موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 13 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين مايو 29, 2017 6:18 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
( تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات
والكلام فيه مرتب على مقدمة وفصول


المقدمـة
في
بيان أن جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لا بد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار

أما في القرآن فبيانه في وجوه :
الأول :
هو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه ، وذكر العين ، وذكر الجنب الواحد ، وذكر الأيدي ، وذكر الساق الواحدة . فلو أخذنا بالظاهر ، يلزمنا إثبات شخص له وجه واحد . وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة . وله جنب واحد ، وعليه أيد كثيرة ، وله ساق واحدة . ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة، ولا أعتقد أن عاقلاً يرضى بأن يصف ربه بهذه الصفة.

الثاني :
إنه ورد في القرآن أنه تعالى "نور السموات والأرض" وأن كل عاقل يعلم بالبديهية : أن إله العالم ليس هو هذا الشيء المنبسط على الجدران والحيطان، وليس هو هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار، فلا بد لكل واحد منا، من أن يفسر قوله تعالى "الله نور السموات والأرض" بأنه منور السموات والأرض أو بأنه هاد لأهل السموات والأرض، أو بأنه مصلح السموات والأرض. وكل ذلك تأويل.


الثالث :
قال الله تعالى: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد" ومعلوم: أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض. وقال: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" ومعلوم: أن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض.

الرابع :
قوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم" وقوله تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" وقوله تعالى: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" وكل عاقل يعلم: أن المراد منه: القرب بالعلم، والقدرة الإلهية.
الخامس: قوله تعالى: "واسجد واقترب" فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة: فمعلوم بالضرورة: أنه لا يحصل بسبب السجود.
السادس: قوله تعالى: "فأينما تولوا ن فثم وجه الله" وقال تعالى: "ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون".

السابع: قال تعالى: "من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً" ولا شك أنه لا بد من التأويل.

الثامن : قوله تعالى: "فأتى الله بنيانهم من القواعد" ولا بد فيه من التأويل .

التاسع : قال تعالى لموسى وهارون: " إنني معكما أسمع وأرى" وهذه المعية ليست إلا بالحفظ والعلم والرحمة. فهذه وأمثالها من الأمور التي لا بد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل، وبالله التوفيق.


أما الأخبار : فهذا النوع فيه كثرةُ.

فالأول: قوله – عليه السلام – حكاية عن الله – سبحانه وتعالى: "مرضت فلم تعدني، استطعمتك فما أطعمتني، استسقيتك فما سقيتني" ولا يشك عاقل: أن المراد منه التمثيل فقط.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه: "من أتاني يمشي، أتيته هرولة" ولا يشك عاقل في أن المراد منه: التمثيل والتصوير.
الثالث: نقل الشيخ الغزالي – رحمه الله – عن أحمد بن حنبل – رحمه الله – أنه أقر بالتأويل في ثلاثة أحاديث:
أحدها : قوله عليه السلام : "الحجر الأسود : يمين الله في الأرض"
وثانيها : قوله عليه السلام : "إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمين"
وثالثها : قوله عليه السلام : "حكاية عن الله عز وجل: "أنا جليس من ذكرني"

الرابع: حكى أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن، بما روي عنه عليه السلام أنه تأتى سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنهما غمامتان فأجاب أحمد بن حنبل رحمه الله وقال: "يعني ثواب قارئيهما" وهذا تصريح منه بالتأويل.

الخامس : قوله عليه السلام : "إن الرحم يتعلق بحقوتي الرحمن، فيقول سبحانه وتعالى: "أصل من وصلك" وهذا لا بد له من التأويل.

السادس: قال عليه السلام: "إن المسجد لينزوي من النخامة، كما تنزوي الجلدة من النار" ولا بد فيه من التأويل.

السابع: قال عليه السلام : " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وهذا لا بد فيه من التأويل؛ لأنا نعلم بالضرورة : أنه ليس في صدورنا إصبعان بينهما قلوبنا.

الثامن : قوله عليه السلام – حكاية عن الله تعالى - : "أنا عند المنكسرة قلوبهم" ليست هذه العندية إلا بالرحمة. وأيضاً : قال  – حكاية عن الله تعالى في صفة الأولياء - : "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به" ومن المعلوم بالضرورة : أن القوة الباصرة التي بها يرى الأشياء ليست هي الله سبحانه وتعالى .

التاسع: قال عليه السلام – حكاية عن الله سبحانه وتعالى - : "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري" والعاقل لا يثبت لله تعالى إزاراً ورداء.

العاشر:
قال عليه السلام لأبي بن كعب : " يا أب المنذر. أية آية في كتاب الله تعالى أعظم؟ فتردد فيه مرتين. ثم قال في الثالثة: آية الكرسي. فضرب يده – عليه السلام – على صدره، وقال: "أصبت. والذي نفسي بيده. إن لها لساناً يقدس الله تعالى عند العرش"، ولا بد فيه من التأويل. فثبت بكل ما ذكرنا: أن المصير إلى التأويل: أمر لا بد منه لكل عاقل. وعند هذا قال المتكلمون: لما ثبت بالدليل أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار: محملا ًصحيحاً، لئلا يصير ذلك سبباً للطعن فيها . فهذا تمام القول في المقدمة وبالله التوفيق)اهـ.

أساس التقديس للإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين المتوفى سنة 606ه – تحقيق- الدكتور أحمد حجازي السقا - (68-72)- مكتبة الكليات الأزهرية.

يتبع إن شاء الله

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين مايو 29, 2017 10:45 pm 
غير متصل

اشترك في: الأربعاء فبراير 03, 2010 12:20 am
مشاركات: 4837
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم
متابعة
جزاكم الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

_________________
صلوات الله تعالى تترى دوما تتوالى ترضي طه والآلا مع صحب رسول الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء مايو 30, 2017 6:02 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
فراج يعقوب كتب:
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم
متابعة
جزاكم الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم


مولانا الفاضل الشيخ فراج يعقوب متابعتكم شرف لي

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الثلاثاء مايو 30, 2017 6:20 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصل الأول
في
إثبــات الصــورة



اعلم: أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن. لكنها واردة في الأخبار:
الخبر الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »إن الله تعالى خلق آدم على صورته « وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »لا يقولن أحدكم لعبده: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته«.

والجواب: اعلم أن الهاء في قوله: »على صورته« يحتمل أن يكون عائداً إلى شيء غير صورة آدم عليه السلام. وغير الله تعالى، ويحتمل أن يكون عائداً إلى آدم، ويحتمل أن يكون عائداً إلى الله تعالى. فهذه طرق ثلاثة :

الطريق الأول: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى غير آدم، وإلى غير الله تعالى. وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان :
الأول : هو أن من قال لإنسان: قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فهذا يكون شتماً لآدم عليه السلام، فإنه لما كانت صورة هذا الإنسان مشابهة لصورة آدم، كان قوله: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك: شتماً لآدم عليه السلام، ولجميع الأنبياء – عليم السلام – وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإنما خص آدم بالذكر؛ لأنه عليه السلام هو الذي ابتدئت خلقة وجهه على هذه الصورة

الثاني : إن المراد منه إبطال قول من يقول: إن آدم كان على صورة أخرى . مثل ما يقال: إنه كان عظيم الجثة، طويل القامة، بحيث يكون رأسه قريباً من السماء. فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إنسان معين وقال: »إن الله خلق آدم على صورته« أي: كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان، من غير تفاوت البته . فأبطل هذا البيان: وهم من توهم أن آدم – عليه السلام – كان على صورة أخرى، غير هذه الصورة .
الطريق الثاني : أن يكون الضمير عائداً على آدم – عليه السلام – وهذا أولى الوجوه الثلاثة؛ لأن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب. وفي هذا الحديث: أقرب الأشياء المذكورة هو آدم عليه السلام. فكان عود الضمير إليه أولى. ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه:

الأول : إنه تعالى لما عظم أمر آدم بجعله مسجود الملائكة. ثم إنه أتى بتلك الزلة. فالله تعالى لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره، فإنه نقل: أن الله تعالى أخرجه من الجنة، وأخرج معه الحية والطاووس، وغير تعالى خلقهما مع أنه لم يغير خلقة آدم عليه السلام، بل تركه على الخلقة الأولى إكراماً له وصوناً له من عذاب المسخ. فقوله صلى الله عليه وسلم: » إن الله تعالى خلق آدم على صورته« معناه: خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غيـر وقوع التبديل فيها.

والفرق بين هذا الجواب، والذي قبله: أن المقصود من هذا: بيان أنــه عليه السلام كان مصوناً عن المسخ. والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليست إلا هي التي كانت موجودة من قبل، من غير تعرض لبيان أنه جعل مصوناً عن المسخ، بسبب زلته، مع أن غيره صار ممسوخاً.

الثاني: المراد منه : إبطال قول الدهرية . الذين يقولون: »إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة، ودم الطمث« فقال عليه الصلاة والسلام: »إن الله خلق آدم على صورته« ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة .
الثالث: إن الإنسان لا يتكون إلا في مدة طويلة، وزمان مديد، بواسطة الأفلاك والعناصر. فقال عليه السلام: »إن الله خلق آدم على صورته« أي من غير هذه الوسائط. والمقصود منه: الرد على الفلاسفة.


الرابع: المقصود منه: بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى، وإيجاده، لا بتأثير القوة المصورة والمولدة. على ما تذكره الأطباء والفلاسفة؛ ولهذا قال الله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّر} فهو "الْخَالِقُ" أي فهو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات، و "الْبَارِئُ" أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها، و "الْمُصَوِّر" أي هو الذي يركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة .

الخامس : قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة. يقال: شرحت له صورة هذه الواقعة، وذكرت له صورة هذه المسألة. والمراد من الصورة في كل هذه المواضع: الصفة. فقوله عليه السلام: » إن الله خلق آدم على صورته« أي: على جملة صفاته وأحواله. وذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز، ثم لا يزال يزداد علمه وقدرته، إلى أن يصل إلى حد الكمال. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق من أول الأمر كاملاً تاماً في علمه وقدرته. وقوله: »إن الله خلق آدم على صورته« معناه : أنه خلقه في أول الأمر على صفته، التي كانت حاصلة له في آخر الأمر.

وأيضاً :

لا يبعد أن يدخل في لفظة الصورة ، كونه سعيداً أو شقياً. كما قال عليه السلام: »السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه« فقوله عليه الصلاة والسلام: »إن الله خلق آدم على صورته« أي على جميع صفاته من كونه سعيداً أو عارفاً أو تائباً أو مقبولاً من عند الله تعالى.


الطريق الثالث: أن يكون ذلك الضمير عائداً إلى الله تعالى. وفيه وجوه:

الأول : المراد من الصورة : الصفة – كما بيناه – فيكون المعنى : أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات، قادراً على استنباط الحرف والصناعات. وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله تعالى من بعض الوجوه. فصح قوله عليه السلام: »إن الله خلق آدم على صورته« بناء على هذا التأويل.
فإن قيل: المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية.
قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية. ولهذا المعنى قال تعالى: »وله المثل الأعلى« وقال عليه السلام: » تخلقوا بأخلاق الله «

الثاني : إنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف، فقد يصح إضافتها إلى الخالق والموجد. فيكون الغرض من هذه الإضافة: الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة من سائر الصور بمزيد الكرامة والجلالة.
الثالث : قال الشيخ الغزالي – رحمه الله - : "ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية، بل هو موجود ليس بجسم ولا بجسماني، ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير أو التصرف" فقوله عليه السلام: »إن الله خلق آدم على صورته« أي أن نسبة ذات آدم عليه السلام إلى هذا البدن كنسبة الباري تعالى إلى العالم من حيث إن كل واحد منهما غير حال في هذا الجسم، وإن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير، والله أعلم .

الخبر الثاني : ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه بـ "التوحيد" بإسناده عن ابن عمر – رضي الله عنه – عن النبي  أنه قال : » لا تقبحوا الوجه ، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن «

واعلم : أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية ، ويقول: إن صحت هذه الرواية، فلها تأويلان :
الأول: أن يكون المراد من الصورة : الصفة – على ما بيناه –
الثاني : أن يكون المراد من هذه الإضافة : بيان شرف هذه الصورة كما في قوله : بيت الله ، وناقة الله .


الخبر الثالث :
ما روى صاحب "شرح السنة" – رحمه الله – في كتابه في باب "آخر من يخرج من النار" عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: »فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله. هذا مكاننا، حتى يأتينا ربنا، فإن بيننا وبينه علامة، فإذا أتانا ربنا عرفناه . فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون. فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه «

واعلم : أن الكلام على هذا الحديث من وجهين :

الأول : أن تكون "في" بمعنى الباء. والتقدير: فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه بها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكاً من الملائكة. ونظيره: قول ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} أي بظلل من الغمام. ثم إن تلك الصورة تقول: أنا ربكم. وكأن ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة. وتكون الفائدة فيه: تثبيت المؤمنين على القول الصالح. وإنما يقال: الدنيا دار محنة، والآخرة دار الجزاء : على الأعم والأغلب، وإن كان يقع في كل واحدة منهما ما يقع في الأخرى نادراً .

أما قوله عليه السلام: » إذا جاء ربنا عرفناه « فيحمل على أن يكون المراد: فإذا جاء إحسان ربنا، عرفناه .

وقوله : » فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها « فمعناه : يأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان.

وأما قوله عليه السلام : » فيقولون: بيننا وبينه علامة« فيحتمل أن تكون تلك العلامة: كونه تعالى في حقيقته مخالفاً للجواهر والأعراض. فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه هو الله .

التأويل الثاني: أن يكون المراد من الصورة : الصفة . والمعنى : أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه، ما لم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى معهم. ثم تأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة، على الوجه الذي اعتادوه وألفوه.


الخبر الرابع :
ما روي عنه عليه السلام أنه قال : » رأيت ربي في أحسن صورة « واعلم: أن قوله عليه السلام: »في أحسن صورة « يحتمل أن يكون من صفات الرائي. كما يقال: دخلت على الأمير على أحسن هيئة. أي: وأنا كنت على أحسن هيئة، ويحتمل أن يكون ذلك من صفات المرئي .

فإن كان ذلك من صفات الرائي. كان قوله: » على أحسن صورة « عائداً إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفيه وجهان:

الأول: أن يكون المراد من الصورة: نفس الصورة. فيكون المعنى: أن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه . وذلك يكون سبباً لمزيد الإكرام في حق الرسول عليه السلام.

الثاني: أن يكون المراد من الصورة: الصفة, ويكون المعنى: الإخبار عن حسن حاله عند الله، وأنه أنعم عليه بوجوه عظيمة من الإنعام كما كان؛ وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم، وقد يكون بخلافه. فعرفنا الرسول عليه السلام أن حالته كانت من القسم الأول.

وأما إن كان عائداً إلى المرئي. ففيه وجوه :

الأول : أن يكون عليه السلام رأى ربه في المنام، في صورة مخصوصة وذلك جائز، لأن الرؤيا من تصرفات الخيال، ولا ينفك ذلك عن صورة متخيلة.

الثاني: أن يكون المراد من الصورة : الصفة؛ وذلك لأنه تعالى لما خص بمزيد من الإكرام والإنعام في الوقت الذي رآه. صح أن يقال – في العرف المعتاد -: إني رأيته على أحسن صورة وأجمل هيئة .

الثالث : لعله عليه السلام لما رآه ، اطلع على نوع من صفات الجلال والعزة والعظمة، ما كان مطلعاً عليه قبل ذلك .


الخبر الخامس : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قــال: »رأيت ربي في أحسن صورة « قال: » فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين السماء والأرض، ثم قال: يا محمد. قلت: لبيك وسعديك. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: يا رب لا أدري. فقال في أداء الكفارات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء على الكراهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة «

واعلم : أن قوله : » رأيت ربي في أحسن صورة « قد تقدم تأويله .

وأما قوله : ُ » وضع يده بين كتفي « ففيه وجهان :

الأول : المراد منه : المبالغة في الاهتمام بحاله، والاعتناء بشأنه . يقال: لفلان يد في هذه الصنعة، أي هو كامل فيها.

الثاني : أن يكون المراد من اليد النعمة: يقال: لفلان يد بيضاء، ويقال: إن أيادي فلان كثيرة .

وأما قوله : » بين كتفي « فإن صح . فالمراد منه: أنه أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة. وقد روى » بين كتفي « والمراد منه : مثل ما يقال: أنا في كنف فلان، وفي ظل إنعامه.


وأما قوله : » فوجدت بردها « فيحتمل أن المعنى: برد النعمة وروحها وراحتها. من قولهم: عيش بارد، إذا كان رغداً، ويحتمل كمال المعارف، والذي يدل على أن المراد منه: كمال المعارف: قوله عليه السلام في آخر الحديث » فعلمت ما بين المشرق والمغرب «؛ وما ذلك إلا لأن الله تعالى أنار قلبه وشرح صدره بالمعارف. وفي بعض الروايات : » فوجدت برد أنامله « وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى .) اهـ.

أساس التقديس (72-80).


_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء مايو 31, 2017 6:10 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصل الثاني
في
لفظ الشخص


هذا اللفظ ما ورد في القرآن . لكنه روي أن النبي  قال: » لا شخص أحب للغيرة من الله « عز وجل وفي هذا الخبر لفظان يجب تأويلهما :
الأول : الشخص . والمراد منه : الذات المعينة والحقيقة المخصوصة؛ لأن الجسم الذي له شخص وحجمية يلزم أن يكون واحداً . فإطلاق اسم الشخصية على الحدة إطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر .

والثاني : لفظ الغيرة . ومعناه : الزجر . لأن الغيرة حالة نفسانية مقتضية للزجر والمنع . فكنى بالسبب عن المسبب ههنا. والله أعلم.)اهـ

أساس التقديس (صـ80)


_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 05, 2017 11:50 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
الفصـل الثالث
في
لفظ النفس



احتجوا على إطلاق هذا اللفظ بالقرآن وبالأخبار .

أما القرآن : فقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: » واصطنعتك لنفسي «
وقال حاكياً عن عيسى عليه السلام: » تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك«
وقال في صفة أهل الثواب: » كتب ربكم على نفسه الرحمة«
وقال في تخويف العصاة: » ويحذركم الله نفسه«


وأما الأخبار . فكثيرة :

الخبر الأول : ما روى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: »يقول الله تعالى : أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه «

الخبر الثاني : قوله عليه السلام: »سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه «

الخبر الثالث : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه فهو عنده: إن رحمتي سبقت غضبي «


واعلم : أن النفس جاء في اللغة على وجوه :

أحدها : البدن . قال الله تعالى : » كل نفس ذائقة الموت« ويقول القائل: كيف أنت في نفسك ؟ يريد: كيف أنت في بدنك ؟

وثانيها : الدم . يقال: هذا حيوان له نفس سائلة . أي: دم سائل، ويقال للمرأة عند الولادة: إنها نفست بخروج الدم منها عقيب الولادة .

وثالثها : الروح . قال الله تعالى : »الله يتوفى الأنفس حين موتها«

ورابعها : العقل . قال تعالى: »وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار« وذلك لأن الأحوال بأسرها باقية حالة النوم، إلا العقل. فإنه هو الذي يختلف الحال فيه عند النوم واليقظة.

وخامسها : ذات الشيء وعينه. قال الله تعالى: »وما يخدعون إلا أنفسهم«، »فاقتلــوا أنفسكم«، »ولكن ظلموا أنفسهم«.


إذا عرفت هذا فنقول: لفظ النفس في حق الله تعالى، ليس إلا الذات والحقيقة.

فقوله »واصطنعتك لنفسي« كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة. فإن الإنسان إذا قال : جعلت هذه الدار لنفسي، وعمرتها لنفسي، فهم منه المبالغة.


وقوله تعالى: » تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك« المراد: تعلم معلومي، ولا أعلم معلومك. وكذا القول في بقية الآيات .


وأما قوله عليه السلام – حكاية عن رب العزة -: »فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي« فالمراد: أنه إن يذكرني بحيث لا يطلع غيره على ذلك، ذكرته بإنعامي وإحساني، من غير أن يطلع عليه أحد من عبيدي؛ لأن الذكر في النفس عبارة عن الكلام الخفي والذكر الكامن في النفس. وذلك على الله تعالى محال.

وأما قوله: »سبحان الله، زنة عرشه، ورضاء نفسه« فالمراد: ما يرتضيه الله تعالى لنفسه ولذاته. أي: تسبيحاً يليق به.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: »كتب كتاباً على نفسه« فالمراد به: كتب كتاباً وأوجب العمل به.

والمراد من قوله »على نفسه«: التأكيد والمبالغة في الوجوب واللزوم. فثبت: أن المراد بالنفس في هذه المواضع: هو الذات، وأن الغرض من ذكر هذا اللفظ: المبالغة والتأكيد .

وبالله التوفيق .

أساس التقديس (81-82)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء يونيو 07, 2017 1:29 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصـل الرابـع
في
لفظ الصمد



قال الله تعالى: »الله الصمد«
ذكر بعضهم في تفسير الصمد : أنه الجسم الذي لا جوف له . ومنه قول من يقول لسداد القارورة : الصماد. وشيء مصمد أي صلب، ليس فيه رخاوة .
قال ابن قتيبه : » وعلى هذا التفسير تكون الدال مبدلة بالتاء «.

وقال بعضهم : »الصمد: الأملس« من الحجر الذي لا يقبل الغبار، ولا يدخل فيه شيء، ولا يخرج منه شيء .

واحتج قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في إثبات أنه تعالى جسم، وهذا باطل؛ لأنا بينا: أنه كونه أحداً، ينافي كونه جسماً، فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد: هذا المعنى، ولأن الصمد بهذا التفسير، صفة الأجسام الغليظة. وتعالى الله عن ذلك.

والجواب عنه من وجهين :
الأول : إن الصمد فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه أي قصد. والمعنى : أنه المصمود إليه في الحوائج .

قال الشاعر:
ألا بكر الناعى بخيري بني أسد
بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

وقال آخر:
علوته بحسامي، ثم قلت له
خذها حذيف، فأنت الصيد الصمد

والذي يدل على صحة هذا الوجه: ما روى ابن عباس _ رضي الله عنه – أنه لما نزلت هذه (الآية) قالوا: ما الصمد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: »السيد الذي يصمد إليه في الحوائج«
قال أبو الليث: صمدت صمد هذا الأمر، أي قصدت قصده.

الوجه الثاني في الجواب: إنا سلمنا أن الصمد في أصل اللغة : المصمت الذي لا يدخل فيه شيء غيره، إلا أنا نقول: قد دللنا على أنه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى، فوجب حمل هذا اللفظ على مجازه؛ وذلك لأن الجسم الذي يكون هذا شأنه يكون مبرأ عن الانفصال والتباين والتأثر عن الغير، وهو – سبحانه وتعالى _ واجب الوجود لذاته، وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان، فكان المراد من الصمد في حقه تعالى: هذا المعنى.
وبالله التوفيق) اهـ .

أساس التقديس (83-84)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 12, 2017 1:57 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصـل الخامس
في
لفظ اللقــاء


أما القرآن : فقد قال الله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}
وقال : {فمن كان يرجو لقاء ربه}
وقال: {بل هم بلقاء ربهم كافرون}.

وأما الحديث فقد قال عليه السلام : "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".

قالوا : واللقاء من صفات الأجسام، يقال : التقى الجيشان إذا قرب أحدهما من الآخر في المكان.

واعلم : أنه لما ثبت بالدليل أنه تعالى ليس بجسم ، وجب حمل هذا اللفظ على أحد وجهين :

أحدهما : أن من لقي إنساناً فقد أدركه وأبصره، فكان المراد من اللقاء: هو الرؤية؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب .

والثاني : أن الرجل إذا حضر عند ملك ولقيه، دخل هناك تحت حكمه وقهره دخولاً لا حيلة في دفعه؛ فكان ذلك اللقاء سبباً لظهور قدرة الملك عليه – على هذا الوجه – فلما ظهرت قدرته وقوته وقهره وشدة بأسه في ذلك اليوم عبر عن تلك الحالة باللقاء .

والذي يدل على صحة قولنا : أن أحداً لا يقول بأن الخلائق تتلاقى ذواتهم في ذات الله تعالى على سبيل المماسة . ولما بطل حمل اللقاء على المماسة والمجاورة ، لم يبقى إلا ما ذكرناه.

وبالله التوفيق) اهـ.

أساس التقديس (84-85)


_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 12, 2017 2:34 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصـل السادس
في
لفظ النـور



قال الله تعالى : {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة}

وروى ابن خزيمة في كتابه عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه : "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، فلك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن".

واعلم : أنه لا يصح القول بأنه تعالى هو هذا النور المحسوس بالبصر. ويدل عليه وجوه:

الأول : إنه تعالى لم يقل إنه نور، بل قال: إنه: {نور السموات والأرض} ولو كان نوراً في ذاته لم يكن لهذه الإضافة فائدة .

الثاني : لو كان كونه تعالى نور السموات والأرض، بمعنى الضوء المحسوس، لوجب أن لا يكون في شيء من السموات والأرض ظلمة البتة؛ لأنه تعالى دائم لا يزال ولا يزول.

الثالث : لو كان تعالى نوراً بمعنى الضوء، لوجب أن يكون هذا الضوء مغنياً عن ضوء الشمس والقمر والنار. والحس دال على خلاف ذلك.

الرابع : إنه تعالى أزال هذه الشبهة، بقوله تعالى: {مثل نوره} فقد أضاف النور إلى نفسه، ولو كان تعالى نفس النور وذاته، لامتنعت هذه الإضافة؛ لأن إضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة. وكذلك قوله تعالى: {يهدي الله لنوره من يشاء}.

الخامس : إنه تعالى قال: {وجعل الظلمات والنور} فتبين بهذا: أنه تعالى خالق الأنوار .

السادس : إن النور يزول بالظلمة، ولو كان تعالى عين هذا النور المحسوس لكان قابلاً للعدم، وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود .

السابع : إن الأجسام كلها متماثلة – على ما سبق تقريره - ثم إنها بعد تساويها في الماهية، تراها مختلفة في النور والظلمة، فوجب أن يكون الضوء عرضاً قائماً بالأجسام والعرض يمتنع أن يكون إلهاً .

فثبت بهذه الوجوه : أنه لا يمكن حمل النور على ما ذكروه . بل معناه : منور السموات والأرض على الوجه الأحسن، والتدبير الأكمل. كما يقال: فلان نور هذه البلدة . إذا كان سبباً لصلاحها . وقد قرأ بعضهم {لله نور السموات والأرض}.

وبالله التوفيق)اهـ .

أساس التقديس (85-86)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين يونيو 12, 2017 3:03 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصل السابع
في
الحجاب

ــــ

قال تعالى : {إنهم عند ربهم يومئذ لمحجوبون}

قالوا : والحجاب لا يعقل إلا في الأجسام .

وتمسكوا أيضاً : بأخبار كثيرة :

الخبر الأول : ما روى صاحب شرح السنة – رحمه الله – في باب "الرد على الجهمية". قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال : "إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، ولكنه يخفض القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل حجابه من نور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
فقال المصنف: هذا حديث أقر به الشيخان .
وقوله: "يخفض القسط ويرفعه" أراد: أنه يراعي العدل في أعمال عباده. كما قال تعالى: {وما ننزله إلا بقدر معلوم}.


الخبر الثاني : ما يروى في الكتب المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن لله تعالى سبعين حجابا من نور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره".


الخبر الثالث : روي في تفسير قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} إنه تعالى يرفع الحجاب ، فينظرون إلى وجهه تعالى .


واعلم : أن الكلام في الآية هو: أن أصحابنا – رحمهم الله – قالوا : إنه يجوز أن يقال: إنه تعالى محتجب عن الخلق، ولا يجوز أن يقال: إنه محجوب عنهم؛ لأن لفظة الاحتجاب مشعرة بالقوة والقدرة، والحجاب مشعر بالعجز والذلة. يقال: احتجب السلطان عن عبيده. ويقال: فلان حجب عن الدخول على السلطان. وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى: محال؛ لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين. بل هو محمول عندنا: على أن لا يخلق الله تعالى في العين رؤية متعلقة به. وعند من ينكر الرؤية: على أنه تعالى يمنع وصول آثار إحسانه وفضله من إنسان .


وأما الخبر الأول : وهو قوله عليه السلام : "حجابه النور" فاعلم: أن كل شيء يفرض مؤثراً في شيء آخر، فكل كمال يحصل للأثر فهو مستفاد من المؤثر. ولا شك أن ثبوت ذلك الكمال لذلك المؤثر أولى من ثبوته في ذلك الأثر، وأقوى وأكمل. ولا شك أن معطي الكمالات بأسرها هو الحق تعالى، فكان كل كمالات الممكنات بالنسبة إلى كمال الله تعالى كالعدم. ولا شك أن جملة الممكنات ليست إلا عالم الأجسام وعالم الأرواح . ولاشك أن جملة كمالات عالم العناصر بالنسبة إلى كمال العناصر كالعدم . ثم الشخص المعين بالنسبة إلى كمالات الربع المسكون كالعدم .
فيظهر من هذا : أن كمال الإنسان المعين بالنسبة إلى كما الله تعالى: أولى بأن يقال: إنه كالعدم . ولا شك أن روح الإنسان وحده لا تطيق قبول ذلك الكمال، ولا يمكنه مطالعته، بل الأرواح البشرية تضمحل في أدنى مرتبه من مراتب تلك الكمالات .
فهذا هو المراد بقوله عليه السلام : "لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره".

أساس التقديس (86-87)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت يونيو 17, 2017 3:37 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصـل الثامن
في
القرب


ـــ

قال الله تعالى : {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.

وقال عليه السلام (حكاية عن الله): "من تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".

وروى الأستاذ ابن فورك – رحمه الله – في كتاب "المتشابهات" عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع الجبار كنفه عليه، فيقر بذنوبه، فيقول: أعرف – ثلاث مرات – فيقول تعالى: إني سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك. فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقين، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم".

واعلم أن المراد من قربه ومن دنوه : قرب رحمته ودنوها من العبد.

وأما قوله : "فيضع الجبار كنفه عليه" فهو أيضاً مستفاد من قرب الرحمة . يقال: أنا في كنف فلان، أي: في إنعامه، وأما ما رواه بعضهم: "فيضع الجبار كتفه" فاتفقوا على أنه تصحيف، والرواة ضبطوها بالنون، ثم إن صحت تلك الرواية فهي محمولة على التقريب والغفران. (والله أعلم)اهـ .


أساس التقديس (88)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أغسطس 09, 2017 12:50 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصـل التاسع
في
المجيء والنزول


ـــــ

احتجوا بقوله تعالى : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}
وبقوله تعال : {أو يأتي ربك}
وبقوله : {وجاء ربك}

واحتجوا بالأخبار ، فمنها : ما رواه صاحب شرح السنة – رحمه الله – في باب "إحياء آخر الليل وفضله" عن أبى هريرة وأبي سعد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" ثم قال: إن الله تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير، ينزل إلى هذه السماء الدنيا فينادي هل من مذنب يتوب؟ هل من مستغفر؟ هل من داع؟ هل من سائل؟ إلى الفجر" قال صاحب هذا الكتاب: هذا حديث متفق على صحته .

وفي هذا الباب أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟". ثم قال : هذا حديث متفق على صحته.

وروى أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحديث المذكور ، وزاد فيه : "ثم يبسط يديه تبارك وتعالى فيقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم؟".

وروى صاحب هذا الكتاب في باب "ليلة النصف من شعبان" عن عروة عن عائشة – رضي الله عنهما – قالت : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع . فقال: "أكنت تخافين أن يحيف الله ورسوله؟ فقلت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك. فقال: إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب". والبخاري ضعف هذا الحديث .


واعلم : أن الكلام في قوله : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام} من نوعين:

الأول : أن نبين بالدلائل القاهرة أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب

والثاني : أن نذكر التأويلات في هذه الآيات .


أما النوع الأول : فنقول : الذي يدل على امتناع المجيء والذهاب على الله سبحانه وتعالى وجوه:

الأول: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب فإنه لا ينفك عن المحدث؛ وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث؛ فيلزم: أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب وجب أن يكون محدثاً مخلوقا. والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك.

والثاني : إن كل ما يصح عليه الانتقال والمجيء من مكان إلى مكان، فهو محدود متناه فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص منه، وحينئذ يكون اختصاصه بذلك المقدار؛ لأجل تخصيص مخصص وترجيح مرجح، وذلك على الإله القديم محال.

والثالث : وهو أنا لو جوزنا فيما يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً؛ فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي إلهية الشمس والقمر .

الرابع : إنه تعالى حكى عن الخليل عليه السلام: أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: {لا أحب الآفلين} ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور. فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى ، فقد طعن في دليل الخليل وكذب الله في تصديق الخليل في ذلك؛ حيث قال: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}.


وأما النوع الثاني (وهو) في بيان التأويلات المذكورة في هذه الآية : فنقول : فيه وجوه:

الأول : المراد : هل ينظرون إلا أن تأتيهم آيات الله . فجعل مجيء آيات الله مجيئاً له . على التفخيم لشأن الآيات . كما يقال: جاء الملك . إذا جاء جيش عظيم من جهته . والذي يدل على صحة هذا التأويل : أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : {فإن ذللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم} فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} ومن المعلوم أن بتقدير أن يصح المجيء والذهاب على الله تعالى، لم يكن مجرد حضوره سبباً للزجر والتهديد؛ لأنه عند الحضور كما يزجر قوماً ويعاقبهم، قد يثيب قوماً ويكرمهم .
فثبت أن مجرد الحضور ، لا يكون سبباً للزجر والتهديد والوعيد . ولما كان المقصود من الآية، إنما هو التهديد، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك، زالت الشبهة بالكلية. وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية .

الوجه الثاني : أن يكون المراد : هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله. ومدار الكلام في هذا الباب: أنه تعالى إذا أضاف فعلاً إلى شيء. فإن كان ظاهر تلك الإضافة ممتنعاً. فالواجب صرف ذلك الظاهر إلى التأويل. كما قال العلماء في قوله تعالى: {إن الذين يحادون الله} والمراد : يحادون أولياءه وقد قال الله تعالى: {واسأل القرية} والمراد : أهل القرية. فكذا قوله تعال: {يأتيهم الله} أي: يأتيهم أمر الله، وليس فيه إلا حذف المضاف إليه مقامه، وذلك مجاز مشهور. يقال: ضرب الأمير فلاناً، وأعطاه. والمراد : أنه أمر بذلك .
والذي يؤكد صحة هذا التأويل وجهان :
الأول : إن قوله تعالى : {يأتيهم الله} وقوله : {وجاء ربك} إخبار عن حال القيامة . ثم إن الله تعالى ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك} فصار هذا مفسراً لذلك التشابه؛ لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة ، لم يبعد حمل بعضها على البعض .


والثاني : إنه تعالى قال بعد هذه الآية : {وقضي الأمر} ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق. وهذا يستدعي أن يكون قد جرى ذكره من قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه. وما ذلك إلا الذي أضمرناه من أن قوله: {يأتيهم الله} أي يأتيهم أمر الله .

فإن قيل: أمر الله – عندكم - صفة قديمة . فالإتيان عليها : محال . قلنا : الأمر في اللغة له معنيان : أحدهما : الفعل. والثاني: الطريق. قال تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر} وقال: {وما أمر فرعون برشيد} فيشمل الأمر في هذه الآية على الفعل وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال، وإظهار الآيات المهيبة، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه .


وأما إن حملنا الأمر ، على الأمر الذي هو ضد النهي .ففيه وجهان :

الأول : أن يكون التقدير هو أن منادياً ينادي يوم القيامة: ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا ، فيكون إتيان الأمر: هو وصول ذلك النداء ، إليهم. وقوله : {في ظلل الغمام} أي: مع ظلل. والتقدير : أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل : يكون في زمان واحد .


الثاني : أن يكون المراد من إتيان أمر الله تعالى في ظلل : حصول أصوات متقطعة مخصوصة في تلك الغمامات دالة على حكم الله تعالى على كل واحد مما يليق به من السعادة والشقاوة. أو يكون المراد: أنه تعالى خلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام، وتكون النقوش جلية ظاهرة؛ لأجل شدة بياض ذلك الغمام، وسواد تلك الكتابة. وهي دالة على أحوال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما. وتكون فائدة الظل من الغمام: أنه تعالى جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فيعلمون: أن الأمر قد قرب وحضر.


الوجه الثالث في التأويل: أن يكون المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب؟ فحذف ما يأتي به تعويلاً على الفهم، إذ لو ذكر ذلك العذاب الذي يأتيهم به، لكان ذلك أسهل عليهم في باب الوعيد. وأما إذا لم يذكره كان أبلغ في التهويل؛ لأنه حينئذ تنقسم خواطرهم، وتذهب أفكارهم في كل وجه. ومثله قوله تعالى: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} والمعنى: وأتاهم الله بخذلانه من حيث لم يحتسبوا. وكذا قوله تعالى : {فأتى الله بنيانهم من القواعد} ويقال في الكلام المتعارف المشهور ، إذا سمع بولاية رجل: جاءنا فلان بجوره وظلمه . ولا شك أنه مجاز مشهور .

الوجه الرابع في التأويل : أن تكون »في« بمعنى الباء – وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض – وتقديره : هل ينظرون أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة. والمراد: أنه يأتيهم الله بالغمام مع الملائكة .


الوجه الخامس : - وهو أقوى من كل ما سبق – إنا ذكرنا في »التفسير الكبير« أن قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} إنما نزل في حق اليهود. وعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} خطاباً مع اليهود. فيكون قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} حكاية عنهم. والمعنى: أنهم لا يقبلون دينكم، إلا لأنهم ينتظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام.
ومما يدل على أن المراد ذلك: أنهم فعلوا ذلك مع موسى عليه السلام، فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وإذا ثبت أن هذه الآية حكاية عن حال اليهود واعتقادهم، لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها؛ وذلك لأن اليهود كانوا على دين التشبيه. وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله تعالى، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام، فظنوا مثل ذلك في زمان محمد عليه السلام. ومعلوم: أن مذهبهم ليس بحجة .


وبالجملة : فإنه يدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالة على أن أولئــك الأقوام محقون أو مبطلون، وعلى هذا التقدير زال الإشكال. وهذا هو الجواب المعتمد عن تمسكهم بالآية المذكورة في سورة الأنعام.


فإن قيل: هذا التأويل كيف يتعلق بهذه الآية؛ لأنه قال في آخرها: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} ؟
قلنا: إنه تعالى حكى عنادهم وتوقيفهم قبول الدين الحق على الشرط الفاسد، ثم ذكر بعده ما يجري مجرى التهديد لهم، فقال: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}


وأما قوله تعالى : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} فالكلام فيه أيضاً على وجهين:

الأول: أن تحمل هذه الآية على باب حذف المضاف. وعلى هذا الوجه، ففي الآية وجوه:
أحدها : وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة .
وثانيها : وجاء قهر ربك. كما يقال: جاءنا الملك القاهر. إذا جاء عسكره .
وثالثها : وجاء ظهور معرفة الله تعالى بالضرورة في ذلك اليوم، فصار ذلك جارياً مجرى مجيئه وظهوره .


الوجه الثاني : إنا لا نحمل هذه الآية على حذف المضاف. ثم فيه وجهان :
الأول: أن يكون المراد من هذه الآية: التمسك بظهور آيات الله تعالى، وسر آثار قدرته وقهره وسلطانه. والمقصود: تمثيل تلك الحالة بحال الملك إذا حضر، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها .

الثاني : إن الرب هو المربي . فلعل ملكاً عظيماً هو أعظم الملائكة، كان مربياً للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان هو المراد من قوله : {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}.


وأما الحديث المشتمل على النزول إلى السماء الدنيا. فالكلام عليه من نوعين:

الأول : بيان النزول . وهو أن النزول قد يستعمل في غير الانتقال. وتقريره من وجوه:
أحدها : قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} ونحن نعلم بالضرورة: أن الجمل أو البقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الانتقال.
وقال الله تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِه} والانتقال على السكينة محال.
وقال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} والقرآن سواء قلنا: إنه عبارة عن صفة قديمة، أو قلنا: إنه عبارة عن الحــرف والصوت، فالانتقال عليه محال.
وقال الشافعي المطلبي – رضي الله عنه : »دخلت مصر فلم يفهموا كلامي. فنزلت ثم نزلت« ولم يكن المراد من هذا النزول: الانتقال.


الثاني : إنه إن كان المقصود من النزول من العرش إلى السماء الدنيا، أن يسمع نداؤه، فهذا المقصود ما حصل. وإن كان المقصود مجرد النداء، سواء سمعناه أو لم نسمعه، فهذا مما لا حاجة فيه إلى النزول من العرش إلى السماء الدنيا، بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش. ومثله: أن يريد من في المشرق إسماع من في المغرب ومناداته، فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه، وهو يعلم أنه لا يسمعه البتة، فههنا تكون تلك الخطوات عملاً باطلاً، وعبثاً فاسداً، فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى.


الثالث : إن القوم رأوا أن كل سماء في مقابلة السماء التي فوقها تكون كقطرة في بحر، وكدرهم في مفازة، ثم كل السماوات في مقابلة الكرسي كقطرة في البحر، والكرسي في مقابلة العرش كذلك، ثم يقولون إن العرش مملوء منه، والكرسي موضع قدمه، فإذا نزل إلى السماء الدنيا وهي غاية في الصغر بالنسبة إلى هذا الجسم العظيم فإما أن يقال: إن أجزاء ذلك الجسم العظيم يدخل بعضها في بعض، وذلك يقتضي جواز تداخل جملة العالم في خردلة واحدة، وهو محال. وإما أن يقال: إن تلك الأجزاء بليت عند النزول إلى السماء الدنيا، وذلك قول بأنه قابل للعدم والوجود. وذلك مما لا يقوله عاقل في صفة الإله تعالى. فثبت بهذا البرهان القاهر: أن القول بالنزول على الوجه الذي قالوه باطل.


الرابع : أنه قد دللنا على أن العالم كرة. وإذا كان كذلك، وجب القطع بأنه أبداً يكون الحاصل في أحد نصفي الأرض هو الليل، وفي النصف الآخر هو النهار. فإذا وجب نزوله إلى السماء الدنيا في الليل – وقد دللنا على أن الليل حاصل أبداً – فهذا يقتضي أن يبقى في السماء الدنيا، إلا أنه يستدير على ظهر الفلك بحسب استدارة الفلك، وبحسب انتقال الليل، من جانب من الأرض إلى جانب آخر. ولوجاز أن يكون الشيء المستدير مع الفلك أبداً إلهاً للعالم. فلم لا يجوز أن يكون إله العالم هو الفلك؟ ومعلوم أن ذلك لا يقوله عاقل.


النوع الثاني من الكلام في هذا الحديث: بناؤه على التأويل على سبيل التفصيل، وهو أن يحمل هذا النزول على نزول رحمته إلى الأرض في ذلك الوقت. والسبب في تخصيص ذلك الوقت بهذا الفعل وجوه :

الأول : إن التوبة التي يؤتى بها في قلب الليل الظاهر أنها تكون خاليـة من شوائب الدنيـا؛ لأن الأغيار لا يطلعون عليها فتكون أقرب إلى القبول .

الثاني: إن الغالب على الإنسان في قلب الليل الكسل والنوم والبطالة، فلولا الجد العظيم في طلب الدين، والرغبة الشديدة في تحققه، لما تحمل مشاق السهر، ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ومتى كان الجد والرغبة والإخلاص أتم وأكمل، كان الثواب أوفر .

الثالث: إن الليل وقت الكسل والفتور، فاحتيج في الترغيب في الاشتغال بالعبادة في الليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الاشتغال والتهجد، فيحسن أن الشارع إنما خص هذا الوقت بمثل هذا الكلام؛ ليكون توفر الدواعي على التهجد أتم، فهذه الجهات الثلاث تصلح أن تكون سبباً لتخصيص الشرع هذا الوقت بهذا التشريف؛ ولأجلها قال الله تعال: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وقال: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}


الوجه الرابع: إن جمعاً من أشراف الملائكة ينزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى كما يقال: بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً. وممن ذهب إلى هذا التأويل: من يروي الخبر بضم الياء تحقيقاً لهذا المعنى.

واعلم: أن تمام التقرير في تأويل هذا الخبر: أن من نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه، والاهتمام بأمره فإنه يكرمه جداً، بل يكون نزوله عنده مبالغة في إكرامه، ولما كان النزول موجباً للإكرام، أو موجباً له، أطلق اسم النزول على الإكرام، وهذا أيضاً هو المراد بقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وذلك أن الملك إذا جاء وحضر لفصل الخصومات، عظم وقعه واشتدت هيبته . والله أعلم). اهـ

أساس التقديس (88-97)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: تأويل المتشابهات من أساس التقديس
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأحد سبتمبر 24, 2017 12:24 am 
غير متصل

اشترك في: الأحد سبتمبر 18, 2011 10:41 am
مشاركات: 2182
(الفصل العاشـر
في
الخروج والبروز والتجلي والظهور
ــــــ

قال عليه السلام : { سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر . لا تضامون في رؤيته} « وفي رواية » لا تضارون « والتأويل : أن المقصود : تشبيه الرؤية بالرؤية ، لا تشبيه المرئي بالمرئي . ومعنى قوله » لا تضامون « : أي لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تتضمون في رؤية الهلال رأس الشهر ، بل رؤية جهرة من غير تكلفة لطلبه كما ترون البدر .

وقوله : » لا تضارون « أي لا يلحقكم ضرر في طلب رؤيته . بل ترونه من غير تكلف الطلب .

وما روى » تضامون « مخففاً فالمراد منه : الضيم . أي لا يلحقكم فيه ضيم .

وقال أيضاً عليه السلام : » إن الله يبرز كل يوم جمعة لأهل الجنة على كثيب من كافور ، فيكون في القرب على تبكيرهم إلى الجمعة . ألا فسارعوا إلى الخيرات « واعلم : أنه قيل : إن هذا الخبر ضعيف، وإن صح فالتأويل فيه: أن أهل الجنة يرون على مقادير أوقات الدنيا فيما سبق من أعمالهم الحسنة .

وأما بروزه لأهل الجنة – وبذلك يتخيل لهم – فهو أن يخلق لهم رؤية متعلقة وهم على كثيب من كافور .

وأما قربه منهم فمعناه : القرب بالرحمة . كما قال : » من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً « ويقال للفاسق : إنه بعيد من الله.

وأيضاً ما روى أنه عليه السلام قال: »ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه يوم القيامه ويكلمه ، وليس بينه وبينه ترجمان « فنقول: وجه التأويل فيه: أن من أراد أن يتوجه إليه منهم ، فإنه يخلو به .فعبر به عنه . وأيضاً لما كان قادراً ، أراد أن يسمع كل واحد ، أنه لا يتكلم مع غيره (والله أعلم).

أساس التقديس (97)

_________________
مددك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الغوث يا سيدي رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم

الشفاعة يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك و على آلك و سلم


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 13 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط