موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: مَسْأَلَة رُؤْيَة الله عز وجل
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أكتوبر 06, 2016 7:02 pm 
غير متصل

اشترك في: السبت ديسمبر 21, 2013 9:44 pm
مشاركات: 1579
مَسْأَلَة رُؤْيَة الله

قَالَ أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله القَوْل فِي رُؤْيَة الرب عز وَجل عندنَا لَازم وَحقّ من غير إِدْرَاك وَلَا تَفْسِير فَأَما الدَّلِيل على الرُّؤْيَة فَقَوله تَعَالَى {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} وَلَو كَانَ لَا يرى لم يكن لنفى الْإِدْرَاك حِكْمَة إِذْ يدْرك غَيره بِغَيْر رُؤْيَة فموضع نفى الْإِدْرَاك وَغَيره من الْخلق لَا يدْرك إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ لَا معنى لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقش
وَالثَّانِي قَول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك} وَلَو كَانَ لَا يجوز الرُّؤْيَة لَكَانَ ذَلِك السُّؤَال مِنْهُ جهل بربه وَمن يجهله لَا يحْتَمل أَن يكون موضعا لرسالته أَمينا على وحيه
وَبعد فَإِن الله تَعَالَى لم يَنْهَهُ وَلَا أيأسه وَبِدُون ذَلِك نهى نوحًا وعاتب آدم وَغَيرهمَا من الرُّسُل وَذَلِكَ لَو كَانَ لَا يجوز يبلغ الْكفْر ثمَّ قَالَ {فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني} فَإِن قيل لَعَلَّه سَأَلَ آيَة يعلم بهَا قيل لَا يحْتَمل ذَلِك لوجوه أَحدهَا أَنه قَالَ {لن تراني} وَقد أرَاهُ
وَأَيْضًا إِن طلب الْآيَات يخرج مخرج التعنت أَو قد أرَاهُ الْآيَات وَذَلِكَ تعنت الْكَفَرَة أَنهم لَا يزالون يطْلبُونَ الْآيَات وَإِن كَانَت الْكِفَايَة قد ثبتَتْ فَمثله ذَلِك
وَأَيْضًا أَنه قَالَ {فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني} وَالْآيَة الَّتِي يسْتَقرّ مَعهَا الْجَبَل دون الْآيَة الَّتِي لَا يسْتَقرّ مَعهَا ثَبت أَنه لم يرد بذلك الْآيَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا مُحَاجَّة إِبْرَاهِيم قومه فِي النُّجُوم وَمَا ذكر بالأفول والغيبة وَلم يحاجهم بِأَن لَا يحب رَبًّا يرى وَلَكِن حاجهم بِأَن لَا يحب رَبًّا يأفل إِذْ هُوَ دَلِيل عدم الدَّوَام وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} ثمَّ لَا يحْتَمل ذَلِك الإنتظار لأوجه أَحدهَا أَن الْآخِرَة لَيست لوقت الإنتظار إِنَّمَا هِيَ الدُّنْيَا هِيَ دَار الْوُقُوع والوجود إِلَّا وَقت الْفَزع وَقيل إِنَّهُم يعاينوا فِي أنفسهم مَا لَهُ حق الْوُقُوع وَالثَّانِي قَوْله {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة} وَذَلِكَ وُقُوع الثَّوَاب وَالثَّالِث قَوْله {إِلَى رَبهَا ناظرة} و {إِلَى} حرف يسْتَعْمل فِي النّظر إِلَى الشَّيْء لَا فِي الإنتظار وَالرَّابِع أَن القَوْل بِهِ يخرج مخرج الْبشَارَة تَعْظِيم مَا نالوا من النعم والإنتظار لَيْسَ مِنْهُ مَعَ مَا كَانَ الصّرْف عَن حَقِيقَة الْمَفْهُوم قَضَاء على الله فَيلْزم القَوْل بِالنّظرِ إِلَى الله كَمَا قَالَ على نفى جَمِيع مَعَاني الشّبَه عَن الله سُبْحَانَهُ على مثل مَا أضيف إِلَيْهِ من الْكَلَام وَالْفِعْل وَالْقُدْرَة والإرادة يجب الْوَصْف بِهِ على نفى جَمِيع مَعَاني الشّبَه وَكَذَلِكَ القَوْل بالهستية فَمن زعم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر أَن يكرم أحدا بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ يقدر بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي فهمها من الْخلق وَإِن كَانَ القَوْل بالرحمن على الْعَرْش اسْتَوَى وَغير ذَلِك من الْآيَات لَا يجب دَفعهَا بِالْعرضِ على الْمَفْهُوم من الْخلق بل يُحَقّق ذَلِك على نفى الشّبَه فَمثله خبر الرُّؤْيَة وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى {للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة} وَجَاء فِي غير خبر النّظر إِلَى الله وَقد يحْتَمل غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ فِيهِ التَّفْسِير لكنه لَوْلَا أَن القَوْل بِالرُّؤْيَةِ كَانَ أمرا ظَاهرا لم يحْتَمل صرف ظَاهر لم يَجِيء فِيهَا إِلَيْهَا وَيدْفَع بِهِ الْخَبَر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا مَا جَاءَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غير خبر أَنه قَالَ
سَتَرَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَا تضَامون وَسُئِلَ هَل رَأَيْت رَبك فَقَالَ بقلبي قيل فَلم يُنكر على السَّائِل السُّؤَال وَقد علم السَّائِل أَن رُؤْيَة الْقلب هِيَ الْعلم وَأَنه قد علمه وَأَنه لم يسْأَل عَن ذَلِك وَقد حذر الله عز وَجل الْمُؤمنِينَ عَن السُّؤَال عَن أَشْيَاء قد كفوا عَنْهَا بقوله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء} فَكيف يحْتَمل أَن يكون السُّؤَال عَن مثله بحي وَذَلِكَ كفر فِي الْحَقِيقَة عِنْد قوم ثمَّ لَا ينهاهم عَن ذَلِك وَلَا يوبخهم فِي ذَلِك بل يلين القَوْل فِي ذَلِك وَيرى أَن ذَلِك لَيْسَ ببديع وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى وعد أَن يجزى أحسن مِمَّا عمِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا شَيْء أحسن من التَّوْحِيد وَأَرْفَع قدرا من الْإِيمَان بِهِ إِذْ هُوَ المستحسن بالعقول وَالثَّوَاب الْمَوْعُود من جَوْهَر الْجنَّة حسنه حسن الطَّبْع وَذَلِكَ دون حسن الْعقل إِذْ لَا يجوز أَن يكون شَيْء حسنا فِي الْعُقُول لَا يستحسنه ذُو عقل وَجَائِز مَا استحسنه الطَّبْع أَن يكون طبع لَا يتلذذ بِهِ كطبع الْمَلَائِكَة وَمثله فِي الْعقُوبَة لذَلِك لزم القَوْل بِالرُّؤْيَةِ لتَكون كَرَامَة تبلغ فِي الْجَلالَة مَا أكْرمُوا بِهِ وَهُوَ أَن يصير لَهُم المعبود بِالْغَيْبِ شُهُودًا كَا صَار الْمَطْلُوب من الثَّوَاب حضورا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن كلا يجمع على الْعلم بِاللَّه فِي الْآخِرَة الْعلم الَّذِي لَا يَعْتَرِيه الوسواس وَذَلِكَ علم العيان لَا علم الإستدلال وَكثر الْآيَات لَا تحقق علم الْحق الَّذِي لَا يعتري ذَلِك دَلِيله قَوْله {وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة} وَمَا ذكر من استعانة الْكَفَرَة بالتكذيب فِي الْآخِرَة وإنكار الرُّسُل وَقَوْلهمْ لم نمكث إِلَّا سَاعَة من النَّهَار وَغير ذَلِك
وَبعد فَإِنَّهُ إِذْ لَا يجوز أَن يصير علم العيان نَحْو علم الإستدلال لم يجز أَن يصير علم الإستدلال نَحْو علم العيان فَثَبت أَن الرُّؤْيَة توجب ذَلِك
وَبعد فَإِن فِي ذَلِك الْعلم يستوى الْكَافِر وَالْمُؤمن والبشارة بِالرُّؤْيَةِ خص بهَا الْمُؤمن وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله وَلَا نقُول بالإدراك لقَوْله {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} فقد امتدح بِهِ بنفى الْإِدْرَاك لَا يَنْفِي الرُّؤْيَة وَهُوَ كَقَوْلِه {وَلَا يحيطون بِهِ علما} كَانَ فِي ذَلِك إِيجَاب الْعلم وَنفى الْإِحَاطَة فَمثله فِي حق الْإِدْرَاك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَأَيْضًا إِن الْإِدْرَاك إِنَّمَا هُوَ الْإِحَاطَة بالمحدود وَالله يتعالى عَن وصف الْحَد إِذْ هُوَ نِهَايَة وتقصير عَمَّا هُوَ أَعلَى مِنْهُ على أَنه واحدي الذَّات وَالْحَد وصف الْمُتَّصِل الْأَجْزَاء حَتَّى يَنْقَضِي مَعَ إِحَالَة القَوْل بِالْحَدِّ أَو كَانَ وَلَا مَا يحد أَو بِهِ يحد فَهُوَ على ذَلِك لَا يتَغَيَّر على أَن لكل شَيْء حدا يدْرك بسبيله نَحْو الطّعْم واللون والذوق والرائحة وَغير ذَلِك من حُدُود خاصية الْأَشْيَاء جعل الله لكل شَيْء من ذَلِك وَجها يدْرك بِهِ ويحاط بِهِ حَتَّى الْعُقُول والأعراض فَأخْبر الله أَنه لَيْسَ بِذِي حُدُود وجهات هِيَ طرف إِدْرَاكه بالأسباب الْمَوْضُوعَة لتِلْك الْجِهَات وعَلى ذَلِك القَوْل بِالرُّؤْيَةِ وَالْعلم جَمِيعًا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن القَوْل بِالرُّؤْيَةِ يَقع على وُجُوه لَا يعلم حَقِيقَة كل وَجه من ذَلِك إِلَّا بِالْعلمِ بذلك الْوَجْه حَتَّى إِذا عبر عَنهُ بِالرُّؤْيَةِ صرف إِلَى ذَلِك وَمَا لَا يعرف لَهُ الْوَجْه بِدُونِ ذكر الرُّؤْيَة لزم الْوَقْف فِي مائيتها على تحقيقها وَأما الْإِدْرَاك إِنَّمَا هُوَ معنى الْوُقُوف على حُدُود الشَّيْء أَلا ترى أَن الظل فِي التَّحْقِيق يرى لكنه لَا يدْرك إِلَّا بالشمس وَإِلَّا كَانَ مرئيا على مَا يرى لوقت تسبح الشَّمْس وَلَكِن لَا يدْرك بِالرُّؤْيَةِ إِلَّا بِمَا يتَبَيَّن لَهُ الْحَد وَكَذَلِكَ ضوء النَّهَار يرى لَكِن حَده لَا يعرف بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ الظلمَة لِأَن طرفها لَا يرى فيدرك ويحاط بِهِ وبالحدود يدْرك الشَّيْء وَإِن كَانَ يرى لَا بِهِ وَلذَلِك ضرب الْمثل بالقمر أَنه لَا يعرف وَحده وَلَا سعته ليوقف ويحاط بِهِ وَيرى بِيَقِين وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
قَالَ أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله وَالْأَصْل فِيهِ القَوْل بذلك على قدر مَا جَاءَ وَنفى كل معنى من مَعَاني الْخلق وَلَا يُفَسر لما لم يَجِيء فِي ذَلِك تَفْسِير وَالله الْمُوفق
ثمَّ احْتج الكعبي بِأَنَّهُ الْإِدْرَاك وَقد بَينا ذَلِك ثمَّ زعم أَن الْعلم بالغائب إِذْ لم يخرج عَن الْوُجُوه الَّتِي بهَا يعلم فَكَذَلِك لَا يرى إِلَّا بالوجوه الَّتِي بهَا يرى من المباينة للمرئى وَلما حل فِيهِ المرئى بالمسافة والمقابلة وإيصال الْهَوَاء والصغر وَعدم الصغر والبعد وَلَو جَازَت الرُّؤْيَة بِخِلَاف هَذَا لجَاز الْعلم بِهِ
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله وَقد أَخطَأ فِي هَذَا الْفَصْل بِوُجُوه أَحدهَا أَنه قدر بِرُؤْيَة جوهره وَقد علم أَن غير جوهره جَوَاهِر يرَوْنَ من الْوَجْه الَّذِي لَا يقدر على الْإِحَاطَة بجوهره فضلا عَن إِدْرَاك بَصَره نَحْو الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَغَيرهم مِمَّا يروننا من حَيْثُ لَا نراهم والجثة الصَّغِيرَة نَحْو البق والبعوض وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يرى لما لَو توهم ذَلِك الْبَصَر لما احْتمل الْإِدْرَاك وَيرى الْملك الَّذِي يكْتب جَمِيع أفعالنا وَيسمع جَمِيع أقوالنا على مَا إِذا أردنَا تَقْدِير ذَلِك بِمَا عَلَيْهِ جبلنا للَزِمَ إِنْكَار ذَلِك كُله وَذَلِكَ عَظِيم وَكَذَلِكَ مَا ذكر من نطق الْجُلُود والجوارح وَغَيرهَا مِمَّا لَو امتحن بِمِثْلِهَا أَمر الشَّاهِد لوجد عَظِيما
وَبعد فَإِنَّهُ فِي الشَّاهِد يفصل بَين الْبَصَر فِي الرُّؤْيَة والتمييز على قدر تفاوتهما بِمَا اعتراهما من الْحجب مِمَّا لَو قَابل أَحدهمَا حَال الآخر على حَالَته وجده مستنكرا وَإِذا كَانَ كَذَلِك بَطل التَّقْدِير بِالَّذِي ذكر وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَنه فِي الشَّاهِد بِكُل أَسبَاب الْعلم لَا يعلم غير الْعرض والجسم ثمَّ جَاءَ من الْعلم بالغائب خَارِجا مِنْهُ فَمثله الرُّؤْيَة وَالله أعلم
وَالثَّالِث مَا بَينا من رُؤْيَة الظل والظلمة والنور من غير شَيْء من تِلْكَ الْوُجُوه
وَالرَّابِع أَنه قد يجوز وجود تِلْكَ الْمعَانِي كلهَا مَعَ عدم الرُّؤْيَة إِمَّا بحجب أَو جَوْهَر فَجَاز تَحْقِيق الرُّؤْيَة على نفي تِلْكَ الْمعَانِي نَحْو مَا أُجِيب الْقَائِل بالجسم عِنْد معارضته بالفاعل والعالم أَنه جسم لَا كَذَلِك فَيجوز وجود ذَلِك وَلَا جسم فَمثله فِي الرُّؤْيَة
على أَن الْبعد الَّذِي يحجبنا والدقة يجوز أَن يبلغهُ بصر غَيرنَا فَصَارَ ارْتِفَاع الرُّؤْيَة بالحجاب فَإِذا ارْتَفع جَازَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَبعد فَإِن الَّذِي يَقُوله تَقْدِير بِرُؤْيَة الْأَجْسَام وَلم يمْتَحن بَصَره بِغَيْر الْأَجْسَام والأعراض أَن كَيفَ سَبِيل الرُّؤْيَة لَهُ
وَبعد فَإِن كل جسم يرى وَإِن كَانَ الدقة والبعد يحجبان فَيجوز إرتفاعهما عَن بصر غَيره فَيرى علما مَا يرى ملك الْمَوْت من بأطراف الأَرْض ووسطها مِمَّا لَو اعْتبر ذَلِك ببصر الْبشر لما احْتمل الْإِدْرَاك فَثَبت أَن الَّذِي قدر بِهِ لَيْسَ هُوَ سَبَب تَعْرِيف مَا يبصر وَلَكِن سَبَب تَعْرِيف مَا يحجب بِهِ الْبَصَر فَإِذا ارْتَفع رأى مَعَ مَا كَانَ المنفى رُؤْيَته لذاته عرض وَإِلَّا فَكل جسم يرى فَإِن لزم إِنْكَار الرُّؤْيَة لما لَيْسَ بجسم أَو لما لَا يرى إِلَّا بِمَا ذكر ليلزم الْإِقْرَار بِهِ لِأَن الَّذِي لَا يرى لذاته هُوَ الْعرض وَإِلَّا فَكل عين يرى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعارض بِأَمْر الدُّنْيَا وَلَا يُحَال ذَلِك وَلَكِن يسْقط المحنة وَيرْفَع الكلفة وَالدُّنْيَا لَهما خلقت
ثمَّ ذكر فِي أَمر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَن ذَلِك على علم الْإِحَاطَة بِالْآيَاتِ وَقد بَينا فَسَاد ذَلِك وَمَا ذَلِك بلغ الْعلم بِالَّذِي يسْأَل وَهُوَ رَسُول بعث إِلَى مَا بِهِ نجاة الْخلق وَذَلِكَ لَا يكون بِغَيْر الممتحن إِذْ هُوَ تَبْلِيغ الرسَالَة وَالدُّعَاء
إِلَى الْعِبَادَة وَهِي محنة بل سَأَلَ الرُّؤْيَة ليجل قدره وليعرف عَظِيم مَحَله عِنْد الله أَو أَن يكون الله أمره بِهِ ليعلم الْحلق جَوَاز ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ اسْتدلَّ بِأَنَّهُ لم ير من يعقل إِنَّمَا أرى الْجَبَل والجبل لَا يعقل ليعلمه وليراه
فَيُقَال لَهُ وَلَو كَانَت آيَة فالجبل لَا يَرَاهَا وَلَا يعقل وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالآية إِذا صَار اندكاك الْجَبَل لَا أَن أرَاهُ الْآيَة ليندك بهَا وَفِي هَذَا آيَة قد أرى مُوسَى الْآيَة وَهُوَ اندكاك الْجَبَل وَالله تَعَالَى يَقُول {لن تراني} وَحَمَلته على الْآيَة وَقد رَآهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سَأَلَ نَفسه عَن معنى تَوْبَته وَلَا يسْأَل عَنهُ فَزعم أَنه لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه علم بِمَا أرَاهُ من الْأَدِلَّة أَن ذَلِك صَغِيرَة تَابَ عَنْهَا وَالثَّانِي على الْعَادة فِي الْخلق من تجديدها عِنْد الْأَهْوَال بِلَا حُدُوث ذَنْب
قَالَ أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله وَلَو كَانَ صَغِيرَة لَكَانَ أولى من تَركه إِلَى أَن يعلم بالأدلة وَهِي فِي الْأَعْلَام فِي غير حَال الْإِغْمَاء أَحَق مِنْهَا فِي حَال الْإِغْمَاء وَالثَّانِي يَصح ذَلِك عِنْد معاينته الهول لَا عِنْد سكونه وإبداله بالأمن والإفاقة وَذَلِكَ وَقت معاينته عَصَاهُ يَهْتَز فولى مُدبرا أَحَق وَالله الْمُوفق
لكنه يحْتَمل أَن يكون إِذْ قَالَ لَهُ لن تراني وَكَانَ عِنْده جَوَاز الرُّؤْيَة فِي الشَّاهِد وإحتمال وَسعه ذَلِك بِمَا وعد الله لَهُ فِي الْآخِرَة رَجَعَ عَمَّا كَانَ عِنْده وآمن بِالَّذِي قَالَ {لن تراني} وَإِن كَانَ فِي أصل إيمَانه دَاخِلا على نَحْو إِحْدَاث الْمُؤمنِينَ الْإِيمَان بِكُل آيَة ينزل وَبِكُل فَرِيضَة تتجدد وَإِن كَانُوا فِي الْجُمْلَة مُؤمنين بِالْكُلِّ وَالله الْمُوفق
وَقد بَينا مَا قَالَ فِي قَوْله {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة}
قَالَ الْفَقِيه أَبُو مَنْصُور رَحمَه الله وَالْأَصْل فِي الْكَلَام أَنه إِذا كَانَ على أَمر مَعْهُود أَو يقرن بِهِ الْمَقْصُود إِلَيْهِ صرف عَن حَقِيقَته وَإِلَّا لَا نَحْو قَوْله
{ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل} و {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك} وَأَصله أَن من قَالَ رَأَيْت فلَانا أَو نظرت إِلَى فلَان لم يحْتَمل غير ذَاته وَإِذا قَالَ رَأَيْته يَقُول كَذَا وَيفْعل كَذَا أَنه لَا يُرِيد بِهِ رُؤْيَة ذَاته فَمثله أَمر قصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهَذِه الْآيَة
ثمَّ الأَصْل أَن من تَأمل الَّذِي ذكر عرف أَنه مشبهي النحله لِأَنَّهُ لم يذكر الْمَعْنى الَّذِي لَهُ يجب أَن تكون الرُّؤْيَة بِتِلْكَ الشَّرَائِط إِنَّمَا أخبر أَنه كَذَلِك وجد وَهُوَ قَول الْمُشبه إِنَّه وجد كل فَاعل فِي الشَّاهِد جسما وَكَذَا كل عَالم فَيجب مثله فِي الْغَائِب ثمَّ ذكر معنى رُؤْيَة الْجِسْم وَلم يذكر معنى رُؤْيَة غير الْجِسْم حَتَّى يكون لَهُ دَلِيلا
وَبعد فَإِنَّهُ نفى بالدقة والبعد وهما زائلان عَن الله سُبْحَانَهُ ثمَّ احْتج بامتداح الله بقوله {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} وَقَالَ لَا يجوز أَن يَزُول فَمثله عَلَيْهِ فِي قَوْله {خَالق كل شَيْء} وَقَوله {وَهُوَ على كل شَيْء قدير} فَلَا يجوز أَن يَزُول ثمَّ قد وصف الله بِالرُّؤْيَةِ على إِسْقَاط مَا ذكر فَثَبت أَن ذَلِك طَرِيق لَا يُؤَدِّي على كنه مَا بِهِ الرُّؤْيَة
فَإِن قيل كَيفَ يرى
قيل بِلَا كَيفَ إِذْ الْكَيْفِيَّة تكون لذى صُورَة بل يرى بِلَا وصف قيام وقعود وإتكاء وَتعلق وإتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل وَنور وظلمة وَسَاكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل وَلَا معنى يَأْخُذهُ الْوَهم أَو يقدره الْعقل لتعاليه عَن ذَلِك

الكتاب: التوحيد
المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (المتوفى: 333هـ)

_________________
مدد ياسيدى يارسول الله
مدديااهل العباءة .. مدد يااهل بيت النبوة
اللهم ارزقنا رؤية سيدنا رسول الله فى كل لمحة ونفس


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ مشاركة واحده ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط