، فَلَا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَإِنَّ الْيَهُودَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ وَعِيسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى الْجَمِيعِ. وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ، وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نَقُولُ إِنَّهُمْ يَتَفَرَّقُونَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نَشُقُّ عَصَاهُمْ، كَمَا يُقَالُ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، إِذَا فَارَقَ جَمَاعَتَهُمْ. وَأَحَدٌ هُنَا، قِيلَ: هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ، فَأُصُولُهُ: الْهَمْزَةُ وَالْحَاءُ وَالدَّالُ، وَهُوَ لِلْعُمُومِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْتَقِرْ بَيْنَ إِلَى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، إِذْ هُوَ اسْمٌ عَامٌّ تَحْتَهُ أَفْرَادٌ، فَيَصِحُّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ، كَمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَتَقُولُ: الْمَالُ بَيْنَ الزَّيْدَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ. وَقِيلَ: أَحَدٌ هُنَا بِمَعْنَى: وَاحِدٍ، وَالْهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، إِذْ أَصْلُهُ: وَحَدٌ، وَحُذِفَ الْمَعْطُوفُ لِفَهْمِ السَّامِعِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ، فَاخْتَصَرَ، أَوْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَالْآخَرِ، وَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَمَا كَانَ بَيْنَ الْخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِمًا ... أبو حجر إلا لَيَالٍ قَلَائِلَ
يُرِيدُ: بَيْنَ الْخَيْرِ وَبَيْنِي، فَحَذَفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، إِذْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ بَيْنَ لَا بُدَّ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، كَمَا حُذِفَ الْمَعْطُوفُ فِي قَوْلِهِ: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا وَقَى الْحَرَّ وَقَى الْبَرْدَ، فَحَذْفُ وَالْبَرْدَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ.
وَذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ لَا حَذْفَ فِيهِ.
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: هَذَا كُلُّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: قُولُوا. وَلَمَّا ذَكَرَ أَوَّلًا الْإِيمَانَ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ، خَتَمَ بِذِكْرِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ النَّاشِئُ عَنِ الْإِيمَانِ الظَّاهِرِ عَنِ الْجَوَارِحِ. فَجَمَعَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، لِيَجْتَمِعَ الْأَصْلُ وَالنَّاشِئُ عَنِ الْأَصْلِ. وَقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُمَا، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: مُسْلِمُونَ بِأَقْوَالٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي الْمَعْنَى، فَقِيلَ: خَاضِعُونَ، وَقِيلَ: مُطِيعُونَ، وَقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ: مُذْعِنُونَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ عقلا وَفِعْلًا، وَقِيلَ: دَاخِلُونَ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: مُنْقَادُونَ، وَقِيلَ: مُخْلِصُونَ. وَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بمسلمون، وَتَأَخَّرَ عَنْهُ الْعَامِلُ لِأَجْلِ الْفَوَاصِلِ، أَوْ تَقَدَّمَ لَهُ لِلِاعْتِنَاءِ بِالْعَائِدِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الْآيَةَ،قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَالَ:«اللَّهُ أَمَرَنِي بِهَذَا». فَلَمَّا سَمِعُوا بِذِكْرِ عِيسَى أَنْكَرُوا وَكَفَرُوا. وَقَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّ عِيسَى لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: فَإِنْ آمَنُوا الْآيَةَ. وَالضَّمِيرُ فِي آمَنُوا عَائِدٌ عَلَى مَنْ عَادَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ خَاصًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى كُلِّ كَافِرٍ، فَيُفَسِّرُهُ الْمَعْنَى.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مسعود وَابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِ الْبَاءِ عَلَى حَالِهَا فِي آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَإِطْلَاقُ مَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَالسَّماءِ وَما بَناها، يُرِيدُ وَمَنْ بَنَاهَا عَلَى قَوْلِهِ. وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ ظَاهِرَةٌ، وَيَشْمَلُ جَمِيعَ مَا آمَنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، فَخَرَجَتِ الْبَاءُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِيمَانًا مِثْلَ إِيمَانِكُمْ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ.

وَسُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَتَكُونُ مَا مَصْدَرِيَّةً. وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، وَهِيَ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ فَإِنْ آمَنُوا عَلَى مِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ، وَكَوْنُ الْبَاءِ بِمَعْنَى عَلَى، قَدْ قِيلَ بِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ابْنُ مَالِكٍ، قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ، أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ. وَقِيلَ: هِيَ لِلِاسْتِعَانَةِ، كَقَوْلِكَ: عَمِلْتُ بِالْقَدُومِ، وَكَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، أَيْ فَإِنْ دَخَلُوا فِي الْإِيمَانِ بِشَهَادَةٍ مِثْلِ شَهَادَتِكُمْ، وَذَلِكَ فِرَارٌ مِنْ زِيَادَةِ الْبَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمَاكِنِ زِيَادَةِ الْبَاءِ قِيَاسًا. وَالْمُؤْمِنُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَإِنْ آمَنُوا بِاللَّهِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدًا عَلَى مَا عَادَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَنَحْنُ لَهُ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى مَا، وَتَكُونُ إِذْ ذَاكَ مَوْصُولَةً. وَأَمَّا مِثْلُ، فَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ، قَالُوا: كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أَيْ لَيْسَ كَهَوَ شَيْءٌ، وَكَقَوْلِهِ: فصيروا مثل كعصف مأكول وَكَقَوْلِهِ: يَا عَاذِلِي دَعْنِي مِنْ عَذْلِكَا ... مِثْلِي لَا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلِكَا

وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ. وَالْمِثْلِيَّةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاعْتِقَادِ، أَيْ فَإِنِ اعْتَقَدُوا مِثْلَ اعْتِقَادِكُمْ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكِتَابِ، أَيْ فَإِنْ آمَنُوا بِكِتَابٍ مِثْلِ الْكِتَابِ الَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ. وَالْمَعْنَى: فَإِنْ آمَنُوا بِكِتَابِكُمُ الْمُمَاثِلِ لِكِتَابِهِمْ، أَيْ فَإِنْ آمَنُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مُصَدِّقٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، لَا تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً، بَلْ هِيَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ: آمَنْتُ بِالْكِتَابِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا مِنْ مَجَازِ الْكَلَامِ، يَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَفْعَلُهُ مِثْلُكَ، أَيْ لَا تَفْعَلُهُ أَنْتَ. وَالْمَعْنَى: فَإِنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ، وهذا يؤول إِلَى إِلْغَاءِ مِثْلَ، وَزِيَادَتِهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ مِنْ بَابِ التَّبْكِيتِ، لِأَنَّ دِينَ الْحَقِّ وَاحِدٌ، لَا مِثْلَ لَهُ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، فَلَا يُوجَدُ إِذًا دِينٌ آخَرُ يُمَاثِلُ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي كَوْنِهِ حَقًّا، حَتَّى إِنْ آمَنُوا بِذَلِكَ الدِّينِ الْمُمَاثِلِ لَهُ، كَانُوا مُهْتَدِينَ، فَقِيلَ: فَإِنْ آمَنُوا بِكَلِمَةِ الشَّكِّ، عَلَى سَبِيلِ الْعَرْضِ، وَالتَّقْدِيرِ: أَيْ فَإِنْ حَصَّلُوا دَيْنًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكُمْ، مُسَاوِيًا لَهُ فِي الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ.

فَقَدِ اهْتَدَوْا: وَفِيهِ أَنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَكُلَّ دِينٍ سِوَاهُ مُغَايِرٌ لَهُ غَيْرُ مُمَاثِلٍ، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَهُدًى، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذَا هُوَ الرَّأْيُ الصَّوَابُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أَصْوَبُ مِنْهُ، فَاعْمَلْ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنْ لَا أَصْوَبَ مِنْ رَأْيِكَ، وَلَكِنَّكَ تُرِيدُ تَبْكِيتَ صَاحِبِكَ وَتَوْقِيفَهُ عَلَى أَنَّ مَا رَأَيْتَ لَا رَأْيَ وَرَاءَهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ حَسَنٌ.أهـ

البحر المحيط في التفسير (3/ 69)

وَلَمَّا شَهِدَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، حُكِمَ أَنَّ الدِّينَ الْمَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.أهـ

البحر المحيط في التفسير (3/ 249 - 250)

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ هُنَا قِيلَ هُوَ الاستسلام إلى الله وَالتَّفْوِيضُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَشَرِيعَةٍ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِسْلَامِ الْوَجْهِ لِلَّهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ،بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي وَافَقَ فِي مُعْتَقَدَاتِهِ دِينَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.

قِيلَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى الْآيَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ الْآيَةَ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى نَسْخِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَنْزَلَ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ.أهـ

قلت: إذن فالإسلام هو شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن من تحرى أي شريعة بعد مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم غير شريعته فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ولا يُسمى مسلم - مع التأكيد على إن كل إنسان حر في معتقده - فالمسلمون فقط هم أتباع دين الإسلام الذي هو دين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

يتبع بمشيئة الله.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. ص
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس يوليو 02, 2020 3:02 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 284 - 285)

وَقَالَ السُّدِّيُّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} الْآيَةَ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، بَيْنَا هُوَ يُحَدِّثُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ ذَكَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَقَالَ: كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيُؤْمِنُونَ بِكَ، وَيَشْهَدُونَ أَنَّكَ سَتُبْعَثُ نَبِيًّا، فَلَّمَا فَرَغَ سَلْمَانُ مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا سَلْمَانُ، هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَانَ إِيمَانُ الْيَهُودِ: أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّةِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ حَتَّى جَاءَ عِيسَى. فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى، فَلَمْ يَدَعْهَا وَلَمْ يَتْبَعْ عِيسَى، كَانَ هَالِكًا. وَإِيمَانُ النَّصَارَى أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِعِ عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَمْ يتبعْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ ويَدَعْ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ عِيسَى وَالْإِنْجِيلِ -كَانَ هَالِكًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هَذَا.

قُلْتُ - القائل هنا ابن كثير-: وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَى عَليّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الْآيَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .

فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ [ابْنُ عَبَّاسٍ] إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ طَرِيقَةً وَلَا عَمَلًا إِلَّا مَا كَانَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَهُ بِهِ،فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فِي زَمَانِهِ فَهُوَ عَلَى هُدًى وَسَبِيلٍ وَنَجَاةٍ، فَالْيَهُودُ أَتْبَاعُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي زَمَانِهِمْ.
وَالْيَهُودُ مِنَ الْهَوَادَةِ وَهِيَ الْمَوَدَّةُ أَوِ التَّهَوُّدُ وَهِيَ التَّوْبَةُ؛ كَقَوْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الْأَعْرَافِ: 156] أَيْ: تُبْنَا، فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ لِتَوْبَتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
[وَقِيلَ: لِنِسْبَتِهِمْ إِلَى يَهُوذَا أَكْبَرِ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ، أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ].
فَلَمَّا بُعِثَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ اتِّبَاعُهُ وَالِانْقِيَادُ لَهُ، فَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ هُمُ النَّصَارَى، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُمْ: أَنْصَارٌ أَيْضًا، كَمَا قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 52] وَقِيلَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا سُمّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةٌ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيج، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالنَّصَارَى: جَمْعُ نَصْرَانَ كَنَشَاوَى جَمْعُ نَشْوَانَ، وَسُكَارَى جَمْعُ سَكْرَانَ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَصْرَانَةٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ تصديقُه فِيمَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَالِانْكِفَافُ عَمَّا عَنْهُ زَجَرَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. وَسُمِّيَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنِينَ لِكَثْرَةِ إِيمَانِهِمْ وَشِدَّةِ إِيقَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْغُيُوبِ الْآتِيَةِ.أهـ

تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 25)

وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ} إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ] } [آلِ عِمْرَانَ:85] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ}.أهـ

تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 70)

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} أَيْ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا سِوَى مَا شَرَعَه اللَّهُ فَلَنْ يُقْبل مِنْهُ {وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، إِذْ ذَاكَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَجِيءُ الأعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَجِيءُ الصَّلاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا الصَّلاةُ. فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا الصَّدَقَةُ. فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ: أَيْ يَا رَبِّ، أَنَا الصِّيَامُ. فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ تَجِيءُ الأعْمَالُ، كُل ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الإسْلامُ فَيَقُولُ: يَا رَب، أَنْتَ السَّلامُ وَأَنَا الإسْلامُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ ثِقَةٌ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.أهـ

تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 84)

وَقَالَ سَعيد بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عِكْرِمة قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ. قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فاخْصَمْهُمْ فَحَجَّهُمْ -يَعْنِي فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْمسلمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاع إِلَيْه سَبِيلا" فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وأبَوْا أَنْ يَحُجُّوا. قَالَ اللَّهُ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَه.أهـ

تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (2/ 72)

ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ... الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام.أهـ

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (4/ 475)

{ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له {ديناً} وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: {فلن يقبل منه} أي في الدنيا.أهـ

الدر المنثور في التفسير بالمأثور (1/ 182)

وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية قال: فأنزل الله بعد هذا (ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).أهـ

الدر المنثور في التفسير بالمأثور (2/ 256)

أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة فيقول: إنك على خير وتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة فيقول: إنك على خير ثم يجيء الصيام فيقول: أنا الصيام فيقول إنك على خير ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله: إنك على خير ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول الله: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي قال الله في كتابه {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.أهـ

الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية (1/ 117)

وَمَنْ يَبْتَغِ ويطلب غَيْرَ الْإِسْلامِ المنزل على خير الأنام دِيناً وشرعا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ يوم العرض الأكبر إذ الدين القويم المستجمع لجميع الأديان الناسخ لعمومها هو الإسلام لابتنائه على التوحيد الذاتي المسقط للاضافات وعموم الخصوصيات المقتضية للكثرة مطلقا وَهُوَ اى المتدين بغير دين الإسلام فِي النشأة الْآخِرَةِ وقت حصاد كل ما يزرعه في النشأة الاولى مِنَ الْخاسِرِينَ خسرانا مبينا نعتصم بك من إنزال قهرك يا ذا القوة المتين.أهـ

روح البيان (2/ 58)

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ اى غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحا والمدعين للتوحيد مع اشراكهم كاهل الكتابين دِيناً ينتحل اليه وهو نصب على انه مفعول ليبتغ وغير الإسلام حال منه لانه فى الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا فَلَنْ يُقْبَلَ ذلك مِنْهُ ابدا وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ اى الواقعين فى الخسران بحرمان الثواب وحصول العقاب ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على مافاته فى الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة فى الدنيا فى تقرير ذلك الدين الباطل. والمعنى ان المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع فى الخسران بابطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها. واعلم ان ظاهر الآية يدل على ان الايمان هو الإسلام إذ لو كان غير الإسلام لوجب ان لا يكون الايمان مقبولا لقوله تعالى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ والجواب انه ينفى قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره.أهـ

روح البيان (2/ 344)

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً تستكملون به الى الابد بحيث من يتبغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.أهـ

تفسير الألوسي = روح المعاني (2/ 207)

بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه، وانتصاب دِيناً على التمييز من غَيْرَ وهي مفعول يَبْتَغِ وجوز أن يكون دِيناً مفعول يَبْتَغِ وغَيْرَ صفة قدمت فصارت حالا، وقيل: هو بدل من غَيْرَ الْإِسْلامِ والجمهور على إظهار الغينين، وروي عن أبي عمرو الإدغام، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب، وفِي الْآخِرَةِ متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده- أي وهو خاسر في الآخرة- أو متعلق- بالخاسرين- على أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف، والخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب، وقيل: أصل الخسران ذهاب رأس المال، والمراد به هنا تشييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها في حديث «كل مولود يولد على الفطرة»
وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88] والتعبير- بالخاسرين- أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله، والمعنى- وهو من جملة الواقعين في الخسران- واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله، وأجيب بأن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان، وإن كان غَيْرَ الْإِسْلامِ لكنه لا يغاير دين الإسلام بل هو هو بحسب الذات. وإن كان غيره بحسب المفهوم، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة وقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: 14] يدل على المغايرة، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، والثانية على الوضع اللغوي.أهـ


يتبع بمشيئة الله.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .. حقاً حقاً .. ص
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة يوليو 03, 2020 2:28 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد إبريل 15, 2012 12:39 pm
مشاركات: 3804

وأختم هذه المشاركة بنقل هذا الجزء من كتاب شرح جوهرة التوحيد للإمام الكبير الشيخ الباجوري رحمه الله في شرحه للبيت الـ 71 من متن جوهرة التوحيد للشيخ اللقاني رحمه الله

ونص البيت هو: ونسخه لشرع غيره وقع حتماً أذل الله من له منع

وهذا هو شرح الشيخ الباجوري لهذا البيت:

شرح جوهرة التوحيد ( 1/ 198):

نسخ الشريعة المحمدية لغيرها

وقوله: ( ونسخه لشرع غيره وقع حتماً) أي: ونسخ شرع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لشرع كل نبي غيره وقع وحصل حال كونه متحتماً، فـ (حتماً) بمعنى متحتماً حال من فاعل (وقع) ويدل لذلك قوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً)، والأحاديث في ذلك كثيرة بلغت جملتها مبلغ التواتر، فنسْخ شرعه صلى الله عليه وآله وسلم لشرع غيره واقع سماعاً بإجماع المسلمين، خلافاً لليهود والنصارى حيث زعموا أن شرع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم ينسخ شرع أحد من الأنبياء توسلاً للقول بنفي نبوته صلى الله عليه وآله وسلم واحتجوا على ذلك بأنه يلزم على القول بالنسخ ظهور مصلحة كانت خفية على الله تعالى، ورُد بأن المصلحة تختلف بحسب الأمة، فالمصلحة في زمن الأمم السابقة اقتضت تكليفهم بشرائعهم، والمصلحة في زماننا اقتضت تكليفنا بشريعتنا.

وقوله: (أذل الله من له منع) أي ألحق الذل بمن منع نسخ شرع نبينا لغيره، وهذه جملة دعائية على اليهود والنصارى المانعين لذلك.أهـ


قلت: فالشيخ الباجوري رحمه الله يقول بأن إجماع المسلمين على أن شرع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ناسخ لجميع الشرائع السابقة وأنه لم يخالف في ذلك إلا اليهود والنصارى.

وبعد ما سبق من الأدلة ليت شعري إلى قول مَن مِن علماء الأمة المحمدية يستند صاحب الفتوى السابقة ومن قبله قال بمثل هذا القول المستبشع فهؤلاء هم علماء الأمة المحمدية وهذا هو إجماعهم على أن دين نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ناسخ لما قبله من ألأديان وعلى أن شريعته صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة لما قلبها منن الشرائع وأن أحداً لم يدع غير ذلك إلا اليهود والنصارى نسأل الله العفو والعافية.

وأختم هذه المشاركة بخمسة أحاديث رواهم الإمام مسلم في صحيحه في باب سماه بـ : ( بَابٌ فِي الضُّعَفَاءِ وَالْكَذَّابِينَ وَمَنْ يُرْغَبُ عَنْ حَدِيثِهِمْ)

صحيح مسلم (1/ 12)

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ»

صحيح مسلم (1/ 12)

وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ»

صحيح مسلم (1/ 12)

وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ "

صحيح مسلم (1/ 12)

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ، فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا»


صحيح مسلم (1/ 13)

وحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ يَعْنِي الْعَقَدِيَّ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَسْمَعُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ "


وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمي الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه يا رب العالمين.


_________________
أبا الزهراء قد جاوزت قدري *** بمدحك بيد أن لي انتسابا

سألت الله في أبناء ديني *** فإن تكن الوسيلة لي أجــابا


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 6 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط