موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 8 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 25, 2017 9:00 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355
(وظائف شهر ذي الحجة
المجلس الأول: في فضل عشر ذي الحجة
الفصل الأول: في فضل العمل فيه
...
...
خرج البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم رجع من ذلك بشيء".
الكلام في فضل عشر ذي الحجة في فصلين: في فضل العمل فيه وعليه دل هذا الحديث وفي فضله في نفسه.

الفصل الأول: في فضل العمل فيه.
وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده وقد ورد هذا الحديث بلفظ:
"ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر".
وروي بالشك في لفظه: "أحب أو أفضل".
وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد" ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل قال: "من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله".

سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: "إذن يعقر جوادك وتستشهد" فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها وكذلك سائر الأعمال وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره وقد روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا زيادة: "والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة" وفي إسنادها ضعف.

وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بسنة وكل ليلة منها بقيام ليلة القدر".
والنهاس بن قهم ضعفوه، وذكر الترمذي عن البخاري أن الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا.

وروى ثوير بن أبي فاخته -وفيه ضعف-ـ عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر فإن العمل فيها يعدل عمل سنة.

وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة.

وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك فروى هارون بن موسى النحوي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف.
قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى في المضاعفة أقل من سنة قال حميد بن زنجويه: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام كل يوم من أيام من أيام العشر كصيام شهر" وهذا مرسل ضعيف الإسناد.

وروى عبد الرزاق في كتابه عن جعفر عن هشام عن الحسن قال: صيام يوم العشر يعدل شهرين.
وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف.
وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر وهي كثيرة.
وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها.

وقد روي في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه وكثرة الذكر فيه ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن لعدم صحته، وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك ومرسل راشد بن سعد وما روي عن الحسن وابن سيرين وقتادة في صومه.
وفي المسند والسنن عن حفصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر. وفي إسناده اختلاف.
وروي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة.
وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط. وفي رواية: في العشر قط. وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روى خلافه وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت؛ لأن معه علما خفي على النافي. وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملا يعني وحفصة أرادت انه كان يصوم غالبه فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه. وهذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائما العشر، وأما من روى ما رأيته صائما في العشر فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه.

وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه وإنما يقال: صام التسع ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه، وقد سبق حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العشر.

ولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفا في التسع، ويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم الفطر وصام باقيه: أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة، وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه فأما إن أطلق لم يلزمه شيء؛ لأنه يوم الفطر مستثنى شرعا وهذا قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور.

وأما قيام ليالي العشر فمستحب وقد سبق الحديث في ذلك، وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصح، وورد إجابة الدعاء فيهما واستحبه الشافعي وغيره من العلماء، وكان سعيد بن جبير وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه وروي عنه أنه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة.

وأما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله عز وجل: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".

فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها؟ وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه مما عمل في العشر لفضيلة العشر في نفسه؟ فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد لأن الحج مخصوص بالعشر وهو من أفضل ما عمل في العشر أو أفضل ما عمل فيه؟ فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قال: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".
قيل التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بالحج عند جمهور العلماء وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي فيه أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بوجهين:

أحدهما: أن حديث ابن عباس قد صرح فيه بأن جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر فيمكن أن يقال: الحج أفضل من الجهاد إلا جهاد من لم يرجع من نفسه بشيء ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة ويجتمع حينئذ الحديثان.

والثاني: وهو الأظهر: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه كما تقدم وحينئذ فقد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه، فإن كان الحج مفروضا فهو أفضل من التطوع بالجهاد فإن فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء، وقد روي هذا في الحج والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها لين وقد دل على ذلك ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال: "ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه"
وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجه أفضل من جهاده كالمرأة.
وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: "أفضل الجهاد حج مبرور". وفي رواية له: "جهادكن الحج". وفي رواية له: "نعم الجهاد الحج". وكذلك إذا استغرق العشر كله عمل الحج وأتى به على أكمل وجوه البر من أداء الواجبات واجتناب المحرمات وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام وإطعام الطعام وضم إليه كثرة ذكر الله عز وجل والعج والثج وهو رفع الصوت بالتلبية وسوق الهدي فإن هذا الحج على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد، وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور فالجهاد أفضل منه، وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدل على تفضيل الحج على الجهاد وسائر الأعمال وينبغي حمله على الحج المبرور الذي كمل بره واستوعب فعله أيام العشر والله أعلم.

فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" هل يقتضي تفضيل كل عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته أم لا؟
قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره.

وقد قيل: إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر، وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر، واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أي وقت كان، فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: "لا أجده" قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر" قال: ومن يستطيع ذلك. ولفظه للبخاري ولمسلم معناه وزاد ثم قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" وللبخاري: "مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم" وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد".
ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: "هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله" فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا.
وأما ما تقدم من أن كل يوم منه يعدل سنة أو سنتين أو ألف يوم فكلها من أحاديث الفضائل وليست بقوية، ثم إن أكثر ما ورد ذلك في صيامها والصيام له خصوصية في المضاعفة فإنه لله والله يجزي به.

فإن قيل: إنه لا يختص بالصوم بل يعم سائر الأعمال فإنما يدل على تفضيل كل عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة فلا يدخل فيه إلا تفضيل من جاهد في العشر على من جاهد في غيرها سنة.
وإذا قيل يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كل عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه؟
قيل: أما صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شك فإن صوم الفرض أفضل من النفل بلا تردد، وحينئذ فيكون المراد أن ما فعل في العشر في فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض غيره من فرض فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان، وما فعل فيه من نفل فهو أفضل مما فعل في غيره من نفل.
وقد اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره وهذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل، وكان علي ينهي عنه، وعن أحمد في ذلك روايتان وقد علل قول علي: بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعا وبهذا علله الإمام أحمد وغيره، وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر فصام رمضان أجزأه عن فرضه ونذره متوجه وقد علل بغير ذلك وأما قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان فيأتي الكلام فيه إن شاء الله) اهـ.


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 260-266)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 25, 2017 9:58 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355
(الفصل الثاني: في فضل عشر ذي الحجة على غيره من أعشار الشهور.

قد سبق حديث ابن عمر المرفوع: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر"

وفي صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" وقد تقدم ورويناه من وجه آخر بزيادة وهي: "ولا ليالي أفضل من ليالهين" قيل: يا رسول الله هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: " هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه تعفيرا وما من يوم أفضل من يوم عرفة" خرجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نعيم الحافظ بالإسناد الذي خرجه به ابن حبان.

وخرج البزار وغيره من حديث جابر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" قالوا: يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: "ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه بالتراب" وروي مرسلا وقيل: إنه أصح.

وقد سبق ما روي عن ابن عمر قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر ويدل على أن أيام العشر أفضل من أيام الجمعة الذي هو أفضل الأيام.

وقال سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: اختار الله الزمان وأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول ورواه بعضهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ورفعه ولا يصح ذلك.

وقال مسروق في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:2] هي أفضل أيام السنة خرجه عبد الرزاق وغيره .

وأيضا فأيام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة وقد روي أنه أفضل أيام الدنيا كما جاء في حديث جابر الذي ذكرناه وفيه يوم النحر وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر" خرجه الإمام أحمد وأبو دواد وغيرهما وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء هذا في أيامه.

فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر وهذا بعيد جدا.
ولو صح حديث أبي هريرة "قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" لكان صريحا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة فيه وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث ولكن حديث جابر الذي خرجه أبو موسى صرح في تفضيل لياليه كتفضيل أيامه أيضا والأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعا وكذلك الليالي تدخل أيامها تبعا.
وقد أقسم الله تعالى بلياليه فقال {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1, 2] وهذا يدل على فضيلة لياليه لكن لم يثبت أن لياليه ولا شيئا منها يعدل ليلة القدر.

وقد زعم طوائف من أصحابنا أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر ولكن لا يصح ذلك عن أحمد فعلى قول هؤلاء لا يستبعد تفضيل هذا العشر على ليلة القدر.

والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها والله أعلم.

وما تقدم عن كعب يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم الأربعة وكذا قال سعيد بن جبير راوي الحديث عن ابن عباس "ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة".

وفي مسند البزار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة" وفي إسناد ضعف.

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع في خطبته يوم النحر "ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ألا وإن أحرم الشهور شهركم هذا ألا وإن أحرم البلاد بلدكم هذا".

رورى ذلك أيضا عن جابر ووابصة بن معبد ونبيط بن شريط وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم حيث كان أشدها حرمة وقد روى عن الحسن أن أفضلها المحرم وسنذكره عند ذكر شهر المحرم إن شاء الله تعالى.
وأما من قال أفضلها رجب فقوله مردود.) اهـ .


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 266-268)


_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 25, 2017 10:49 pm 
غير متصل

اشترك في: الخميس مارس 29, 2012 9:53 pm
مشاركات: 32858
جزاك الله كل خير على هذا الطرح الرائع

_________________
أستغفر الله العلى العظيم الذى لا اله الاّ هو الحى القيوم وأتوب اليه
أستغفر الله العلى العظيم الذى لا اله الاّ هو الحى القيوم وأتوب اليه
أستغفر الله العلى العظيم الذى لا اله الاّ هو الحى القيوم وأتوب اليه


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت أغسطس 26, 2017 2:10 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355
حامد الديب كتب:
جزاك الله كل خير على هذا الطرح الرائع


وجزاكم الله خيرا وشكرا جزيلا على المرور الكريم

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت أغسطس 26, 2017 2:35 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355
(ولعشر ذي الحجة فضائل أخر غير ما تقدم:

فمن فضائله أن الله تعالى أقسم به جملة وببعضه خصوصا قال تعالى {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1, 2] فأما الفجر فقيل إنه أراد جنس الفجر، وقيل: المراد طلوع الفجر أو صلاة الفجر أوالنهار كله فيه اختلاف بين المفسرين، وقيل بل أريد فجر معين، ثم قيل إنه أريد به فجر أول يوم من عشر ذي الحجة، وقيل: بل أريد به فجر آخر يوم منه وهو يوم النحر وعلى جميع هذه الأقوال فالعشر يشتمل على الفجر الذي أقسم الله به.

وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة هذا الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين من السلف وغيرهم وهو الصحيح عن ابن عباس روي عنه من غير وجه والرواية عنه "أنه عشر رمضان" إسنادها ضعيف.

وفيه حديث مرفوع خرجه الإمام أحمد والنسائي في التفسير من رواية زيد بن الحباب حدثنا عياش بن عقبة حدثنا خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العشر عشر الضحى والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر" وهو إسناد حسن.

وكذا فسر الشفع والوتر ابن عباس في رواية عكرمة وغيره وفسرهما أيضا بذلك عكرمة والضحاك وغير واحد، وقد قيل في الشفع والوتر أقوال كثيرة وأكثرها لا يخرج عن أن يكون العشر أو بعضه مشتملا على الشفع والوتر أو أحدهما كقول من قال: هي الصلاة منها شفع ومنها وتر وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقول من قال: هي المخلوقات منها شفع ومنها وتر يدخل فيها أيام العشر. وقول من قال: الشفع الخلق كله والوتر الله فإن أيام العشر من جملة المخلوقات.

ومن فضائله أيضا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها الله عز وجل لموسى عليه السلام قال الله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] لكن هل عشر ذي الحجة خاتمة الأربعين فيكون هو العشر الذي أتم به الثلاثون أم هو الأول الأربعين فيكون من جملة الثلاثين التي أتمت بعشر فيه اختلاف بين المفسرين.
روى عبد الرزاق عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة وهي العشر التي أتمها الله لموسى عليه السلام.

ومن فضائله: أنه خاتمة الأشهر المعلومات أشهر الحج التي قال الله فيها {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وروي عن عمر وابنه عبد الله وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم، وهو قول أكثر التابعين ومذهب الشافعين وأحمد وأبي حنيفة وأبي يوسف وأبي ثور وغيرهم لكن الشافعي وطائفة أخرجوا منه يوم النحر وأدخله فيه الأكثرون؛ لأنه يوم الحج الأكبر وفيه يقع أكثر أفعال مناسك الحج، وقالت طائفة: ذو الحجة كله من أشهر الحج وهو قول مالك والشافعي في القديم ورواه عن ابن عمر أيضا وروي عن طائفة من السلف وفيه حديث مرفوع خرجه الطبراني لكنه لا يصح، والكلام في هذه المسألة يطول وليس هذا موضعه.

ومن فضائله: أنه الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام قال الله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 27, 28] .
وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه.
وروي عن أبي موسى الأشعري أن الأيام المعلومات هي تسع ذي الحجة غير يوم النحر وأنه قال لا يرد فيهن الدعاء خرجه جعفر الفريابي وغيره.
وقالت طائفة: هي أيام الذبح وروي عن طائفة من السلف وهو قول مالك وأبي يوسف وجعلوا ذكر الله فيها ذكره على الذبح وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما ونقل المروذي عن أحمد أنه استحسنه والقول الأول أظهر.

وذكر الله على بهيمة الأنعام لا يختص بحال ذبحها كما قال تعالى: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج: 37]
وقال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34]
وأيضا فقد قال الله تعالى بعد هذا: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 28, 29]
فجعل هذا كله بعد ذكره في الأيام المعلومات وقضاء التفث وهو شعث الحج وغباره ونصبه والطواف بالبيت إنما يكون في يوم النحر وما بعده ولا يكون قبله وقد جعل الله سبحانه هذا مرتبا على ذكره في الأيام المعلومات بلفظة "ثم" فدل على أن المراد بالأيام المعلومات ما قبل يوم النحر وهو عشر ذي الحجة.

وأما قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28] فقيل إن المراد ذكره عند ذبحها وهو حاصل بذكره في يوم النحر فإنه أفضل أيام النحر، والأصح أنه إنما أريد ذكره شكرا على نعمة تسخير بهيمة الأنعام لعباده فإن لله تعالى على عباده في بهيمة الأنعام نعما كثيرة قد عدد بعضها في مواضع من القرآن، والحاج لهم خصوصية في ذلك عن غيرهم فإنهم يسيرون عليها إلى الحرم لقضاء نسكهم كما قال تعالى: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]، وقال تعالى {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7]، ويأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها وينتفعون بأصوافها واوبارها وأشعارها.

ويختص عشر ذي الحجة في حق الحاج بأنه زمن سوقهم للهدي الذي به يكمل فضل الحج، ويأكلون من لحومه آخر العشر وهو يوم النحر، وأفضل سوق الهدي من الميقات، ويشعر ويقلد عند الإحرام وتقارنه التلبية وهي من الذكر لله في الأيام المعلومات.
وفي الحديث: "أفضل الحج العج والثج"
وفي حديث آخر: "عجوا التكبير عجا وثجوا الإبل ثجا".
فيكون كثرة ذكر الله في أيام العشر شكرا على هذه النعمة المختصة ببهيمة الأنعام التي بعضها يتعلق بدين الحاج وبعضها بدنياهم وأفضل الأعمال ما كثر ذكر الله تعالى منها خصوصا الحج، وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرا في أيام الحج قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 198, 199] فهذا الذكر يكون في عشر ذي الحجة ثم قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200] وهذا يقع في يوم النحر وهو خاتمة العشر أيضا ثم أمر بذكره بعد العشر في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق.
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل".
وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أعظم أجرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" قال فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" قال: ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكثرهم لله ذكرا"
فقال أبو بكر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجل".
وقد خرجه ابن المبارك وابن أبي الدنيا من وجوه أخر مرسلة وفي بعضها: أي الحجاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرا لله". وفي بعضها: أي الحجاج أعظم جرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا". وذكر بقية الأعمال بمعنى ما تقدم فهذا كله بالنسبة إلى الحاج.

فأما أهل الأمصار فإنهم يشاركون الحاج في عشر ذي الحجة في الذكر وإعداد الهدي، فأما إعداد الهدي فإنه العشر تعد فيه الأضاحي كما يسوق أهل الموسم الهدي ويشاركونهم في بعض إحرامهم؛ فإن من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا كما روت ذلك أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حديثها مسلم وأخذ بذلك الشافعي وأحمد وعامة فقهاء الحديث.
ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هديه قبل العشر وأكثرهم لم يشرطوا ذلك.
وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وكثير من الفقهاء وقالوا: لا يكره شيء من ذلك واستدلوا بحديث عائشة كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرم عليه شيء أحله الله له.
وأجاب كثير من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين فيؤخذ بحديث أم سلمة فيمن يريد أن يضحي في مصره وبحديث عائشة فيمن أرسل بهديه مع غيره وأقام في بلده.
وكان ابن عمر إذا ضحى يوم النحر حلق رأسه ونص أحمد على ذلك
.

واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشية عرفة وكان الإمام أحمد لا يفعله ولا ينكر على من فعله؛ لأنه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة، وأما مشاركتهم لهم في الذكر في الأيام المعلومات فإنه يشرع للناس كلهم الإكثار من ذكر الله في أيام العشر خصوصا، وقد سبق حديث ابن عمر المرفوع: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".

واختلف العلماء هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر؟
فأنكره طائفة واستحبه أحمد والشافعي لكن الشافعي خصه بحال رؤية بهيمة الأنعام، وأحمد يستحبه مطلقا.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما
ورواه أبو داود: حدثنا سلام أبو المنذر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس معهما ولا يأتيان لشيء إلا لذلك.
وروى جعفر الفريابي في كتاب العيدين: حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: رأيت سعيد بن جبير ومجاهدا وعبد الرحمن بن أبي ليلى أو اثنين من هؤلاء الثلاثة وما رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

لما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام وليس كل أحد قادرا على مشاهدته في كل عام فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.
"ليالي العشر أوقات الإجابة ... فبادر رغبة تلحق ثوابه
ألا لا وقت للعمال فيه ... ثواب الخير أقرب للإصابة
من أوقات الليالي العشر حقا ... فشمر واطلبن فيها الإنابة


احذروا المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة وروى المروذي في كتاب الورع بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل - إما من الصحابة أو من التابعين- : أن آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة فقال: ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس مرارا إلا أصحاب الشاء يقولون: مات ما موته يعني أصحاب الشطرنج.
فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها.
طاعة الله خير ما لزم العبـ ... ـد فكن طائعا ولا تعصينه
ما هلاك النفوس إلا المعاصي ... فاجتنب ما نهاك لا تقربنه
إن شيئا هلاك نفسك فيه ... ينبغي أن تصون نفسك عنه


المعاصي سبب البعد والطرد كما أن الطاعات أسباب القرب والود.
أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص
أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي


إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام وقصدوا البيت الحرام وملئوا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام، لقد ساروا وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا.
أتراكم في النقا والمنحنى ... أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا ... واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا ... بفضول الريح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم ... غير أن العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلا وقد ... جئته أسعى بأقدام المنى
أنا مذ غبتم على تذكاركم ... أترى عندكمو ما عندنا


القاعد لعذر شريك للسائر، وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم، رأى بعضهم في المنام عشية عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزحام على هذا الموقف فإنه لم يحج منهم أحد إلا رجل تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب له أهل الموقف.

يا سائرين إلى البيت العتيق ... لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ... ومن أقام على عذر كمن راحا


الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة فما منها عوض ولا لها قيمة، المبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدم من عمل.

ليس للميت في قبره ... فطر ولا أضحى ولا عشر
ناء عن الأهل على قربه ... كذاك من مسكنه القبر


يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين، يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين، يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين، يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر أما تستحي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين؟ تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء فمن أصابته سعد بها آخر الدهر) اهـ .


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 268-274)


_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء أغسطس 29, 2017 5:50 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355

(المجلس الثاني في يوم عرفة مع عيد النحر

في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا فقال: أي آية: قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة.
وخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة.

والعيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]
قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته عن الله ، فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه وأنشد سمنون في هذا المعنى:
وكان فؤادي خاليا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببعد منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح


لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما فقال: "إن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما يوم الفطر والأضحى".

فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذكر والشكر والمغفرة والعفو، ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد:
*- عيد يتكرر فهو يوم الجمعة: وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات، فإن الله عز وجل فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلما دور أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم في يوم استكمالهم، وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها، وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة، فالجمعة من الاجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة، وجعل ذلك لهم عيدا؛ ولهذا نهى عن إفراده بالصيام.
وفي شهود الجمعة شبه من الحج، وروي أنها حج المساكين. وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة، والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق، فأولهم كالمهدي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ثم بيضة، وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر، كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى، وقد روي: إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام.
وروي: أن الله تعالى يغفر يوم الجمعة لكل مسلم.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة".
وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى"
فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.


*- وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة:

فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان: وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله والمغفر والعتق من النار فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.


والعيد الثاني: عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة".

ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين؛ فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة.

وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية، بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم، فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك، وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين.

فأهل الموسم يرمون الجمرة فيشرعون في التحلل من إحرامهم بالحج، ويقضون تفثهم، ويوفون نذورهم، ويقربون قرابينهم من الهدايا، ثم يطوفون بالبيت العتيق.

وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له. قال مخنف بن سليم - وهو معدود من الصحابة-: الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة.
ثم ينسكون عقب ذلك نسكهم، ويقربون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم؛ فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة الذي في عيد الفطر؛ لهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر، وقيل له: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي.

والأضاحي سنة إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه بذبح عظيم، وفي حديث زيد بن أرقم قيل: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟
قال: "سنة إبراهيم"
قيل له: فما لنا بها؟
قال: "بكل شعرة حسنة"
قيل: فالصوف؟
قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة".
خرجه ابن ماجه وغيره.


فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب.

مر قوم براهب في دير فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدير؟ قال: يوم يغفر لأهله، ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد فمن ناله منها شيء فله عيد وإلا فهو مطرود بعيد.

كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف علي ألا تجود
سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود


وأنشد غيره:
للناس عشر وعيد ... ونا فقير وحيد
يا غايتي ومناي ... قد لذ لي ما تريد


وأنشد الشبلي:
ليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان
إنما العيد أن تكون لدى الحب ... كريما مقربا في أمان


وأنشد:
إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد
جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود


وأنشد:
قالوا: غدا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جرعا
صبر وفقر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزوار في الثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرءا ومستمعا


وأما أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم عز وجل، فيزورونه، ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلى لهم، وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك، وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] ليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه.

إن يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيد ليس لي عيد سواه.

كل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة، يجتمعون فيه على زيارة ربهم، ويتجلى لهم فيه.
ويوم الجمعة يدعى في الجنة: يوم المزيد.
ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة.
فهذا لعموم أهل الجنة، فأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا.
الخواص كانت أيام الدنيا كلها لهم أعيادا فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعيادا.
قال الحسن: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.

أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج، فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة وإكمال الصيام والحج يجتمعون عند ذلك اجتماعا عاما.

فأما الزكاة فليس لها وقت معين ليتخذ عيدا بل كل من ملك نصابا فحوله بحسب ملكه.

وأما الشهادتان فإكمالها يحصل بتحقيقهما، والقيام بحقوقها، وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك في كل وقت؛ فلذلك كانت أوقاتهم كلها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة كما أنشد الشبلي:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف ... والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين وعين دمعها يكف


ولما كان عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده، فقبله وبعده: فقبله يوم عرفة، وبعده أيام التشريق، وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم، كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب".
خرجه أهل السنن وصححه الترمذي.
ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة؛ لأنه أول أعيادهم، وأكبر مجامعهم، وقد أفطره النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة والناس ينظرون إليه، وروي أنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، وروي عن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة؟ فقال: لأنهم زوار الله وأضيافه ولا ينبغي للكريم أن يجوع أضيافه. وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا فإن الناس كلهم في ضيافة الله عز وجل لاسيما عيد النحر فإن الناس يأكلون من لحوم نسكهم أهل الموقف وغيرهم.

وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا؛ ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي بمكة: "إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل فلا يصومن أحد".

وقد يجتمع في يوم واحد عيدان كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النحر فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا لاجتماع عيدين فيه، وقد كان ذلك، اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] .

وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه:
منها: أن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام بعد فرض الحج قبل ذلك ولا أحد منهم، هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم، فيكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها.

ومنها: أن الله تعالى أعاد الحج على قواعد إبراهيم عليه السلام، ونفى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد.
قال الشعبي: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم، واضمحل الشرك، وهدمت منار الجاهلية، ولم يطف بالبيت عريان.
وكذا قال قتادة وغيره، وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها تحليل ولا تحريم قاله أبو بكر بن عياش.

وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة، فلا تتم النعمة بدونها، كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} [الفتح:2].
وقال تعالى في آية الوضوء: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6]
ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظي بأن الوضوء يكفر الذنوب، كما وردت السنة بذلك صريحا، ويشهد له أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو ويقول: أسألك تمام النعمة. فقال له: "تمام النعمة النجاة من النار ودخول الجنة"
فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار.

فيوم عرفة له فضائل متعددة.) اهـ .


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 274-280)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أغسطس 31, 2017 12:40 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2355
(فيوم عرفة له فضائل متعددة:

منها: أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.

ومنها: أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس فإن ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة.
وروي عن عمر أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد خرجه ابن جرير في تفسيره ويشهد له حديث عقبة بن عامر المتقدم لكنه عيد لأهل الموقف خاصة ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء وإن خالف فيه بعض السلف.

ومنها: أنه قد قيل: إنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه وأن الوتر يوم النحر، وقد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر خرجه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره.
وقيل: إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه فقال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج:3].
وفي المسند عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: "الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة" وخرجه الترمذي مرفوعا وروي ذلك عن علي من قوله.
وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا: "الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة" وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم الجمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.

ومنها: أنه روي أنه أفضل الأيام خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الأيام يوم عرفة" وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء.
ومنهم من قال: يوم النحر أفضل الأيام لحديث عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر" خرجه الإمام أحمد وأبو دواد والنسائي وابن حبان في صحيحه ولفظه: "أفضل الأيام".

ومنها: أنه روي عن أنس بن مالك أنه قال: كان يقال: يوم عرفة بعشرة آلاف يوم. يعني في الفضل، وقد ذكرناه في فضل العشر وروي عن عطاء قال: من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم.

ومنها: أنه يوم الحج الأكبر عند جماعة من السلف منهم عمر وغيره.
وخالفهم آخرون وقالوا: يوم الحج الأكبر يوم النحر وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أن صيامه كفارة سنتين وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".

وفي المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا".

وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يباهي بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا" وخرجه ابن حبان في صحيحه.

وخرج فيه أيضا من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة"

وخرجه ابن منده في كتاب التوحيد ولفظه: "إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم فتقول الملائكة: يا رب فلان مرهق فيقول: قد غفرت لهم فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة" وقال: إسناد حسن متصل انتهى.

ورويناه من وجه آخر بزيادة فيه وهي: "أشهدكم يا عبادي أني قد غفرت لمحسنهم وتجاوزت عن مسيئهم".
...
ورويناه من طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم عن الأشياخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يدنو إلى السماء الدنيا عشية فيقبل على ملائكته فيقول: ألا إن لكل وفد جائزة وهؤلاء وفدي شعثا غبرا أعطوهم ما سألوا واخلفوا لهم ما أنفقوا حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبل عليهم فقال: ألا إني قد وهبت مسيئكم لمحسنكم وأعطيت محسنكم ما سأل أفيضوا بسم الله".

وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي، حدثنا فرقد قال: إن أبواب السماء تفتح كل ليلة ثلاث مرات وفي ليلة الجمعة سبع مرات وفي ليلة عرفة تسع مرات.

وروينا من طريق نفيع أبي دواد عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: "إذا كان يوم عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غفر له. قيل له: أللمعروف خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة".

وخرج مالك في الموطأ من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر" قيل: وما رأى يوم بدر قال: "رأى جبريل عليه السلام وهو يزع الملائكة".

وروى أبو عثمان الصابوني بإسناد له عن رجل كان أسيرا ببلاد الروم فهرب من بعض الحصون قال: فكنت أسير بالليل وأكمن بالنهار فبينا أنا ذات ليلة أمشي بين جبال وأشجار إذا أنا بحس فراعني ذلك فنظرت فإذا راكب بعير فازددت رعبا وذلك لأنه لا يكون ببلاد الروم بعير فقلت: سبحان الله في بلاد الروم راكب بعير إن هذا لعجب فلما انته إلي قلت: يا عبد الله من أنت؟ قال: لا تسأل قلت: إني أرى عجبا! فأخبرني؟ فقال: لا تسأل فأبيت عليه فقال: أنا إبليس وهذا وجهي من عرفات رافقتهم عشية اليوم اطلع عليهم فنزلت عليهم المغفرة ووهب بعضهم لبعض فداخلني اللهم والحزن والكآبة وهذا وجهي إلى قسطنطينية انفرج بما أسمع من الشرك بالله وادعاء أن له ولدا فقلت: أعوذ بالله منك فلما قلت: هذا الكلمات لم أر أحدا.

ويشهد لهذه الحكاية حديث عباس بن مرداس الذي خرجه أحمد وابن ماجه في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة ثم بالمزدلفة فأجيب فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: "إن إبليس حين علم أن الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي أهوى يحثي التراب على رأسه ويدعو بالويل والثبور فضحكت من الخبيث من جزعه".

ويروى عن علي بن موفق أنه وقف بعرفة في بعض حجاته فرأى كثرة الناس فقال: اللهم إن كنت لم تتقبل منهم أحدا فقد وهبته حجي فرأى رب العزة في منامه وقال له: يا ابن الموفق أتسخى علي قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم وشفعت كل واحد منهم في أهل بيته وذريته وعشيرته وأنا أهل التقوى وأنا أهل المغفرة. ويروى نحوه عن غيره أيضا من الشيوخ.


فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة

فمنها: صيام ذلك اليوم ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده".

ومنها: حفظ جوراحه عن المحرمات في ذاك اليوم ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له".

ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه وفي المسند عن عبد الله بن عمر قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير".
وخرجه الترمذي ولفظه: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وخرجه الطبراني من حديث علي وابن عمر مرفوعا أيضا.

وخرج الإمام أحمد من حديث الزبير بن العوام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] الآية ويقول: "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب" ويروى من حديث عبادة قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فكان أكثر قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] الآية ثم قال: "أي رب وأنا أشهد".
فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما ثبت في الصحيح: أن من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب.
وثبت أيضا: أن من قالها عشر مرات كان كمن اعتق أربعة من ولد إسماعيل.

وفي سنن أبي دواد وغيره عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار".

ويروى من مراسيل الزهري: "من قال في يوم: عشرة آلاف مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعتقه الله من النار كما أنه لو جاء بدية من قتله عشرة آلاف قبلت منه".


ومنها: أن يعتق رقبة إن أمكنه فإن من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار كان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة فيعتق رقيقه فيضج الناس بالبكاء والدعاء ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده ونحن عبيدك فأعتقنا.
وجرى للناس مرة مع الرشيد نحو هذا.
وكان أبو قلابة يعتق جارية في عيد الفطر يرجو أن يعتق بذلك من النار.

ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب من يوم عرفة فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس فإنه عامة دعائي اليوم.


وليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق:

فمنها: الاختيال: روينا من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يري يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله فيه لمختال". وخرجه البزار والطبراني وغيرهما.
والمختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى جر ثوبه خيلاء".

ومنها: الإصرار على الكبائر: روى جعفر السراج بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى أنه حج سنة فرأى أمير الحاج في منامه أن الله قد غفر لأهل الموسم سوى رجل فسق بغلام فأمر بالنداء بذلك في الموسم.
وروى ابن أبي الدنيا وغيره أن رجلا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلهم إلا رجلا من أهل بلخ فسأل عنه حتى وقع عليه فسأله عن حاله فذكر أنه كان مدمنا لشرب الخمر ليلة وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنور فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت.

يا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار تالله نصحت نفسك ولا وقف في طريقك غيرك توبق نفسك بالمعاصي فإذا حرمت المغفرة قلت: أني هذا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] .


فنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمدا فليس لك اعتذار

إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار.

اشترى بعض السلف نفسه من الله ثلاث مرار أو أربعا يتصدق كل مرة بوزن نفسه فضة.
واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بدية ست مرات تصدق بها.
واشترى حبيب نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدق بها.
وكان أبو هريرة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته يفتك بذلك نفسه.

بدم الحبيب يباع وصلهم ... فمن الذي يبتاع في الثمن

من عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل، ويحك قد رضينا منك في فكاك نفسك بالندم، وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن، وفي هذا الموسم قد رخص السعر، من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له، مد إليه يد الاعتذار، وقم على بابه بالذل والانكسار، وارفع قصة ندمك مرقومة على صحيفة خدك بمداد الدموع والغزار، وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
قال يحيى بن معاذ: العبد يوحش ما بينه وبين سيده بالمخالفات ولا يفارق بابه بحال لعلمه بأن عز العبد في ظل مواليهم وأنشأ يقول:
قرة عيني لا بد لي منك وإن ... أوحش بيني وبينك الزلل
قرة عيني أنا الغريق فخذ ... كف غريق عليك يتكل



كانت أحوال الصادقين في الموقف بعرفة تتنوع:

فمنهم: من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء: وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة فقال أحدهم: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي.
وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.

وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واسوأتاه منك وإن عفوت.

وقال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحد شرا مني ومنك فبئس ما ظننت.

دعا بعض العارفين بعرفة فقال: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول مني.

وقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس فنادى الأمان فقد دنا الانصراف فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين.

وإني من خوفكم والرجا ... أرى الموت والعيش منكم عيانا
فمنوا على تائب خائف ... أتاكم ينادي الأمان الأمانا


إذا طلب الأسير من الملك الكريم أمنه أمنه.

الأمان الأمان وزري ثقيل ... وذنوبي إذا عددن تطول
أوبقتني وأوثقتني ذنوبي ... فترى لي إلى الخلاص سبيل


وقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء فقيل له: لم لا تدعو؟ فقال: ثم وحشة فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب فبسط يديه ووقع ميتا.

جز أيها الحادي إلى نعمان ... فاستذكرت عهدا لها بالبان
فسالت الروح من الأجفان ... تشوقا إلى الزمان الفاني


غيره:
قد لج من الغرام حتى قالوا ... قد جن فيهم وهكذا البلبال
الموت إذا رضيته سلسال ... في مثل هواك ترخص الآجال


وقف بعض الخائفين بعرفات وقال: إلهي الناس يتقربون إليك بالبدن وأنا أتقرب إليك بنفسي ثم خر ميتا.

للناس حج ولي حج إلى سكني ... تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي ودم

ما يرضى المحبون لمحبوبهم بإراقة دماء الهديا وإنما يهدون له الأرواحا.

أرى موسم الأعياد أنس الحبائب ... وما العبد عندي غير قرب الحبائب
إذا قربوا بدنا فقرباني الهوى ... فإن قبلوا قلبي وإلا فقالبي
وما بدم الأنعام أقضي حقوقهم ... ولكن بما بين الحشا والترائب


كان أبو عبيدة الخواص قد غلب عليه الشوق والقلق حتى يضرب على صدره في الطريق ويقول: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه. وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا رب قد كبرت فاعتقني. ورؤي بعرفة وقد ولع به الوله وهو يقول:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له ... على حمى الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معاشر نعمته ... ولا العشير ولا عشرا من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه ... سبحانه من مليك نافذ القدر
سبحان من هو أُنسى إذا خلوت به ... في جوف ليلي وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي ... من لي سواك ومن أرجوه يا ذخر


ومن العارفين من إن بالموقف يتعلق بأذيال الرجاء: قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم.

وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا -يعني سدس درهم- أكان يردهم؟
قالوا: لا.
قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

وإني لأدعو الله أطلب عفوه ... واعلم أن الله يعفو ويغفر
لئن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإن عظمت في رحمة الله تصغر


وعما قليل تقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف فهنيئا لمن رزقه، يجأورن إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة، فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحب ألهبه الشوق وأحرقه، وراج أحسن الظن بوعد الله وصدقه، وتائب نصح لله في التوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه، فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه، وحينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء، ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن وهو الذي أعطى ومنع ووصل وقطع.

ما أصنع هكذا جرى المقدور ... الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد مأسور ... هل يمكن أن يبدل المسطور


من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، من لم يقدر على نحر هديه بمنا فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.) اهـ باختصار.


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 280-287)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: وظائف شهر ذي الحجة
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أغسطس 07, 2019 1:44 pm 
غير متصل

اشترك في: السبت فبراير 21, 2004 4:33 am
مشاركات: 9942
البخاري كتب:
(وظائف شهر ذي الحجة
المجلس الأول: في فضل عشر ذي الحجة
الفصل الأول: في فضل العمل فيه
...
...
خرج البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم رجع من ذلك بشيء".
الكلام في فضل عشر ذي الحجة في فصلين: في فضل العمل فيه وعليه دل هذا الحديث وفي فضله في نفسه.

الفصل الأول: في فضل العمل فيه.
وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده وقد ورد هذا الحديث بلفظ:
"ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر".
وروي بالشك في لفظه: "أحب أو أفضل".
وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد" ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل قال: "من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله".

سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: "إذن يعقر جوادك وتستشهد" فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها وكذلك سائر الأعمال وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره وقد روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا زيادة: "والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة" وفي إسنادها ضعف.

وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بسنة وكل ليلة منها بقيام ليلة القدر".
والنهاس بن قهم ضعفوه، وذكر الترمذي عن البخاري أن الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا.

وروى ثوير بن أبي فاخته -وفيه ضعف-ـ عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر فإن العمل فيها يعدل عمل سنة.

وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة.

وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك فروى هارون بن موسى النحوي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف.
قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى في المضاعفة أقل من سنة قال حميد بن زنجويه: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام كل يوم من أيام من أيام العشر كصيام شهر" وهذا مرسل ضعيف الإسناد.

وروى عبد الرزاق في كتابه عن جعفر عن هشام عن الحسن قال: صيام يوم العشر يعدل شهرين.
وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف.
وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر وهي كثيرة.
وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها.

وقد روي في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه وكثرة الذكر فيه ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن لعدم صحته، وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك ومرسل راشد بن سعد وما روي عن الحسن وابن سيرين وقتادة في صومه.
وفي المسند والسنن عن حفصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر. وفي إسناده اختلاف.
وروي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة.
وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط. وفي رواية: في العشر قط. وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روى خلافه وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت؛ لأن معه علما خفي على النافي. وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملا يعني وحفصة أرادت انه كان يصوم غالبه فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه. وهذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائما العشر، وأما من روى ما رأيته صائما في العشر فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه.

وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه وإنما يقال: صام التسع ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه، وقد سبق حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العشر.

ولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفا في التسع، ويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم الفطر وصام باقيه: أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة، وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه فأما إن أطلق لم يلزمه شيء؛ لأنه يوم الفطر مستثنى شرعا وهذا قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور.

وأما قيام ليالي العشر فمستحب وقد سبق الحديث في ذلك، وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصح، وورد إجابة الدعاء فيهما واستحبه الشافعي وغيره من العلماء، وكان سعيد بن جبير وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه وروي عنه أنه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة.

وأما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله عز وجل: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".

فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها؟ وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه مما عمل في العشر لفضيلة العشر في نفسه؟ فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد لأن الحج مخصوص بالعشر وهو من أفضل ما عمل في العشر أو أفضل ما عمل فيه؟ فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قال: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".
قيل التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بالحج عند جمهور العلماء وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي فيه أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بوجهين:

أحدهما: أن حديث ابن عباس قد صرح فيه بأن جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر فيمكن أن يقال: الحج أفضل من الجهاد إلا جهاد من لم يرجع من نفسه بشيء ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة ويجتمع حينئذ الحديثان.

والثاني: وهو الأظهر: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه كما تقدم وحينئذ فقد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه، فإن كان الحج مفروضا فهو أفضل من التطوع بالجهاد فإن فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء، وقد روي هذا في الحج والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها لين وقد دل على ذلك ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال: "ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه"
وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجه أفضل من جهاده كالمرأة.
وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: "أفضل الجهاد حج مبرور". وفي رواية له: "جهادكن الحج". وفي رواية له: "نعم الجهاد الحج". وكذلك إذا استغرق العشر كله عمل الحج وأتى به على أكمل وجوه البر من أداء الواجبات واجتناب المحرمات وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام وإطعام الطعام وضم إليه كثرة ذكر الله عز وجل والعج والثج وهو رفع الصوت بالتلبية وسوق الهدي فإن هذا الحج على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد، وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور فالجهاد أفضل منه، وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدل على تفضيل الحج على الجهاد وسائر الأعمال وينبغي حمله على الحج المبرور الذي كمل بره واستوعب فعله أيام العشر والله أعلم.

فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" هل يقتضي تفضيل كل عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته أم لا؟
قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره.

وقد قيل: إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر، وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر، واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أي وقت كان، فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال:
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: "لا أجده" قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر" قال: ومن يستطيع ذلك. ولفظه للبخاري ولمسلم معناه وزاد ثم قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" وللبخاري: "مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم" وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد".
ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: "هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله" فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا.
وأما ما تقدم من أن كل يوم منه يعدل سنة أو سنتين أو ألف يوم فكلها من أحاديث الفضائل وليست بقوية، ثم إن أكثر ما ورد ذلك في صيامها والصيام له خصوصية في المضاعفة فإنه لله والله يجزي به.

فإن قيل: إنه لا يختص بالصوم بل يعم سائر الأعمال فإنما يدل على تفضيل كل عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة فلا يدخل فيه إلا تفضيل من جاهد في العشر على من جاهد في غيرها سنة.
وإذا قيل يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كل عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه؟
قيل: أما صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شك فإن صوم الفرض أفضل من النفل بلا تردد، وحينئذ فيكون المراد أن ما فعل في العشر في فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض غيره من فرض فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان، وما فعل فيه من نفل فهو أفضل مما فعل في غيره من نفل.
وقد اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره وهذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل، وكان علي ينهي عنه، وعن أحمد في ذلك روايتان وقد علل قول علي: بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعا وبهذا علله الإمام أحمد وغيره، وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر فصام رمضان أجزأه عن فرضه ونذره متوجه وقد علل بغير ذلك وأما قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان فيأتي الكلام فيه إن شاء الله) اهـ.


لطائف المعارف لابن رجب (ص: 260-266)


يرفع للفائدة

كل عام و أنتم جميعا بخير


_________________
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33

صورة


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 8 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 5 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط