السيدة زينب بنت الإمام على كرم الله وجهه
السيدة زينب بنت الإمام على – كرم الله وجهه – بن أبى طالب ، وأمها السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا حضرة النبى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فهى شقيقة الحسن والحسين عليهما السلام ، تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر الطيار ذو الجناحين ابن أبى طالب ، وولدت له عليا وعونا – ويدعى بالأكبر – وعباسا ومحمدا وأم كلثون
وحضرت مع اخيها الإمام الحسين بكربلاء ، ذكر ابن النبارى أنها لم قتل أخوها سيدنا الحسين أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها :
ماذا تقولون إن قال النبى لـــــــكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الآمـــــــــــم
بعترتى وبأهل بعد فرقتكـــــــــــم منهم أسارى ومنهم خضبوا بــــدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى
لكن فى ( كامل ابن الأثير ) أن هذه الأبيات لابنة عقيل بن أبى طالب – وفى ( نور ألأبصار ) عن خزيمة الأسدى قال : دخلنا الكوفة سنة إحدى وستين ، فصادفت منصرف على بن الحسين – عليه السلام – بالدربة من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة ، ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندبن متهتكات الجيوب ، وسمعت على بن الحسين يقول : يا أهل الكوفة ، إنكم تبكون علينا ، فمن قتلنا ؟ ورأيت زينب بنت على فلم ار والله خفرة أنطق منها كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين ، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا ، فسكتت الأنفاس ، وهدأت الأجراس ، فقالت : ( الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، أما بعد – يا أهل كوفة الختل والخذل ، أتبكون ؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم مثل التى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ، ألا وإن فيكم الصلف والضعف وداء الصدر الشنف ، وملق الأمة ، وحجز الأعداء كمرعى على دمنة ، أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما تززون ، أى والله ، تدحضون قتل سليل خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومدار حجتكم ، ومنار محجتكم ، وسيد شباب أهل الجنة ، ويلكم يا أهل الكوفة ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفى العذاب أنتم خالدون ، أتدرون أى كبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فريتم ؟ وأى دم له سفتكم ؟ وأى كريمة له أبرزتم ؟ لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ، ولقد أتيتم بها خرقا شوهاء طلاع الأرض ، أفعجبتم إن أمطرت السماء دما ؟ فلعذاب الآخرة أخزى ، وأنتم لا تنصرون ؛ فلا يستخفنكم المهل ، فلا يحقره البدار ، ولا يخاف عليه فوت الثأر ، كلا إن ربى وربكم لبالمرصاد ، ) ثم سارت ، قال : فرأيت الناس حيارى واضعى أيديهم على أفواههم ، ورأيت شيخا قد دنا منها وهو يبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال : بأبى أنتم وأمى ؛ كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبدا
وفى ( كامل ابن الأثر ) أنها سمعت الحسين وهو فى كربلاء قبل مشهده يقول :
يا دهر أف لك من خليل كم لك بالشريف والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديــــــل
وإنما الأمـر إلى الجليل وكل هالك سالك السبيـــل
فأعادها مرتين او ثلاثا ، فلما سمعته ل تملك نفسها أن وثبت تجر فى ثوبها حتى أنتهت إليه ونادت : ( واثكلاه ، ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ، ماتت فاطمة أمى ، وعلى أبى والحسين أخى ، يا خليفة الماضى وثمال الباقى ، ) فذهب فنظر إليها وقال : أخية لا يذهبن حلمك الشيطان ! قالت : ( بأبى أنت وأمى ، واستقتلت ، نفسى لنفسك الفداء ) فردد غصته وذرفت عيناه ، ثم قال : ( لو ترك القطا لنام ، فلطمت وجهها وقالت : ( وا ويلتاه ، أفتغصبك نفسك أغتصابا ؛ فذلك أقرح لقلبى واشد على نفسى ) ثم لطمت وجهها وشقت جيبها ، وخرت مغشيا عليها ، فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها وقال : اتقى الله ، وتعزى بعزاء الله واعلمى أن أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا يبقون ، وأن كل شىء هالك إن وجه الله ، أبى خير منى ، وأمى خير منى وأخى خير منى ، ولى ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة ، فعزاها بهذا ونحوه )
ولما حملوا السبايا إلى الكوفة اجتازوا بهن على الحسين وأصحابه صرعى ، فلطمن خدودهن ، وصاحت زينب أخته : ( يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعراء ، مزمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا ) فأبكت كل عدو وصديق
فلما أدخلوها على ابن زياد لبست أرذل ثيابها وتنكرت ، وحفت بها إماؤها ، فقال عبيد الله : ما هذه الجالسة . فلم تكلمه ، فقال ذلك ثلاثا وهى لا تكلمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة ، فقال لها ابن ظياد – لعنه الله : الحمد لله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم ، فقالت : ( الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا ، لا كما تقول ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ) فقال : كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك ؟ قالت : ( كتب عليهم القتل فبروزا غلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده ) فغضب ابن زياد وقال " قد شقى غيظى من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك ، فبكت وقالت : ( لعمرى لقد قتلت كهلى ، وابرزت أهلى ، وقطعت فرعى ، واجتثثت اصلى ؛ فإن يشفيك هذا فقد اشتفيت ) فقال لها : هذه شجاعة ،لعمرى لقد كان أبوك شجاعا ، فقالت : ( ما للمرا’ والشجاعة )
فلما نظر ابن زياد إلى على بن الحسين قال : ما اسمك ؟ قال : على بن الحسين ، قال : أولم يقتل على بن الحسين ؟ فسكت ، فقال : ما لك لا تتكلم ؟ فقال : كان لى أخ يقال له أيضا على فقتله الناس ، فقال اللعين ابن زياد : إن الله قتله ، فسكت على ، فقال : ما لك لا تتكلم ؟ فقال : الله يتوفى الأنفس حين موتها *( وما كان لنفس ان تموت إلا بإذن الله )* فقال : أنت والله منهم ، ثم قال لرجل : ويحل ! انظر هذا هل أدرك . إنى لأحسبه رجلا ، فكشف عنه مرى بن معاذ الأحمر فقال : نعم قد أدرك ، قال : اقتله ، فقال على : من يتوكل بهذه النسوة ؟ وتعلقت به زينب فقالت : يا ابن زياد ، حسبك منا ، أما رويت من دمائنا ؟ وهل ابقيت منا أحدا ؟ واعتنقته وقالت : 0 أسألك بالله إن كنا مؤمنا إن قتلته أنتقتلنى معه .
وقال على : يا ابن زياد ، إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام ، فنظر إليها ساعة ثم قال : عجبا للرحم ، والله إنى لأطنها ودت لو أنى قتلته أن أقتلها معه ! دعوا الغلام ينطلق مع نسائه ، ولما دخلن الشام على يزيد بن معاوية والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة ابنتا السين تتطاولان لتنظر إلى الرأس ، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما ، فلما رأين الرأس صحن ، فصاحب نساء يزيد وولولت بنا معاوية ، فقال فاطمة – وكانت أكبر من سكينة بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا يزيد ؟ فقال : يا ابنة أخرى ، أنا لهذا كنت كارها ، قالت : والله ما ترك لنا خرص ، فقال : ما أتى إليكن أعظم مما اخذ منكن ، فقام رجل من أهل الشام فقال : هب لى هذه – يعنى فاطمة بنت الحسين – فأخذت فاطمة ثياب زينب وصرخت ، فقالت زينب " ( كذبت ولؤمت ، ما لذلك له ولا له ) فغضب يزيد وقال : والله إن ذلك فى ، ولو شئت أن أفعله لفعلته ، قالت : كلا والله ما جعل الله لك إلا أن تخرج من ملتنا ، وتدين بغير ديننا ، فغضب يزيد واستطار ثم قال : إياى تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين ابوك وأخوك ، قالت زينب ( بدين الله ودين أبى وأخى وجدى اهتديت أنت وابوك وجد ) قال : كذبت يا عدوة الله ، قالت : ( أنت أمير تشتم ظلما ، وتقهر بسلطانك ) فاستحى وسكت
وعلى اختلاف الرويات أن للسيدة زينب – عليها السلام مقامين أحدهما بدمشق وهو مقصود من كل الجهات خصوصا من أهل الشيعة ، والثانى بمصر ( القاهرة ) وهو أشهر من الأول ،ولها أوقاف وإيراد زائد من ديوان عموم الأوقاف المصرية ولم يوجد مثله ، قد ذكر أوصافه الأمير على باشا مبارك فى خططه المسماة بالخطط التوفيقية
توفيت السيدة زينب بالقاهرة ودفنت عليها السلام فى مكان إقامتها وهو البيبت الذى نزلت فيه عند قدومها مصر عليها سلام الله وعلى والدتها ووالدها وأخواتها السلام وصلى الله علي سيدنا حضرة النبى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
هذا ما ذكرته زينب فواز فى الدر المنثور فى طبقات ربات