موقع د. محمود صبيح

منتدى موقع د. محمود صبيح

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين



إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 31 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2, 3  التالي
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدين
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 23, 2013 9:48 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
من تراث محيي الدين بن عربي


عنقا مغرب
في ختم الأولياء وشمس المغرب

تأليف
سيدي محيي الدين بن عربي
رضي الله عنه

تحقيق وتعليق
بهنساوي أحمد السيد الشريف
مفتش عام الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف
عضو هيئة العلماء وعضو رابطة الأدباء


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين



الحمد لله رب العالمين حمدًا يستوجب رضاه، وشكرًا له يوافي نعمه ويكافئ عطاياه،
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا حول ولا قوة إلا به، ولا أمل ولا رجاء إلا فيه،
ولا توكل ولا اعتماد إلا عليه، ولا سعادة ولا طمأنينة إلا في طاعته، هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والمنة الكبرى من الله على عباده،‏
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وعشيرته وحزبه الذين عاشوا على ما عاش عليه وقبضوا على ما رفع إليه، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.

اللهم اجعلنا ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. آمين.


أما بعد:

فهذا كتاب من نوادر الكتب التي أنعم الله تبارك وتعالى به من فيوضات فتحه على عبده الرباني الذي استغرق في الحقيقة المحمدية،
فأبرز لنا وللأمة جمعاء هذه المنح من مشكاة الحضرة المحمدية التي جمعت كل العلوم والمعارف الإلهية،
{ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

وهذا العبد الرباني هو العارف بالله تعالى الإمام الأكبر والشيخ الكلي الكامل
سيدي محيي الدين أبو عبد الله محمد بن محمد علي بن محمد بن عربي الطائي الحاتمي الأندلسي رضوان الله تعالى عليه ونفعنا به وبعلومه آمين.

ولقد سمى كتابه هذا (عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب)،
وهو كتاب يحاول فيه إبانة وإظهار التجلي الذاتي الإلهي في الحقيقة المحمدية برأسيها وشقيها النبوي والولائي.

فعنده أن ذات النبوة واحدة، والأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام رقائق هذه الذات الواحدة،
وهي ذات سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وكل رقيقة نبوية بدءًا من أبينا آدم عليه السلام حتى كلمة الله سيدنا عيسى عليه السلام ما هي إلا وجه نائب في الزمن المراد مما سبق عن حضرته
صلى الله عليه وسلم، ونفس هذه الذات المحمدية هي بعينها ذات الولاية، فالأولياء جميعا في كل زمان ومكان وجوه محمدية؛
لأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم حوى في حقيقته مع ذات النبوة ذات الولاية، وتتمثل هذه الولاية في ذات المهدي عليه السلام.

والمهدي عليه السلام هو ختم الولاية والأولياء، فكما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ختما للنبوة والرسالة،
كان هو أيضا صلى الله عليه وسلم ختما للولاية في شقه الثاني من ذاته التي تمثلت حقيقة منفردة في الولي الخاتم الصديق الأعظم
الإمام المهدي الذي يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، واسم أبيه يواطئ اسم والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
كما جاء في الحديث الشريف الصحيح، ولقد بينت ذلك في همزتي الكبرى فقلت:

إلهي حمدًا يفوق الثناء ** وشكرًا يطاول نجم السماء
وصل إلهي طوال المدى ** على مصطفاك نبي الصفاء
وآل وصحب بكل الرضا ** ومن جاء بعد من الأولياء
خصوصًا ختامهمو المجتبى ** مليك الزمان بهي الوراء
فكل ولي أتى باسمه ** وعرفانهُ رشح هذا العطاء
له كل دائرة تنتهي ** بحكم قيادته الأتقياء
هو المهدي صاحب سر العلا ** عزيز القوى جوهري البهاء

ولقد فصل الإمام الأكبر ابن عربي رضوان الله عليه تحقيقا وكشفا النشأة الوجودية التي عينها ومحتد ذاتها الحضرة الإنسانية،
ومركز دائرتها الحقيقة المحمدية، فهي عين عيون أعيان تعيينات الوجود الكلي،
فهي النسخة التي تجلت بها الذات الإلهية العلية المقدسة، ثم ضربت عليها حجاب المقتضيات العبدية.

فما الخلق إلا تجليات ذاته تبارك وتعالى إجمالا وتفصيلا، انبثقت من ذات التجلي الكلي المحمدي، وفي ذلك قلت:

وما الخلق إلا علوم اصطفاك ** لها عند ذاتك وجه التقاء
وما هي إلا تجلي علاك ** ضربت عليها حجاب اقتضاء
تباركت يا أحسن الخالقين ** عن الخلق طرا بكل علاء

فلو تصورنا أن الحق الخالق جل وعز قد خلق الخلق من العدم لكان العدم مصاحبا له في قدمه، وذلك محال،
ولو كان قد أوجد الوجود من العدم لكان مفتقرا لغيره، وهذا أيضا محال،
لكنه لما أراد أن يخلق الخلق على مقتضى علمه وإرادته، تجلى بنور ذاته وجعل التجلي هذا في المجلى الإنساني محمد صلى الله عليه وسلم،
ثم فتق رتق هذا التجلي الذي ضرب عليه حجاب المقتضيات، وأسماه "حمدا"، ومجلاه "محمدا" عليه الصلاة والسلام،
فأوجد من هذا الرتق جميع أنماط الوجود الكلي: كثافة ولطافة، حسا ومعنى، علويا وسفليا، نورانيا وظلمانيا، دنيويا وبرزخيا وأخرويا،
ثم أقام كلا في تعينه الذي اقتضت حكمته تبارك وتعالى أن يقوم فيه، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

وعلى المتأمل الكامل اليقين، المبصر بنور إيمانه، أن يعايش هذه الأسرار الربانية المفاضة من حضرات الإلهام بصحة مفهوم ونقاء سريرة،
فإن كلام الرجال لا يعرفه إلا الرجال.
فافهم ترشد.

ثم أطنب الإمام الأكبر محيي الدين بن عربي في سرد الحقائق على ذات الولاية الكلية التي عين ومركز دائرتها في النسخة المحمدية
من حيث وجه ذات الولاية "الإمام المهدي عليه السلام" الذي يأتي آخر الزمان إذا ملئت الأرض جورا وظلما فيملأها عدلا وقسطا،
كما أخبر بذلك جده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وتناول بعد ذلك مواقف كل حقيقة على حدة في موضعها من الكتاب مرمزة في بعضها ومستورة في بعضها الآخر
حتى لا يفشى السر أمام من لا يعقل فينكر، والكلام في غير أهله عورة،
ولكن أوصي كل عبد وقع في يديه هذا الكتاب أن يكون سالكا محمديا موفور العلم شريعة وحقيقة كامل التربية، وهنا أقول:

من لي بذي حرفة في النظم يسجمه ** وينضد الدر من لألاء عقياني
فالسر لا يستبين العقل حكمته ** إلا بنور من العرفان رباني

وما أردت من هذه المقدمة الموجودة في بسط محكم إلا لأسهل على القارئ المحمدي الوارث تناول حقائق هذا الكتاب الفذ النادر،
فلا يعرف تلك الحقائق العلية إلا من كان محمديًا كاملا، أخلاقه قرآنية،
لا تغطي سحب الهوى صفاء سماء إسلامه، ولا تتراكم الفتن والعوارض القاطعة ببحار فلك إيمانه.

والله الموفق وهو يهدي السبيل.

المحقق
الشيخ بهنساوي أحمد السيد الشريف
الشهير/ عبد الله البهنساوي
مفتش عام الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف
عضو هيئة العلماء وعضو رابطة الأدباء


_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 23, 2013 10:04 pm 
غير متصل

اشترك في: الأربعاء فبراير 03, 2010 12:20 am
مشاركات: 5204
مقدمة رائعة
تسجيل متابعة
جزاك الله خيرا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

_________________
صلوات الله تعالى تترى دوما تتوالى ترضي طه والآلا مع صحب رسول الله


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 23, 2013 11:01 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
بارك الله فيكم سيدي فضيلة الشيخ فراج وأسعدني مرورك الكريم
نسيت أن أذكر أن النسخة التي أنقل منها طبعة سنة 1998 المطبعة الأزهرية الناشر المكتبة الأزهرية للتراث
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 23, 2013 11:46 pm 
غير متصل

اشترك في: الأحد ديسمبر 28, 2008 12:00 pm
مشاركات: 1776
صاحب المقدمة الشيخ عبدالله البهنساوى
متهيألى الأحباب من كانوا يترددوا على مساجد اهل البيت فى اواخر التسعينات و اوائل الالفية
يتذكروه كان له درس فى مسجد سيدنا الحسين يوم الخميس بعد صلاة المغرب
و فى مسجد سيدتنا زينب بعد المغرب يوم الاثنين
و يوم الاحد فى مسجد السيدة نفيسة
اتذكر انه كان قبل الدخول فى الدرس له مقدمة خاصة جميلة بعد الحمد لله و الصلاة على سيدنا رسول الله
بها مقتطفات من اوراد ساداتنا
و كانت دروسه مليئة بالمحبة لسيدنا رسول الله وساداتنا اهل البيت
جزاه الله خيرا و رحمه الله ان كان على قيد الحياة او توفى

_________________
وخير الناس بعد الأنبياء***بنو الزهراء من حملوا اللواء
وإني أحبهم والحب ديني***خليلي بحبهم يصفو معيني


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت أغسطس 24, 2013 8:47 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
بارك الله فيكم أخي الحبيب خادم الأعتاب الزينبية ...
تنويه لما سوف يكتب في الهامش بمشيئة الله:
معاني الكلمات التي أوردها المحقق الشيخ البهنساوي ومعاني كلمات أخرى
تدقيق أو تصويب أو ملاحظات لبعض المفردات الواردة بالمخطوطة بعضها للمحقق ..
والله المستعان وعليه التكلان

============

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت أغسطس 24, 2013 8:54 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

قال سيدنا وإمامنا وقدوتنا الشيخ الإمام العالم العارف الكامل المحقق المدقق محيي الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن محمد بن العربي
الطائي الحاتمي الأندلسي، رضي الله عنه وأرضاه، وحقق تابعيه بسلوك منهجه القويم، إنه جواد كريم:

الدعاء المختوم على السر المكتوم (1)

حَمَدْتُ إلِهِي والمقَامُ عظيمُ ** فَأبدَى سُرورًا والفُؤادُ كظيمُ
وَمَا عَجَبِي مِنْ فَرْحَتي كَيْفَ قُورِنَتْ ** بِتَبْرِيح قَلْبٍ حَلَّ فيهِ عَظِيمُ (2)
وَلَكِنَّنِي مِنْ كَشْفِ بَحْرِ وُجُودِهِ ** عَجِبْتُ لِقَلْبِي وَالْحَقَائِقُ هِيمُ (3)
لذاكَ الَّذِي أَبدَا مِنَ النُّورِ ظَاهِرًا ** عَلَى سُدَفِ الْأَجْسَامِ لَيْسَ يُقِيمُ (4)
وَمَا عَجَبِي مِنْ نُورِ جِسْمِي وَإِنَّمَا ** عَجِبْتُ لِنُورِ الْقَلْبِ كَيْفَ يَرِيمُ (5)
فَإِنْ كَانَ عَنْ كَشْفٍ وَمَشْهَدِ رُؤْيَةٍ ** فُنُورُ تَجَلِّيهِ عَلَيْهِ مُقِيمُ
تَفَطَّنْتَ فَاسْتُرْ عِلَّةَ الْأَمْرِ يَا فَتَى ** فَهَلْ عَقْلُ خَلْقٍ بِالْعَلِيمِ عَلِيمُ
تَعَالَى وُجُودُ الذَّاتِ عَنْ نَيْلِ عِلْمِهِ ** بِهِ عِنْدَ فَصْل وَالفصَالُ قَدِيمُ (6)
فرافق رَبِّي قَدْ أَتَانِي مُخْبِرًا ** بِتَعْينِ خَتْمِ الْأَوْلِيَاءِ كَرِيمُ (7)
فَقُلْتُ: وَسِرّ الْبَيْتِ صِفْ لِي مَقَامَهُ ** فَقَالَ: حَكِيمًا يَصْطَفِيهِ حَكِيمُ
فَقُلْتُ: يَرَاهُ الْخَتْمُ، فَاشتد قَائِلًا: ** إِذَا مَا رَآهُ الْخَتْمُ لَيْسَ يَرُومُ (8)
فَقُلْتُ: وَهَلْ يَبْقَى لَهُ الْوَقْتُ عِنْدَمَا ** يَرَاهُ، نَعَمْ وَالْأَمْرُ فِيهِ جَسِيمُ
وَلِلْخَتْمِ سِرٌّ لَمْ يَزَلْ، كُلُّ عَارِفٍ ** إِلَيْهِ إِذَا يَسْرِي عَلَيْهِ يَحُومُ
أَشَارَ إِلَيْهِ التّرْمِذِيّ بِخَتْمِهِ ** وَلَمْ يُبْدِهِ وَالْقَلْبُ مِنْهُ سَلِيمُ (9)
وَمَا نَالَهُ الصِّدِّيقُ فِي وَقْتِ كَوْنِهِ ** وَشَمْسُ سَمَا الْمغربِ مِنْهُ عَدِيمُ (10)
مَذَاقًا وَلَكِنَّ العَقُولَ مُشَاهِدٌّ ** إِلَى كُلِّ مَا يُبْدِيهِ وَهُوَ كَتُومُ
يَغَارُ عَلَى الْأَسْرَارِ أَنْ تَلْحَقَ الثَّرَى ** وَأَنْ تَمْتَطِيهَا الزَّهْرُ وَهْيَ نُجُومُ (11)
فَإِنْ أُبْدِرُوا أَوْ أُشْمِسُوا فَوْقَ حرثهِ ** وَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ الْمَقَامِ لُزُومُ (12)
فَرُبَّمَا يَبْدُو عَلَيْهِمْ شُهُودُهَا ** فَمِنْهُمْ نُجُومٌ لِلْهُدَى وَرُجُومُ (13)
فَسُبْحَانَ مَنْ أَخْفَى عَنِ الْعَيْنِ ذَاتَهُ ** وَنُورُ تَجَلِّيهَا عَلَيْهِ عَمِيمُ
لَكِنَّ أَهْلَ الذَّمِّ لَا يُدْرِكُوا السَّنَا ** وَكَيْفَ يَرَى طِيبَ الْحَيَاةِ سَقِيمُ (14)
فَأَشْخَاصُنَا خَمْسٌ وَخَمْسٌ وَخَمْسَةٌ ** عَلَيْهِمْ تَرَى أَمْر الْوُجُودِ يَقُومُ
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْأَرْبَعِينَ نهَايَةٌ ** لَهُمْ فَهُوَ قَوْلٌ يَرْتَضِيهِ كَلِيمُ
وَإِنْ شِئْتَ أَخْبِرْ عَنْ ثَمَانٍ وَلَا تَزِدْ ** طَرِيقَة أَفْرَاد إِلَيْهِ قَوِيمُ (15)
فَسَبْعَتُهُمْ فِي الْأَرْضِ لَا يَجْهَلُونَهَا ** وَثَامِنُهُمْ عِنْدَ النُّجُومِ لَزِيمُ
فعذرًا فلو جاء الزمان وجيمه ** عَلَى فَاءِ مَدْلُولِ الْكُرُورِ يَقُومُ (16)
مَعَ السَّبْعَةِ الْأَعْلَامِ وَالنَّاسُ غُفّلٌ ** عَلَيْهِمْ بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ عَلِيمُ
وَفِي الرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ اسْم عداته ** وَصَاحِبُهَا بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمُ (17)
وَيَخْتَصُّ بِالتَّدْبِيرِ منْ دُون غَيْره ** إِذَا فَاحَ زَهْرٌ أَوْ يَهبُّ نَسِيمُ
تَرَاهُ إِذَا نَاوَأهُ فِي الْأَمْرِ جَاهِلٌ ** كَثِيرُ الدَّعَاوَى أَوْ يَكِيدُ زَنِيمُ (18)
فَظَاهِرُهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَقَلْبُهُ ** غَيُورٌ عَلَى الْأَمْرِ الْعَزِيزِ زَعِيمُ
إِذَا مَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِهِ نِصْفُ سَاعَةٍ ** إِلَى سَاعَة الأخرى وَحَلَّ صَرِيمُ (19)
فَيَهْتَزُّ غُصْنُ الْعَدْلِ بَعْدَ سُكُونِهِ ** وَيَحْيَا نَبَاتُ الْأَرْضِ وَهْوَ هَشِيمُ (20)
وَيَظْهَرُ عَدْلُ اللهِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا ** وَشَخْصُ إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ رَمِيمُ (21)
وَثَمَّ صَلَاةُ الْحَقِّ تَتْرَى عَلَى الَّذِي ** بِهِ لَمْ أَزَلْ فِي الْحَالَتَيْنِ أَهِيمُ

أما بعد:

حَمْدًا للهِ الَّذِي تَقَدَّمْ ** وَالصَّلَاةُ الَّتِي خُتِمَ بِهَا الْحَمْدُ وَتُمِّمْ

تَدَبَّرْ أَيُّهَا الْحَبْرُ اللَّبِيبُ ** أُمُورًا قَالَهَا الْفَطِنُ الْمُصِيبُ
وَحَقِّقْ مَا رَمَى لَكَ مِنْ مَعَانٍ ** حَوَاهَا لَفْظُهُ الْعَذْبُ الْعَجِيبُ
وَلَا تَنْظُرْهُ فِي الْأَكْوَانِ تَشْقَى ** وَيَتْعَبُ جِسْمُكَ الْقدُّ الْغَرِيبُ (22)
إِذَا مَا كُنْتُ نُسْخَتُهَا فَمَا لِي ** أَرُومُ الْبُعْدَ وَالْمَعْنَى قَرِيبُ

تبيين الغرض من هذا الكتاب:

_____________________
(1) الصواب: الوعاء المختوم
(2) تبريح: شدة
(3) هيم: في غاية العطش
(4) سُدَف: السدْفة: اختلاط الضوء والظلمة جميعا كوقت ما بين صلاة الفجر لأول الإسفار
(5) الرَّيْم: البراح - التباعد - الزيادة والفضل
(6) الصواب: عَنْ نَيْلِ عِلْمِنا، فعلمنا قاصر على العلم بذاته
(7) فرافق: الصواب: ففرقان، بتعين: الصواب: بتعيين
(8) فاشتد: الصواب فأنشد
(9) كتاب الحكيم الترمذي (ختم الأولياء) وهو مشهور
(10) سماء الغرب
(11) نجوم: مفرقة - منجمة
(12) في نسخة: أبدروا أو أشمسوا فوق عرشه، البدر هو القطب، والشمس هي الحبيب، والمراد التجلي
(13) النجوم: الأولياء الكبار، والرجوم: المرجمون مثل الشياطين، أي من نال النظرة بالرضا صار مصباحا هاديا، ومن كان مغضوبا عليه صار شيطانا رجيما
(14) في نسخة: ولكنه المرموز لا يدرك السنا، والسنا: أول الضوء وسطوعه
(15) في نسخة: طريقهم فرد، والمقصود: الطريق الواحد الثابت المستقيم أقصر الطرق إلى الله
(16) في نسخة: فعند فنا خاء الزمان وداله على فاء مدلول الكرور، والكرور: التكرار
(17) في نسخة: رَسْمُ عِدَاتها
(18) الزنيم: الدعيّ - اللئيم - الملحق بقوم ليس منهم لا يحتاج إليه
(19) من يومه غير ساعة إلى ساعة أخرى وحل صريم، والصريم: الصبح لانقطاعه عن الليل، والليل المظلم لانقطاعه عن النهار، وهو من الأضداد
(20) هشيم: متهشم بالي، أي تحيا العباد بالعدل والذكر فتخضر أعوادهم، كالنبات بعد أن كان هشيما كعود الحطب..
لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: "ذكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء وسط الهشيم"
(21) رميم: بالي - متقطع
(22) القد: القامة أو القوام - الشق طولا به رد، وفي نسخة: الفذ

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أغسطس 26, 2013 1:46 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
تبيين الغرض من هذا الكتاب:

كنا قد ألفنا كتابًا روحانيًا وإنشاءً ربانيًا، سميناه [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية]، تكلمنا فيه على أن الإنسان عالم صغير، مسلوخ من العالم الكبير،
فكل ما ظهر فى الكون الأكبر، فهو فى هذا العين الأصغر، ولم أتكلم فى تلك الأوراق، على مضاهاة الإنسان بالعالم على الإطلاق،
ولكن على ما يقابله من جهة الخلائق (1) والتدبير، وبينت منه ما هو الكاتب والوزير، والقاضي العادل، والأمناء والعاملون على الصدقات، والسفر،
والسبب الذي جعل الحرب بين العقل والهوى، ورتبت فيه بين مقابلة الأعداء، ومتى يكون اللقاء، ونصرته نصرًا مؤزرًا، وكونته أميرًا مدبرًا،
وأنشأت الملك، وأقمت ببعض عالمه الحياة، وببعضهم الملك (2)، وكَمُلَ الغرض، وأَمِنَ مَنْ كان في قلبه مرض.

وكنت نويت أن أجعل فيه ما أوضحه تارة وأخفيه، وأين يكون من هذه النسخة الإنسانية، والنشأة الروحانية، مقام الإمام المهدي المنسوب إلى بيت نبي بالماء والطين (3)،
وأين يكون أيضًا منها ختم الأولياء وطابع الأصفياء، إذ الحاجة إلى معرفة هذين المقامين في الإنسان، آكد من كل مضاهات أكوان الحدثان.
لكني خفت من نزعة العدو الشيطان، أن يصرخ بي في حضرة السلطان، فيقول عليّ ما لا أنويه، وأحصل من أجله في بيت التشويه،
فسترت الشاة بالعززان (4)، صيانة لهذا الجسمان، ثم رأيت ما أودع الحق من هذه الأسرار لديه، وتوكلت في إبرازه عليه.

فجعلت هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين،
ومتى تكلمت على هذا، فإنما أذكر العالمين لتبيين الأمر للسامع في الكبير الذي يعرفه ويعقله، ثم أضاهيه بسره المودع في الإنسان الذي ينكره ويجهله،
فليس من غرضي في كل ما أصنف في هذا الفن معرفة ما ظهر في الكون، وإنما الغرض تنبيه الغافل على ما أوجد في هذا العين الإنساني والشخص الآدمي.
فحقق نظرك أيها العاقل، وتنبه أيها الغافل، هل ينفعني في الآخرة كون السلطان عادلًا أو جائرًا أو عالمًا أو حائرًا،
لا والله يا أخيّ، حتى أنظر ذلك السلطان مني وإليّ، وأجعل عقلي إمامًا عليّ، وأطلب منه الآداب الشرعية في باطني وظاهري، وأبايعه على إصلاح أوّلي وآخري.

فمتى لم أجعل هذا نظري هلكت، ومتى أعرضت عن الاشتغال بالناس تمكنت من نجاتي وتملكت،
إذ قد قال (صلى الله عليه وسلم) يخاطب جميع أمته: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (5).

فقد أثبت (صلى الله عليه وسلم) الإمامة لكل إنسان في نفسه، وجعله مطلوبًا للحق في عالم غيبه وحسّه،
فإذا كان الأمر على هذا الحد، ولزمنا الوفاء بالعهد، فما لنا نفرط في سبيل النجاة، ونقنع بأحط الدرجات؟ ما هذا فعل من قال إني عاقل! ويتجنب جميع هذه المعاقل.

فمتى ذكرت في كتابي هذا أو غيره حادثًا من حوادث الأكوان، فإنما غرضي أن أثبته في سمع السامع وأقابله بمثله في الإنسان،
فتصدق النظر فيه إلى ذاتنا، الذي هو (6) سبيل نجاتنا، فأمشيه بكليته في النشأة الإنسانية، على حسب ما يعطيه المقام إما جسمانية وإما روحانية،
فإياك أن تتوهم -أيها الأخ الشقيق- أن غرضي من كتبي كلها الكلام فيما خرج عن ذاتي، من غير أن تلحظ فيه سبيل نجاتي.

فَمَا أُبَالِي إِذَا نَفْسِي تُسَاعِدُنِي ** عَلَى النَّجَاةِ بِمَنْ قَدْ فَازَ أَوْ هَلَكَا
فَانْظُرْ إِلَى مُلْكِكَ الْأَدْنَى إِلَيْكَ تَجِدْ ** فِي كُلِّ شَخْصٍ عَلَى أَجْزَائِهِ مَلِكَا
وَزِنْهُ بِالْعَدْلِ شَرْعًا كُلّ آوِنَةٍ ** وَاسْلُكْ بِهِ خَلْفَهُ مِنْ حَيْثُ مَا سَلَكَا
وَلَا تَكُنْ مَارِدًا تَسْعَى لِمَفْسَدَةٍ ** فِي مُلْكِ ذَاتِكَ لَكِنْ فِيهِ كُنْ مَلِكَا (7)

فليتأمل وليّ هذا الكتاب.. فإني أذكر فيه الأمر في العالم الأكبر، وأجعله كالقشَر، وأجعل ما يقابله من الإنسان كاللباب،
للسبب الذي ذكرته، أن يتبين للسامع ما يجهله، في الشيء الذي يعرفه ويعقله، ولو وصل فهمه إليه دون ذكري إياه، ما لحظت ساعة حياة، ولا عرضت لمحة بارق على معناه،
فإنما أسوقه مثالا للتقريب، ومجالا للتهذيب، وسأورد ذلك إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب، من لآلئ الأصداف، ونواشئ الأعراف،
التي هي أمثال نصبها الحق للمؤمنين والعارفين، حبالة صائد، وتحفة قاصد، وعبرة لبيب، وملاطفة حبيب.


__________________________
1 في نسخة: الخلافة
2 في (خ): وأنشأت فيه الممالك، وأقمت ببعض عالمه الحياة، وبعضها المهالك
3 في (خ): المنسوب إلى أهل بيت النبي المقامي والطيني
4 / فسترت بالغيران الشان/ غير واضحة
5 رواه الشيخان، وغيرهما، عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) مرفوعًا
6 في (خ): فلنصرف النظر فيه لذاتنا، التي هي ...
7 المقصود أن العبد الرباني يكون مهيمنًا على نفسه وجوارحه بقوة عزيمة إيمانه واستغراقه في طاعة الله تعالى

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أغسطس 26, 2013 2:05 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب

بحر طامس وبحر غاطس
فيه لآلئ إشارات، في أصداف عبارات، فمن ذلك مفتاح حجة، وإيضاح مَحَجَّة


ولما لم يتمكن القاصد -إلى إعلاء المقاصد(1)- إلى البيت العتيق، أن يصل إليه حتى يقطع كل فج عميق، ويترك الإلف والوطن، ويهجر الخلة والقطن،
ويفارق الأهل والولد، ويستوحش في سيره من كل أحد، حتى إذا وصل الميقات، خرج من رقّ الأوقات، وتجرد من مخيطه، وخرج من تركيبه إلى بسيطه،
وأخذ يلبي من دعاه، فنسي ما كان من قبل ذلك وعاه، وصعد كذا، ولاح له علم هدى، ودخل الحرم وحرم،
ولثم الحجر وقبّل، وتذكر ميثاق الأزل، وطاف بكعبته، وأحاط بنشأته، هكذا في جميع مناسكه، يمشي على مسالكه،
فإن تجاوز المعنى، ووقف على حجه معنّى، فذلك هو الحاج الذي يهنى، ولولا السآمة من قارئه، لعرفتكم به منسكًا منسكًا إلى آخره.

وابتدأت في هذا الكتاب بنسكة الحج، إذ معناه تكرار القصد، إلى الواحد الفرد، والقصد أول مقام لكل طالبٍ سرًا، ومحاول أمرًا،
وأريد أن أوضح لك في هذا الكتاب أسرارًا، وأرسل سماءها عليك مدرارًا، فأوضحت لك أولا قصدي، وجعلته قصدًا شرعيًا، ومقامًا جمعيًا،
فإنه إذا كان القصد بهذه المثابة وهو البداية، فما ظنك بالنهاية، وأين من يقدر قدر قدر الغاية؟
"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" (2)، وأما حمد نور شمس، وما يمد ذاتُ نورِهِ، فألق السمع وأشهد الجمع.

أَقُولُ وَرُوحُ الْقُدُسِ تَنْفَثُ فِي النَّفْسِ ** بِأَنَّ وُجُودَ الْحَقِّ فِي الْعَدَدِ الْخَمْسِ
أَيَا كَعْبَةَ الْأَشْهَادِ يَا حَرَمَ الْقُدْسِ (3) ** أَيَا زَمْزَمَ الْآمَالِ زِمّ عَلَى النَّفْسِ
سَرَى الْبَيْتُ نَحْوَ الْبَيْتِ يَبْغِي وِصَالَهُ ** وَطُهِّرَ بِالتَّحْقِيقِ مِنْ دَنَسِ اللَّبْسِ
فَيَا حَسْرَتِي يَوْمًا بِبَطْنِ مُحْسِرٍ ** وَقَدْ دَلَّنِي الْوَادِي عَلَى سَفَرِ الرِّجْسِ
تَجَرَّعْتُ بِالْجَرْعَاءِ كَأْسَ نَدَامَةٍ ** عَلَى مَشْهَدٍ قَدْ كَانَ مِنِّي بِالْأَمْسِ
وَمَا خِفْتُ بِالْخَيْفِ (4) ارْتِحَالِي وَإِنَّمَا ** أَخَافُ عَلَى ذِي النَّفْسِ فِي ظُلْمَةِ الرَّمْسِ (5)
لِمُزْدَلِفَى الْحُجَّاجِ أَعْمَلْتُ نَاقَتِى ** لِأَنْعُمَ بِالزُّلْفَى وَأَلْحَقَ بِالْجِنْسِ
جمعْتُ بِجَمْعِي بَيْنَ غَيْبِي وَشَاهِدِي (6) ** بِوِتْرَيْنِ لَمْ أشْهَدْ بِهِ رُتْبَةَ النَّفْسِ
خَلَعْتُ الْأَمَانِي عِنْدَمَا كُنْتُ فِي مِنَى ** وَطَوَّقْتُهَا فَانْظُرْهُ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ
فَفِي الْجَمَرَاتِ اللعن فِي رَوْنَقِ الضُّحَى ** حَصَيْتُ عَدُوَّ الْجَهْلِ فَارْتَدَّ فِي نَكْسِ
صغَيْتُ عَلَى حُكْمِ الصَّفَا عَنْ حَقِيقَتِي ** فَمَا أَنَا مِنْ عُرْبٍ فِصَاحٍ وَلَا فُرْسِ (7)
رَكَنْتُ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي لِأَنَّ فِي ** اسْتِلَامِ الْيَمَانِي الْيُمْنَ فِي جَنَّةِ الْقُدْسِ
أَقَمْتُ أُنَاجِي بِالْمَقَامِ (8) مُهَيْمِنًا ** تَعَالَى عَنِ التَّحْدِيدِ بِالْفَصْلِ وَالْجِنْسِ
فَشَاهَدْتُهُ فِي بَيْعَةِ الْحَجَرِ الَّذِي ** تَسَوَّدَ مِنْ نَكْسِ الْعُهُودِ لَدَى اللَّمْسِ
وَبِالْحجرِ حَجَّرْتُ الوجودَ وَلَوْنهُ (9) ** عَلَيَّ فَلَا يَغْدُو الزَّمَانُ وَلَا يُمْسِي
وَفِي عَرَفَاتِ قَالَ لِي تَعْرِفُ الَّذِي ** تُشَاهِدُهُ بَيْنَ الْمَهَابَةِ وَالْأُنْسِ
فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أُعْلِمْتُ مُنْشدًا ** بِسَيْرِي بَيْنَ الْجَهْرِ لِلذَّاتِ وَالْهَمْسِ
سَفِينَةَ إِحْسَاسِي رَكِبْتُ فَلَمْ تَزَلْ ** تُسَيِّرُهَا رِيَاحُ (10) أَفْكَارِهِ الْخُرْسِ
فَلَمَّا غَدَتْ بحرَ الوجودِ وَعَايَنَتْ (11) ** بِسَيْفِ النُّهَى مَنْ جَلَّ عَنْ رُتْبَةِ الْإِنْسِ
دَعَانِي بِهِ: عَبْدِي، فَلَبَّيْتُ طَائِعًا ** تَأَمَّلْ فَهَذَا الْفَتْحُ فَوْقَ جَنَى الْغَرْسِ
فَعَايَنْتُ مَوْجُودًا بِلَا عَيْنٍ مُبْصِرًا ** وَسَرَّحْتُ عَيْنِي فَانْطَلْقْتُ مِنَ الْحَبْسِ
فَكُنْتُ كَمُوسَى حِينَ قَالَ لِرَبِّهِ ** أُرِيدُ أَرَى ذَاتًا تَعَالَتْ عَنِ الْحِسِّ
فَدَكَّ الْجِبَالَ الرَّاسِيَاتِ جَلَالُهُ ** وَغُيِّبَ مُوسَى فَاخْتَفَى الْعَرْشُ فِي الْكُرْسِي
وَكُنْتُ كَخُفَّاشٍ أَرَادَ تَمَتُّعًا ** بِشَمْسِ الضُّحَى فَانْهَدَّ مِنْ لَمْحَةِ الشَّمْسِ (12)
فَلَا ذَاتَهُ أَبْقَى وَلَا أَدْرَكَ الْمُنَى ** وَغُودِرَ فِي الْأَمْوَاتِ جِسْمًا بِلَا نَفْسِ
وَلَكِنَّنِي أُدْعَى عَلَى الْقُرْبِ وَالنَّوَى ** بِلَا كَيْفٍ بِالْبَعْلِ الْكَرِيمِ وَبِالْعُرْسِ (13)

فمن لم يكن قصده على هذه المحجّة، ولم تصح له هذه الحجة، ويطلب العين، فهو في حضرة الغين،
فاسلك يا أخي على هذه الطريق، وقل الرفيق الرفيق، حتى تتصل به من غير انفصال، وتفصل عنه من غير اتصال (14)،
وتكون ظلالك تسجد له سبحانه بالغدو والآصال، ومن ذلك تنزل روح أمين، بإشراق صبح مبين.

ولما هزم الصبح جيوش الليل، وأردف عليه بسوابق الخيل، وحصل الجسم والرسم، في قبضة العين والاسم،
وأعتقه من رقّ قومه، وألبسه رداء صونه، ومنحه مشاهدة عينه، في أي وجه كان من أينه (15).


__________________________
(1) ما بين المعقوفتين سقط من النسخة المطبوعة (ط).
(2) سورة الأنعام، الآية 91.
(3) في (ط): يا حَرَمَ الْأُنْسِ.
(4) الخَيْف: ما ارتفع عن موضع مجرى السيل ومسيل الماء وانحدر عن غلظ الجبل، ومنه مسجد الخيف بِمِنَى.
(5) الرمس: القبر المستوي مع وجه الأرض - أصلها: الستر والتغطية.
(6) في (ط): جمعت بجمع بين صحبي وشاهدي.
(7) في نسخة (خ): أحصيت... أصغيت على حكم الصفا... من عرب كرام ولا فرس.
(8) قال تعالى: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" - أي مقامه الولائي الذي وصل إليه.
(9) في (ط): وبالحجر حجرات الوجود ركونه.
(10) في (ط): أرواح.
(11) في (خ): فلما غدت نحوي الوجوه وعاينت
(12) في (ط): فانهرت من هيبة الشمس
(13) في أخرى: بل تجلٍّ كريم - بالفعل الكريم
(14) في(خ): فمن لم يكن قصده على هذه المحجّة، وهو يطلب العين، فهو في حضرة الأين، فاسلك يا أخي على هذه الطريق، وقل الرفيق،
حتى تتصل به إليه من غير اتصال، وتنفصل عنه إليه من غير انفصال.
(15) في (ط): وأوجف عليه بسوابق الخيل، وحصل الجسم والدسم ..... ومنحه مساعدة عينه، في أي جهة كان من ابنه.

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الاثنين أغسطس 26, 2013 2:34 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب

عند ذلك سألني رجل من أهل تبريز، وممن يقول بدولة العزيز، وينكر سقوط التمييز، عن أسرار أشراط الساعة، وأماراتها، وحقائقها، وإشاراتها؛
من طلوع شمس من مغربها، وروحانية مقصدها ومذهبها، وإغلاق باب توبة، وإبقاء زلة وحوبة، ونفخ دابة، ونزول مسيح، وخسف جيش تهامة فيح،
وملحمة عظمى، وفتح مدينة كبرى، بتكبير وتهليل على مقتضى السنّة، لا بالمراهفات البيض ولا بزرق الأسِنَّة،
وختم ولاية وروضة خضراء، وسرّ نبوة ومحجة بيضاء، ومن خرج من مقامه إلى مقام الزلّ، فصح له به الشرف الأكمل،
وخروج دجال لا يعنى، وقتيل له يموت ويحيا (1).

وقال لي: أريد منك أن تبين لي أين أسرار هذه الأكوان، من نشأتي الإنسان؟ (2)
فإني أريد أن أجعلك لشيطاني شهابًا رصدًا، وأتَّبعُكَ على أن تعلمني ممّا عُلِّمْتَ رُشدًا.
فقلتُ له: وأين فتاك وقوتُك، وهل اتَّخذَ في البحر سربًا حوتُك؟
فقال: لولا ما اتَّخذَ حوتي سربًا، ما وجدت لك سببا، ولولا فتاي، ما حملت غداي.
فقلت له: ستلحق بمقامك وتتأخر، وإذا وقع ذلك حينئذٍ تعثر (3).
ثم قلت له: وهل نسيت الحوت فارتددت قصصًا على أثرك لتعرف حقيقة خبرك؟
فقال: كل ذلك قد كان، فلقد تَعِبَ مَنْ أَخَذَ عِلْمَهُ عن الأكوان.
قلت له: أوبشّركَ الحقُّ بأني صاحبُ الرحمة والعلم (4)، فأبشر بأنك صاحبُ الغلظة والذم (5)، لأني في العين، وأنت في الكم والأَيْن،
فأنت في ملكك رئيس، وفي سجن عالم شهادتك حبيس، وأنا في ملكوتي علقٌ نفيس، وصاحب صنعة لبوس.
فقال: إني أتيتك قاصدًا، فعَلّمْني مما عُلّمتَ رشدًا (6).
فقلت: "قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا".
"قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا".
قلت: "قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا" (7)


وصف حال بعد حِلٍّ وترحال

ثم قلت له: يا سيدي، صان الله أنوار شيبتك، وحفظ عليك متاع غيبتك، أريد أن أعرفك قصتي، تكون لك سلمًا إلى منصتي،
عسى أن يقل إنكارك، فيحسن أن وقع منك اعتذارك، فإن الذي سألت عنه، من هذه الأسرار المصونة عن ملاحظة الأنوار، فكيف بعالم الأفكار،
لا يصلح في كل وقت إفشاؤها، ولا يصح بأي نفخ كان بعثها وإحياؤها،
فإن نبأها عظيم، وشيطان منكرها أليم، وإن كان بعض ما سألتني عنه لم أعرج عليه، ولا طلبته منه،
فإن الطريق الذي سلكت عليه، والمقام الذي طلبته وانفردت إليه، الذي هو مقام فردانية الأحد، ونفي الكثرة والعدد،
لا يصلح معه التعريج على كون، ولا يقبل منه إلا ما تحققه عين،
ولما لم تتعلق بحوادث الأكوان همتي، ولا تشوقت إليها كلمتي،
كان الحق سبحانه وتعالى وجهتي ونزهتي، عن ملاحظة جهتي، فكنت لا أشهد أينًا، فكيف أبصر كونًا؟!


__________________________
(1) بأخرى: جيش بمهامه فيح، ..... إلى مقام الذل، فصح له به المشرق الأكمل ... دجال لا يعيى، وهيكل له يموت ويحيى.
(2) في (ط): وأريد منكم أن تبينوا لي؛ إلى أين أسرار هذه الأكوان، في نشأة الإنسان.
(3) في (خ): سيلحقك مقامك وتتأخر إذا وقع ذلك حينئذ تعتبر.
(4) يستند المؤلف على الآيات من 61 إلى 66 من سورة الكهف، في لقاء سيدنا موسى عليه السلام بالعبد الصالح الخضر.
(5) بأخرى: والدم
(6) في (خ): إني آتيك بقصدي فعلمني رشدي
(7) سورة الكهف، الآيات (67، 68، 69، 70).

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أغسطس 28, 2013 10:12 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
حكمة تعليم من عالم حكيم

ثم لما رأيت السائل عن تلك المسائل والأسرار، تحركه دواعي الأفكار (1)،
أعرضت عنه إعراض معلم ناصح، وصرفت وجهي إلى وجهة الحق الذي بيده المفاتح،
من جهة المقام الذي يعقله، وسددت الباب الذي ينكره ويجهله، حتى يتمكن في مقام السمع، ويتحقق بحقيقة من حقائق الجمع،
وقمت إلى الحق ملبّيًا، وله مناجيًا، أعدّ عليَّ سوابغ نعمه، وأسمع السائل سرائر حكمه،
وكأني لا أقصده بذلك تعليما، وهكذا يفعله من صيّره الحق حكيما،
فإن البيوت لا تؤتى إلا من أبوابها، والملك على أرجائها، والملوك لا يدخل عليها إلا بإذن حجّابها،
وذلك أني إن أبديت له الأسرار كفاحًا، وجد قلبه لذلك سراحًا،
فسرح في عالم التجسيم سر فكره، واستوى على قلبه سلطان فكره، فصير نوره نارًا، وقراره بوارًا،
فالحكيم المطلق إذا أخذ من هذه صفته في مناشدة الحق، وأعرض عن مشاهدة جميع الخلق،
بهره المقام، فقطع الأوهام، وغاب عن الأجسام، واستسلم أي استسلام، ووقعت النكتة في قلبه، فقادته إلى معرفة ذاته وربه،
فأعرضت عنه لهذه الحكمة، وأنشدت وبحثت، ببعض ما وجدت، بعلمه فيه،
أن السلوك يجذب الحق ودواعيه، وسره سبحانه بالعبد وبحقيقة فعله ينتبه ويعيه.

قَلْبِي بِذِكْرِكَ مَسْرُورٌ وَمَحْزُونُ ** لَمَّا تَمَلَّكَهُ لَمْحٌ وَتَلْوِينُ
فَلَوْ رَقَتْ لِسَمَاءِ الْكشْفِ هِمَّتُهُ ** لَمَّا تَمَلَّكَهُ وَجْدٌ وَتَكْوِينُ
لَكِنَّهُ حَادَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ فَلَمْ ** يَظْفَرْ بِهِ فَهْوَ بَيْنَ الْخَلْقِ مِسْكِينُ
حَتَّى دَعَتْهُ مِنَ الْأَشْوَاقِ دَاعِيَةٌ ** أَضْحَى بِهَا وَهْوَ مَغْبُوطٌ وَمَفْتُونُ
وَأَبْرَقَتْ فِي نَوَاحِي الْجَوِّ بَارِقَةٌّ ** هَمَّتْ لَهَا نَحْوَ قَلْبِي سُحْبُهَا الْجُونُ (2)
فَالسُّحْبُ سَارِيَةٌ وَالرِّيحُ دَارِيَةٌ (3) ** وَالْبَرْقُ مُخْتَطَفٌ وَالْمَاءُ مَسْنُونُ
وَأَخْرَجَتْ كُلَّ مَا تَحْوِيهِ مِنْ حَسَنٍ ** أَرْضُ الْجُسُومِ وَفَاحَ الْهِنْدُ وَالصِّينُ

فلما سمع السائل وصف حالته، وسجن بدر سره في إدارة هالته (4)، وتنبّه لما أُخْفِيَ فيه، وبرزت له نبذة من معانيه،
ورأيته قد أصغى إليَّ بكلِّيتهِ، وخرج من ملاحظة نفسيته،
صرفت وجهي إليه، وهو فانٍ فيما أوردته عليه، متعطش للزيادة فيما أنشدته، وطلب مني الزيادة بحاله فزدته.

فَمَا تَرَى فَوْقَ أَرْضِ الْجِسْمِ مَرْقَبَةً ** إِلَّا وَفِيهَا مِنَ الْأَنْوَارِ تَزْيِينُ
فَكُلَّمَا لَاحَ فِي الْأَسْرَارِ (5) مِنْ بِدَعٍ ** وَفِي السَّرَائِرِ مَعْلُومٌ وَمَوْزُونُ
وَالْقَلْبُ يَلْتَذُّ فِي تَقْلِيبِ مَشْهَدِهِ ** بِكُلِّ وَجْهٍ مِنَ التَّزْيِينِ ضَنِّينُ
وَالْجِسْمُ فُلْكٌ بِبَحْرِ الْجُودِ تُزْعِجُهُ ** رِيحٌ مِنَ الْغَرْبِ بِالْأَسْرَارِ مَشْحُونُ
وَرَاكِبُ (6) الْفُلْكِ مَا دَامَتْ تُسَيِّرُهُ ** رِيحُ الشَّرِيعَةِ مَحْفُوظٌ وَمَيْمُونُ
أَلْقَى الرَّئِيسُ علَى التَّوْحِيدِ مَقْدِمَه ** وَفِيهِ لِلْمَلَأِ الْعُلْوِيِّ (7) تَأْمِينُ
فَلَوْ تَرَاهُ وَرِيحُ الشَّوْقِ تُزْعِجُهُ ** تجري (8) وَمَا فِيهِ تَحْرِيكٌ وَتَسْكِينُ
إِنَّ الْأَوَائِلَ فِي الْإِنْسَانِ مُودَعَةٌ ** نُورٌ وَنَارٌ وَطِينٌ فِيهِ مَسْنُونُ
وَأُودعَ الْوَصْلُ مَا بَيْنِي عَلَى كَثَبٍ (9) ** وَبَيْنَ رَبِّي فَمَفْرُوضٌ (10) وَمَسْنُونُ
فَالسِّرُّ بِاللهِ مِنْ خَلْفِي وَمنْ خَلَفِي ** إِذَا تَحَقَّقْتَ مَوْصُولٌ وَمَيْمُونُ (11)
يَقُولُ في القلبِ رُوحُ الحَقِّ (12) فَاعْتَبِرُوا ** فَإِنَّ قَلْبَ كِتَابِ اللهِ يَاسِينُ (13)
مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ أَتَى مِنْ قَبْل نَفْخَتِهِ ** عَلَيَّ منْ دَهْره فِي نَشْأَتِي حِينُ
لَا يَعْرِفُ الْمَلَكُ الْمَعْصُومُ مَا سَبَبِي ** وَلَا لِعَيْنِ (14) الَّذِي تَبْكِيهِ تَبْيِينُ
لَمَّا تَسَتَّرْتُ عَنْ صَلْصَالِ مَمْلَكَتِي ** أَخْفَانِي عَنْ عِلْمِهِ فِي عَيْنِهِ الطِّينُ
فَكَانَ يَحْجُبُهُ عَنِّي وَعَنْ صِفَتِي ** غَيْمُ الْعَمَى وَأَنَا فِي الْغَيْبِ مَخْزُونُ
فَعِنْدَمَا قُمْتُ فِيهِ صَارَ (15) مُفْتَخِرًا ** يَمْشِي الْهُوَيْنَا وَفِي أَعْطَافِهِ لِينُ
لَمَّا سَرَى الْقَلْبُ لِلْأَعْلَى وَجَازَ عَلَى ** عَدْنٍ وَغَازَلَهُ حُورٌ بِهَا عِينُ (16)
غَضَّ الْجُفُونَ وَلَمْ يُثْن الْعَنَانَ لَهَا ** لَمَّا مَضَى عَنْ هَوَاهُ الْفَرْضُ وَالدِّينُ (17)
فَعِنْدَمَا قَامَ فَوْقَ الْعَرْشِ بَايَعَهُ ** اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ الْعُلْوِيُّ (18) وَالنُّونُ
فَلَوْ تَرَاهُ وَقَدْ أَخْفَى حَقِيقَتَهُ ** لَهُ فُوَيْقَ (19) اسْتِوَاءِ الْحَقِّ تَمْكِينُ
فَإِنْ تَجَلَّى إِلَى كَوْنٍ بِحِكْمَتِهِ ** لَهُ عَلَى ظَهْرِ ذَاكَ الْكَوْنِ تَعْيِينُ
فَلَا يَزَالُ لِمَزْجِ الْمُلْقيَاتِ بِهِ ** يَقُولُ لِلْكَائِنَاتِ فِي الْوَرَى كُونُوا
فَكُلُّ قَلْبٍ سَهَى عَنْ سِرِّ حِكْمَتِهِ ** فِي كُلِّ كَوْنٍ فَذَاكَ الْقَلْبُ مَغْبُونُ
فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا تَدْرِي الْإِلَهَ إِذَا ** مَا لَمْ يَكُنْ فِيكَ (20) يَرْمُوكٌ وَصِفِّينُ (21)
فَاعْرِفْ إِلَهَكَ مِنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ فَإِنْ ** تَمُتْ فَأَنْتَ عَلَى التَّقْلِيدِ مَسْجُونُ
وَإِنْ تَجَلَّيْتَ فِي شَرْقيِّ مَشْهَدِهِ ** عِلْمًا تَنَزَّلَ (22) فِيكَ الْعَالُ وَالدُّونُ
وَلَاحَ فِي كُلِّ مَا يخْفي وَيُظْهِرُهُ ** مِنَ التَّكَالِيفِ تَقْبِيحٌ وَتَحْسِينُ
فَافْهَمْ فَدَيْتُكَ سِرّ اللهِ فِيكَ وَلَا ** تُظْهِرْهُ فَهْوَ عَنِ الْأَغْيَارِ مَكْنُونُ
وَغِرْ عَلَيْهِ وَصُنْهُ مَا حَيِيتَ بِهِ ** فَالسِّرُّ مَيْتٌ بِقَلْبِ الْحُرِّ مَدْفُونُ (23)

فلما سمع منتهى القلوب، ووقف على شرف منتهى الغيوب، ورأى ما حوته هذه المملكة الإنسانية، من الصفات الربانية، والأسرار الروحانية،
جثا على ركبته، وانسلخ عن ظلمته. وقال: إني أكتم السر، فأوضح لي الأمر، فقد زال النكران، وطرد الشيطان،
بعناية الرحمن، "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" (24)، وصف لي الخبر إني أسلّم، وعلمني فإني أتعلم.


____________________________
(1) بأخرى: لا تحركه دواعي الإنكار (2) الجون: الكثيفة غزيرة الأمطار
(3) فالسحب سائرة والريح دائرة (4) بأخرى: وسجت بدر سره في إرادة هالته
(5) في نسخة المطبوع (ط): الأجسام (6) في نسخة المخطوط (خ): ومركب
(7) وله عليه من الأملاء / في (ط): إلى التوحيد مقدمة (8) بأخرى: ريحٌ
(9) أي: عن قرب (10) بالأصل (مفروض) والفاء للوزن
(11) بأخرى: وممنون (12) بأخرى: يقول إني قلت الحق
(13) روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس"
(14) بأخرى: العيون والصواب (لعيني) (15) بأخرى: عاد (16) حوراتها العين
(17) المعنى: أبعد نظره عن رؤيتهن (18) في (ط): العلام
(19) بأخرى: فإن فوق (20) بأخرى: قبل
(21) أسماء موقعتين؛ فاليرموك في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في رجب 15هـ، وصفين في عهد الإمام علي (كرم الله وجهه)
(22) بأخرى: تنزه (23) بأخرى: فالسر بيت بقلب الحر مخزون (24) سورة الحجر، الآية 42.

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الأربعاء أغسطس 28, 2013 11:48 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
قلت: فلم أزل بهذا المشهد السنيّ، والمقام العليّ، أغدو وأروح، في غبوق وصبوح، إلى أن تمكن الأمر لدي، وحصلت المفاتيح في يديّ.

فلما أن اتصفت بهذا التحصيل، وهيأني الحق للتقديم ورشحني للتفصيل، علمت أنه على كل شيء قدير،
وأنه تعالى يريد رجوعي إلى عالم الشهادة، فقبلته على شرط الإبقاء للحال والزيادة، إذ لا دليل قاطع بوجود نهاية، ولا تحقيق لأحد بغاية،
إذ هو القائل سبحانه وتعالى قول تنزيه وتمجيد: "لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ" (1).

فحصل للمتصف بهذا المقام نفوذ إرادته في ملكه، وزيادة ما لم تتصف الهمة بدركه؛
فنفوذ إرادته في قوله: "فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ" (2)، لكن بشرط الوفاء بعهده، والزيادة في تتميم الآية (3) بقوله: "أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ"،

فعند انصرافي من غير مفارقة الرفيق، إلى عالم الترفيع والتلفيق، تلقتني حوادث الأكوان في الطريق،
فعند ذلك عرفت من الحادثات الآنية والآتية (4) ما شهدته، وعلمت من الكائنات العلوية والسفلية ما وجدته،
وأنا الآن من ذلك الوقت إلى حين هلكتي، وافتراق ملكتي، في تلك الرجعة المشهدية، بتلك الصفة الأحدية.

ومن ذلك هدهد أمين (5)، جاء بنبأٍ يقين، وقد تجسد بثلاثة أنوار، وأغطيته أسرار،
وممن سلم عليّ في أفقِه، وأظهر لي بعض خُلقِه، كوكب الأفول في رد المقَة، وقمره بازغا في حلة الهداية المشرقة،
فأعطى كل نور حقيقته، وأوضح لنا طريقته، ثم تلاهما الشمس الأكبر، والنور الأزهر، الذي يجلو السدف، وينير الغرف، ويزيل الكلف،
وهو التجلي المثالي، والنور الإرسالي، فسَلّمَ ثم أفل من مغرب الغمى (6)، حتى يصل الأجل المسمّى، فإذا دنا الأجل واقترب، طلع هاديًا من حيث غرب.

وهذا هو شمس التوجيه، ومقام التنزيه، بأفوله يزول الإشراك، وتنحل عقد الإشراك، فيفلت صيدها، ويرتفع كيدها، وهذا الأفول كله على قسمين، لذي عينين.
فإن جعل أفولها في قلبه، فهو على نور من ربه، في عالم غيبه، فبقي له نور قربه، ويكون له نور على نور، وسرور وارد على سرور.
وإن أظلم المحل الأضواء عند أفولها، فهو معرّى من صفات مقيلها، قد غرق في بحر الذات الأقدسية، متجردًا عن أثواب صفاتها المعنوية.
فانظر إلى هذا السر السنيّ ما أعجبه، وإلى هذا الذوق الهنيّ ما أعذبه.

وبقيت مع هذا النور الشمسي، في مقامه القدسي، أناجيه أعوامًا، وليالي قمرية وأيامًا، وقد أوضح الله لنا العلامة، بأنه خاتم الإمامة،
أعني الإمامة المحمدية الجزئية، لا الإمامة المطلقة الكلية، فمن فهم فليعلم، ومن جهل فليقرع الباب وليلزم.

ما دام هذا النور ثابتًا في أفقه، قبل أفوله في حقه، فتحققتَ ما لديه، وعلمت ما جعل الحق من الأسرار في يديه،
ومن ذلك رحيق مختوم، "وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ" (7)، إلى أن دخل عام خمسة وتسعين ونصف يوم اليوم، فانجلى عن الشمس (8) ظلام الغيم،
وأنا على حالتي في رجوعي المذكور، بعلمي المشهور، وعملي المستور، في غلائل النور،
وإنما يكون هذا الرحيق بالمسك مختومًا، وكان مزاجه تسنيمًا، لأنه تابع متبوع، وسامع مسموع، وستأتي الإشارة إليه من بعد، ويكون له الوعيد والوعد.

فلما دخل العام المذكور، ومضت منه ثلاثة شهور، تلقاني عند فراقي لهذه الشمس المغربية، وتركي لها في العصابة اليثربية،
الختم المذكور برحيقه، وأوضح إلي كأس التسنيم مزاج طريقه (9)، فرأيت ختم أولياء الله الحق، في مقعد الإمامة الخاصة الإحاطية والصدق،
فكشف لي عن سر محتده، وأمرت بتقبيل يده، ورأيته متدليًا على الصديق والفاروق، متدانيًا من الصادق المصدوق،
محاذيًا له من جهة الأذن، قد ألقي السمع لتلقي الإذن، ولو تقدمه منشور، وخاتماه نور على نور،
فكان له في ذلك الجمع الطهور، ومن عداه فيه كلابس ثوبي زور (10)، والشمس اليقينية (11) قد قبلت يده مثلي، ولحظتها فقال الختم: هي من أهلي،
ثم نازعني الحديث، وتغنينا بالقديم والحديث، والساقي يحث المدامة، ويبدأ بساق عرش الإمامة، وهو ينعطف على عطفه نشوان، ويغازلني مغازل هيمان.
ويقول: ردني برداء الكتم، فإني أنا الختم، لا ولي بعدي، ولا حامل لعهدي، بفقدي تذهب الدول، وتلتحق الأخريات بالأول.

وكان ما كان مما لستُ أذكرُهُ ** فظنّ خيرًا ولا تسألْ عنِ الخبر

ولما تناجت القلوب بأسرارها، وطلعت شموس الغيوب من سماء أنوارها، وأخذ المجلس حده، ودخل أبو العباس وصاحبه عنده،
انصرفت، متحققًا بما عرفت، ولم تبق نكتة نادرة، إلا على باب حضرتي واردة وصادرة، ولولا عهد الغيرة ما أخذ، علينا دخيل إلا فشا الذي نبذ،
لأبرزناه لكم في حلته وبنيته، ولكن سأجعله وراء كنيته بحليته، فمن اجتهد ورفع ستره، رأى سره (12)،
وهكذا أفعله في شمس غربنا، أظهرها لكم من وراء قلبنا، في حجاب غيبنا، فمن كان ذا كشفٍ علوي، وعزم قوي،
شق عن قلبي، حتى يرى فيه شمس ربي، فمن امتطى عتيق الإفشاء طلب ولحق، ومن نزل عن متنه إلى ذلول الكتم نجا والتحق،
إلا إن كان كما أفعله وفعله من قبلي من خفى رمز، ودرج معنى في معمى ولغز (13)،
ومن ذلك البحر المتقدم المذكور، وإرخاء الستور على البدور.

ولما دخل شهر ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، بعث إلي سبحانه رسول الإلهام، وهو الوحي الذي أبقاه علينا، والخطاب الذي جعل منه إلينا،
ثم أردفه بمبشّرة (14) ساطعة، في روضة يانعة، يأمرني فيها بوضع هذا الكتاب المكنون، والسر المصون المخزون،
وسماه لي بكتاب: [الكشف والكتم، في معرفة الخليفة والختم].

فراجعت الملك في هذه العلامة، فقال: أيها الفتى مه، ثم عاد إليّ وما رحل، وفرش المحل الأقدس وما نزل،
وقال الحضرة قد وسمتهُ بكتاب [سدرة المنتهى وسر الأنبياء، في معرفة الخليفة وختم الأولياء] (15).
فقلت: إني لا أجد في نفسي لهذه السمة (16) نكتة، فلا تعجل عليّ ولا تأخذني بغتة.
فقال: إني أستحي. فقلت: ربي الذي يميت يحيي.

فلما كان يوم الجمعة والخطيب على أعواده، يدعو قلوب أولياء الله وعباده، إذ وجدت برد كف الجذب، من حضرة القرب،
فتلقيت في الغفلة الكلمات، وتوفرت دواعي القلب لما يرد عليه من النسمات (17)، فإذا ألحظ الخطاب الأنفس، من المقام الأقدس،
هل تقنع أيها الخطيب المغرب، والمنتقد المعجب،
بـ [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب، ونكتة سرّ الشفا في القرن اللاحق بقرن المصطفى].


_____________________________
(1) سورة ق، الآية 35 (2) سورة المائدة، الآية 52 (3) في النسخة (خ): الولاية
(4) بأخرى: الحوادث الآنية والأينية (5) بأخرى: مبين (6) بأخرى: فسلم إلي في مغرب الغمى
(7) سورة المطففين، الآية 27 (8) بأخرى: عام خمسة وتسعين نصف اليوم، فأعيى من الشمس ...
(9) بأخرى: الختم برحيقه، وأوضح إلي التسنيم مزاج طريقه
(10) إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المُتَشَبِّع بِمَا لَمْ يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَي زُورٍ". رواه البخاري في النكاح 106،
وأبو داود في الأدب 83، ومسلم في اللباس 126، 137، والترمذي في البر 87، كلهم عن أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما).
(11) بأخرى: البيتية (12) في ط: اجترى ورفع ستره رأى سيره
(13) بأخرى: وفعله من قلبي وفعله مغم خفي رمز ودرج مغني في معمى لغرضي (14) في ط: بميسرة
(15) بأخرى: وفرش المحل الأقدس ونزل، وقال الحضرة قد وسميتهُ بكتاب سدرة المنتهى وسورة الأنبياء،
في معرفة الخليفة المهدي والختم قبله ختم الأولياء (16) بأخرى: التسمية
(17) بأخرى: يدعو أولياءه إليه وعباده، إذ وجدت برد كف الجدب، من حضرة القرب، فتلقيت للغفلة الكلمات،
وتوفرت دواعي القثب، لما يرد عليه من سماء القرب

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الخميس أغسطس 29, 2013 1:00 am 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
فصل

وهذه الإشارات كلها راجعة إلى النسخة الصغرى، لا إلى النسخة الكبرى،
فقد بينتُ لك آنفًا أنه لا فائدة لك في معرفة ما خرج عن ذاتك، إلا أن يتعلق به سبيل نجاتك،
فشمس المغرب ما طلع في سماء غيبتك من أنوار العلوم (1)، وتجلى على قلبك من أسرار الخصوص والعموم،
كما أن الختم ما ختم به على مقامك، عند منتهى مقامك، وكذلك إذا كنت في مقامك (2) الخاص بك بين إخوانك،
على ما كان عليه مَن تقدم مِن صحابة النبي، (صلى الله عليه وسلم) من العمل السني، والتجلي (3) العلي،
فقد لحق زمانك بزمانهم، وصرتَ من جملة أقرانهم، ومن ذلك رفع سِتر، ومجاهدة فِكر.

ولمَّا نصّ ما ذكرته، وورد عليّ بما سطرته، قال: هل رأيتَ يا محمد (4) هذه الإشارة، في تأخر الوزارة، عن الأمير في وقت الإمارة،
لولا خلافة الصدّيق، لرجع الناس عن الطريق، لعدم الكشف، ومعرفة الصرف، وهل الخليفة إلا بعد ثبوت المستخلف، ولهذا توقف المجادل المتعسف.
قل له يا محمد هيهات يا إنسان، ما لا بد من كونه فكأنه قد كان، لكنه غير موجود في عالم التغيير والحدثان،
وإنما الحكمة أخرته، لسرّ أضمرته، سيظهر ذلك السر في أوانه، وحلول زمانه.

فشمس المغرب دون رتبة الصدّيق فعليك بالكتم، كما أن الصديق فمن دونه تحت لواء الختم،
وذلك أن أنوار الغيوب، الساطعة في القلوب، التي كنينا عنها قد ينالها من ليس بصدّيق أكبر، ولا له ذلك المقام الأخطر الأزهر،
بل قد ينالها الممكور به المستدرج المغبون، وسرّ هذا في قوله: "سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ" (5).

والصدّيقية لا ينالها إلا أهل الولاية، ومن كان له عند الله أزلًا سابقُ عناية،
وهي السبيل في نجاة من اتصف بها، وتمذهب بمذهبها، فلهذا جعلنا الشمس دونها، والنهار كونها.
كما أن الختم فوق رتبة الصديق، إذا كان الممهد للطريق، الذي مشى عليه عتيق (6)، فالختم نبوي المحتد، علوي المشهد،
فلهذا جعلناه فوق الصدّيق، كما جعله الحق، فإنه أخذ نوره من مشكاة النبوة،
أكبر ممن أخذه من مشكاة الصديقية، فبين التابع والصاحب، كما بين الشاهد والغائب (7).

ولما صحَّ أن الختم متقدم الجماعة، يوم قيام الساعة، ثبت أن له حشرين، وأنه صاحب الختمين،
ويشركه ذو الأجنحة في حَشْرَيْه، وينفرد الختم بخاتميه،
وذو الأجنحة في الإنسان من غلبت عليه الروحانية، والتحق بتطهير نفسه بالرتبة الملكية،
ولا دفاع عندنا في هذا المقام ولا نزاع (8)، وعلى قدر ارتقائه فيها يكون مع صاحب مثنى أو رباع (9)،
فإن كان أمين الأرواح، فيكون له ستمائة جناح (10)، ولا حرج عليه في ذلك ولا جُناح.

وإنما سميناه خاتمًا، وجعلناه على الأولياء حاكمًا، لأنه يأتي يوم القيامة وفي يده اليمنى، محل الملك الأسنى، خاتم مثالي جسماني،
وفي يده اليسرى، محل الإمام الأسرى، خاتم نزالي روحاني،
وقد انتشر باليمين، في زمرة أهل التعيين، وقد انتشر باليسار مع أهل التمكين، فقد خُصص بِعِلْمين، وخوطب باسْمَيْن،
فله الترأس في الآخرة الحافرة، والتقدم في الأولى والآخرة (11)،
فتفطن أيها اللبيب لهذه الأسرار، واسع لضياء هذه الأنوار.

ومن ذلك رهن إغلاق، وأخذ ميثاق، ولما سمعت ما ذَكَرَه، وأظهر لعيني ما كان سَتَرَه،
عزم عليّ في تقييد هذه النبذة الأقدسية، وأخذ عليّ العهد أن آخذها من غلائلها السندسية (12)، حتى لا تنبسم عن غريض (13)، ولا يظهر لبرقها وميض.
وقال: هي رهن بيدك وقد غلق فلا تبتئس، فأمسك عليه ولا تخرجه فتختلس.

فتوجه الأمر عند ذلك في إفشاء هذا السرّ المكتوم، والكتاب المختوم، إفشاء تعريض لا تصريح، وإعلام تنبيه وتلويح،
ولما تلقيت منه الأمر على هذا الحد، ودخلت تحت هذا العقد، لزمني الوفاء بالعهد، فأنا الآن أبدي تارة، وأعرض تارة، وإياك أعني فاسمعي يا جارة (14)،
وكيف أبوح بسري، وأبدي بمكنون أمري، وأنا الموصي به غيري، في غير ما وضع من نظمي ونثري.

نَبِّهْ عَلَى السِّرِّ وَلَا تُفْشِهِ ** فَالْبَوْحُ بِالسِّرِّ لَهُ مَقْتُ
عَلَى الَّذِي تُبْدِيهِ فَاصْبِرْ لَهُ ** وَاكْتُمْهُ حَتَّى يَصِلَ الْوَقْتُ

فمن كان ذا قلب وفطنة، شغله طلب الحكمة عن البطنة، فوقف على ما رمزناه، وفكّ المعمّى الذي لغزناه،
ولولا الأمر الإلهي لشافهنا به الوارد والصادر، وجعلناه قوتًا للمقيم وزاد المسافر، ولكن قد جف القلم، بما سبق في القدم.

فما أشرف الإنسان، حيث جعله الله محل روحانيات هذه الأكوان، فلقد أبدع الله سلخه، حين أوجده وأكمل نسخه،
والله الكفيل، "وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ" (15)، "وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ" (16).


_________________________________
(1) بأخرى: ما طلع في عالم عيبك من أقوال العلوم (2) بأخرى: زمانك (3) بأخرى: والمقام
(4) المؤلف (محمد بن علي الحاتمي الطائي) (5) سورة الأعراف، الآية 182
(6) عتيق: لقب من ألقاب الصديق الأكبر سيدنا أبو بكر، لأنه بشر يعتقه من النار، ولوسامة وجهه الطلق السمح وضاءة الخلق والخُلق والإيمان.
(7) بأخرى: فالأخذ من نوره أخذ من مشكاة النبوة، أكبر ممن أخذ من مشكاة الصديقية، فبين التابع والمتبوع والصاحب، ما بين الشاهد والغائب.
(8) في (خ): (ولا دفاع) أيضًا (9) بأخرى: وعلى قدر ارتقائه لها يكون مع صاحب مثنى وثلاث ورباع
(10) قال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ
إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وقوله تعالى: "أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ" أي يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعًا،
ومنهم من له جناحان، ومنهم من ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك،
كما جاء في الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء وله ستمائة جناح،
بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب. روي في كثير من المسانيد والحديث صحيح.
(11) جملة (فله الترأس ... والآخرة) سقطت من النسخة (ط).
(12) بأخرى: وأخذ عليّ العهد إِنْ أُجَرِّدُها من غلائلها- والغلائل جمع غلالة، وهو ما يغلق به على الشيء المكنون.
(13) الغريض: الطريّ من اللحم والتمر ونحو ذلك، وفي الأصل كتبت: إغريض
(14) مثل عربي يُضرب لمن يتكلم بكلام، ويريد به شيئًا غيره.
(15) سورة النحل، الآية 9، ونصها: "وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ". (16) جزء من الآية السابقة، وقد كتبت في (ط)

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 30, 2013 10:19 am 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
ومن ذلك موقف اختصاص، ونتيجة إخلاص.
ولما كان هذا الأمر يدخله الصدق والمَيْن (1)، ولو كان عند قائله عن مشاهدةٍ عين،
لما كان يقطع بصدق السامع، إلا أن يتأيد ذلك الخبر بإعجاز قاطع، أو نور حسن ظنٍّ بقلبه ساطع.

ولهذا قال الإمام أبو يزيد (2) لموسى الديبليّ (3): إن المؤمن بكلام أهل هذه الطريقة مجاب الدعوة عند العليّ،
فقد حصل للمؤمن الصديق الاشتراك مع الصادق، بطريق حسن الظن لا بدليل الخوارق.

ولما كان الأمر عند الخلق بهذه النسبة، وحجبوا عما له عند الله من عظيم النصبة، أخفيناه عنهم رحمة بهم، وجرينا معهم على مذهبهم،
فما أظهرت النبوة للجمهور إلا قدر حمل عقولهم، خوفًا من نفورهم عنه وذهولهم، فيقعوا في تكذيب المخبر الصادق، فتحل بهم لذلك مَثُلات العوائق (4).

ثم جرى على هذا المهْيَع السلف الصالح من الصحابة، ونزلوا من مقام الهيبة إلى مقام المزاح والدعابة،
اقتداء بمن مازح الشيخة وذاته التغيير، بما ظاهره موهم وباطنه خير، وتستروا بالمعاملات في الظواهر، وتكتموا بما حصل لهم من العلم المصون والسرائر،
وإن كان قد نبهوا رضوان الله عليهم على أمور، ليست عند الجمهور، خوطبوا بها من وراء الستور.
فقال أبو هريرة: لو بثثته لقطع مني هذا البلعوم، وقال ابن عباس: لو فسّرته لكنت فيكم الكافر المرجوم،
لما رأوا أن حقائق الغيوب، فوق مراتب بعض القلوب، فأخذوا الأمر من فوق، معرفة مشاهدة وذوق، وِرثًا نبويًا محفوظًا، ومقامًا علويًا ملحوظًا،
إذ أشار في إنبائه، لما لُقنه ليلة إسرائه، من تحصيل علم أُخِذَ عليه كتمه، لما عسر على غيره فهمه.

ولما كانت هذه العلوم التي أنا واضعها في هذا المجموع وأشباهه من هذا القبيل، ومتلقاه من مشكاة هذا الجيل،
ومما لا يصح إلا بعد مفارقة جبريل، وكل صنف من الملأ الأعلى وقبيل، لا يصح عندنا إذاعتها، إلا أن يرفع حجابها فتكشف سريرتها.
فكل ما أبرزناه لعين الناقد البصير إنما هو من تلقيات الروح الأمين، ومن سدرة المنتهى للسالكين، وبعض تلقيات اليقين والتمكين،
من حضرة المناجاة بلغة الإنس، لإزالة سطوة الهيبة ونزول رحمة الأنس،
فأظهر منها على قدر إبصار الناظرين، فمنهم من فهم وسلم ومنهم من جال بها في ميدان المناظرين.

ومن ذلك موج مجنون، تجرد عنه لؤلؤ مكنون.
ولما توالت عليّ الأسرار، وسطعت من جميع مسام نشأتي أشعة الأنوار،
اغتسلت بالماء القراح (5) لسد المسام، فانعكست الأنوار إلى محل الإلهام، فتفجرت جداولها وأنهارها، واشتد الريح الغربي فتموجت بحارها،
فدخل الموج بعضه على بعض، وأسرع إلى ما أبرمه المبرم بالحل والنقض، فلا تبصر إلا سحابًا مركومًا، وموجًا مجنونًا.
"فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ" (6)

حتى ما بقي على ظهر هذا البحر فلك يجري، ولا ظهر في جوه فلك يسري، إلى أن لطف المغيث سبحانه فسكن من الريح ما اشتد،
وكثر الموج بالساحل وامتد، فرمى بزبده على سفينة زبد مخض لوضيع الوقت وشريف (7)، "قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاس مَشْرَبهمْ" (8)، وحققوا طريقهم ومذهبهم،
فذاك الزبد قدر ما خرج من بحر قلوب العارفين على ظواهرهم إلى الخلق، ولا يعرف قدره إلا صاحب ذوق.

وهذا الكتاب المحفوظ من طوارق العلل، والمسمى في غيابات الأزل، بـ [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب،
ونكتة سرّ الشفا في القرن اللاحق بقرن المصطفى]، من ذلك الزبد الذي رماه الموج، يلوح للمنفرد به الفرد وللجامع عليه الزوج،
فمن شاء فليوتر ومن شاء فليشفع، ومن شاء فليكتم ومن شاء فليشع،
وهذا القرن قد آن زمانه، وقرب أوانه، فليتأهب المتأهب لحلوله، وليستغنم السعي لهذا النور الإلهي قبل أفوله.

لا تعجب يا أخي فإن القرن اللاحق بقرن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لم يزل موجودًا، ما دام الإنسان مع ربه سبحانه شاهدًا له والحق له مشهودًا،
وإن كان الذي أشار إليه الشرع، وجاء به السمع، في عبارة الهرج والمرج والقتل، فذلك أوان التقدم والفضل،
فإن للعامل منهم أجر سبعين ممن تقدم، وإن كان الإمام المقدم، فإنهم لا يجدون على الخير أعوانًا كما وجدوا، ولا يشهدون لإمامهم غيبًا كما شهدوا،
فلا شيء أقوى من إيمان غيب، إذ لم يلحق بصاحبه ريب، وذلك زمان الفتن، وحلول البلايا والمحن.
"فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٢٩﴾ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ ﴿٣٠﴾" (9)

فتأمل هذه الإشارات في نفسك، واجتمع عليها بقلبك وحسك، فإن الزمان شديد، جباره عنيد، وشيطانه مريد،
فانسلخ منهم انسلاخ النهار من الليل، وإلا فقد لحقت بأصحاب الثبور والويل، فقد نصحتك فاعلم، وأوضحت لك السبيل فالزم.


_______________________
(1) المَيْن: الكذِب (2) أبو يزيد البسطامي (رضي الله عنه)
(3) في (ط): موسى الدينلي (4) مثلات: جمع مَثُلَة، وهي العقوبة والتنكيل
(5) الماء القراح أي الخالص (6) سورة النور، الآية 40
(7) بأخرى: فرمى بزبده على سفينة زبده مخض لوضع الوقت وشريعة
(8) سورة البقرة، الآية 60 (9) سورة النجم، الآيتان (29 ، 30)

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: الجمعة أغسطس 30, 2013 10:48 am 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب

ومن ذلك نكاحٌ عُقِد، وعرسٌ شُهِد.
ولما كان ما صدق من الرؤيا جزءًا كبيرًا نبويًا قطعنا بتصديق ما تهديه، وتنعم به من أيادي الحق وتبديه (1)،
فدخلت بيت الأنوار، وانسدلت الحجب والأستار، غيرة على الحرم والأبكار، فبينما أنا أناجيه بين يديه، إذ جذبني جذبة عزيز إليه،
فأقامني الحق في مقام البحر الذي علا موجه وطما (2)، ودخل بعضه في بعض ونما،
وأنا في حالة لا يعرفها إلا من كابدها، ولا يصفها إلا من شاهدها، كما قيل:
لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ ** وَلَا الصَّبَابَةَ إلِاَّ مَنْ يُعَانِيهَا

فأقمت متكئًا على اليمين، وتركت قلبي مقابلًا عليين، إذ هو محل الحق، ومقعد الصدق، وقد غمره الماء، وأحاطت به الأنواء،
فلم تزل أمواجه تصطفق، ورياحه تنزعج وتختفق، إلى أن فُتِحَ في الورك الأيسر الأعلى قدر خرم الإبرة، فرشح منه قدر رأس الشعرة،
رأيت منها العبرة، فكونها الحق سبحانه شخصا ملكيًا، وأنشأها إنشاءً فلكيًا، فرأيته مسبحًا ومهللًا ومكبرًا وملبيًا،
فعرفت أن ذلك الشخص جسمانية هذا الكتاب الذي أنزله الحق عليّ، وأبرزه للعيان على يديّ،
وأنه قطرة من ذلك البحر المتموج، ورشحة من ذلك الموج الأهوج، فالحمد لله الذي صيّرني له فلكًا محيطًا، وجعلني له روحًا بسيطًا.

فانظر وتأمل، أيها الولي الأكمل، إلى نبي قد فقدت جثته، وبقيت عند الآحاد سُنته، فبُعِثَ ليلة من قبره، وسيّر به إلى حشره،
والتحق الحي بالميت فحشر، وحصل رب البيت في البيت فعمر، فخطب حميره من عتيقه، وانتزعها من يدي صديقه،
فأصدقها عددًا غاب عني، وطلب الشهادة على ذلك مني، فكتب في خرقة حرير أحمر، كتاب زهر يزهر،
وكنت أول الشهود في مهره، عن إذنه (صلى الله عليه وسلم) وأمره، وذلك في منزله الأعلى، ومقامه الأجل الأجلى،
فلما صح أمره، ترك بيدي مهره، ودخل منزله بعرسه، وخلا بها وبنفسه، وبقي المهر بيدي، إلى انقضاء أمدي.

فلما لاح الصبح لذي عينين، وجمع لي بين النورين، لم أجد عرسًا ولا بعلًا غير ذاتي، ولا صداقًا (3) غير خلقي وصفاتي،
فكنت البعل والعرس، وزوجت العقل بالنفس، فتطهرت الحُمَيْرة ببعلها، وتأيدت بعزيمة عقلها،

فعجبت من أمري، لما لم يكن غيري، وهكذا وقفت عند رفع الستور، على مخبآت الأمور،
فمن ساحل ما له بحر يحتمي به زوجه، ومن بحر لا ساحل له يكسر عليه موجه، ومن ناطق بحقائق، بغير لسان ولا مخارق،
ومن صامت لا يبرح داعيًا، وإلى الله هاديًا، ومن كرة لا مكان لها، ما عرفها أحد ولا جهلها، ومن قبة ما لها عُمُد، ومن عُمُد ما لها في الأرض مستند،
إلى أسرار تتدنس بالذكر، ولا تخلص بالفكر، إذ هي من حضرة ما خطر، على قلب بشر، ولا وعتها أذن واعية بخبر، ولا أدركتها حقيقة بصر.
كما قلت:

عَجِبْتُ مِنْ بَحْرٍ بِلَا سَاحِلٍ ** وَسَاحِلٍ لَيْسَ لَهُ بَحْرُ
وَصَحْوَةٍ لَيْسَ لَهَا ظُلْمَةٌ ** وَلَيْلَةٍ لَيْسَ لَهَا فَجْرُ
وَكرَةٍ لَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ ** يَعْرِفُهَا الْجَاهِلُ وَالْحَبْرُ
وَقُبَّةٍ خَضْرَاءَ مَنْصُوبَةٍ ** جَارِيَةٍ مَرْكَزُهَا الْقَهْرُ
وَعُمُدٍ لَيْسَ لَهَا قُبَّةٌ ** وَلَا مَكَانٌ خَفِيَ السرُّ
جَعَلْتُ سِرًّا لَمْ يَعْبُرْهُ كَمْنٌ ** فَقِيلَ: هَلْ هَيَّمَكَ الْفِكْرُ
فَقُلْتُ: مَا لِي قُدْرَهٌ فَارْفِقُوا ** عَلَيْهِ فِي الْكَوْنِ وَلَا صَبْرُ
فَإِنَّ بِالْفِكْرِ إِذَا مَا اسْتَوَى ** فِي خَلَدِي يَتَّقِدُ الْجَمْرُ
فَيُصْبِحُ الْكُلُّ حَرِيقًا فَلَا ** شَفْعٌ يُرَى فِيهِ وَلَا وَتْرُ
فَقِيلَ لِي: مَنْ يَجْتَنِي زَهْرَةً ** مَنْ قَالَ رِفْقًا إِنَّنِي حُرُّ
مَنْ خَطَبَ الْحَسْنَاءَ فِي خِدْرِهَا ** مُتَيَّمًا لَمْ يُفْلِسْهُ الْمَهْرُ
أَعْطَيْتُهَا الْمَهْرَ وَنَكَحْتُهَا ** فِي لَيْلَةٍ حَتَّى بَدَا الْفَجْرُ
فَلَمْ أَجِدْ غَيْرِي فَمَنْ ذَا الَّذِي ** نَكَحْتُهُ فَلْيُنْظَرِ الْأَمْرُ
فَالشَّمْسُ قَدْ أُدْرِجَ فِي ضَوْئِهَا ** الْقَمَرُ السَّاطِعُ وَالزَهْرُ
فالدهر (4) مذموم وَقَدْ قَالَ مَنْ ** صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّكَ الدَّهْرُ


____________________
(1) بأخرى: وتستهديه (2) طما الماء: ارتفع وملأ النهر (3) الصداق: المهر (4) بأخرى: كالزهر

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
 عنوان المشاركة: Re: عنقا مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب .. للشيخ محيي الدي
مشاركة غير مقروءةمرسل: السبت أغسطس 31, 2013 7:26 pm 
غير متصل

اشترك في: الاثنين ديسمبر 07, 2009 12:22 am
مشاركات: 1866
مكان: سيدنا الحسين وسيدتنا زينب
وإني أريد أن أظهر لك من هذه العجائب ما تيسر، وأمهد لك منها ما توعر،
فوالله لو رأيت يا أخي حال العارفين إذا خرجوا من نفوسهم، ودرجوا عن محسوسهم، فطهرت قلوب، وأظهرت غيوب،
ورفعت أستار، فطلعت أنوار، وكانت التجليات على مقدار، فمن شاهد قدسًا، ومن شاهد أنسًا،
ومن شاهد عظمةً وجلالًا، ومن شاهد ملاطفة وجمالًا، ومن بهت عن أينية، ومن خطف في هوية،
فلو اطلعت عليهم غيبًا، لوليت منهم فرارًا ولملئت منهم رعبًا، لانعدامك عند تلك المشاهدة وتعذيبك، وسقوط قواك وحلّ تركيبك،
فإن سلكت باب المناصحة، شهدت الحق منك مكافحة، فتنشد عند ذلك، ما يشوق السالك:

وَلَمَّا أَتَانِي الْحَقُّ لَيْلًا مُكَلِّمًا ** كِفَاحًا وَأَبْدَاهُ لعَيْنِي التَّوَاضُعُ
وَأَرْضَعَنِي ثَدْي الْوُجُودِ تَحَقُّقًا ** فَمَا أَنَا مَفْطُومٌ وَمَا أَنَا رَاضِعُ
وَلَمْ أَقْتُلِ الْقِبْطِيَّ لَكِنْ زَجَرْتُهُ ** بِعِلْمِي فَلَمْ تَعْسُرْ عَلَيَّ الْمَرَاضِعُ
وَمَا ذُبِحَ الْأَبْنَاءُ مِنْ أَجْلِ سَطْوَتِي ** وَلَا جَاءَ شرِّيرٌ بِبَطْشِيَ رَافِعُ
فَكُنْتُ كَمُوسَى غَيْرَ أَنِّي رَحْمَةٌ ** بِقَوْمِي وَلَمْ تُحْرَمْ عَلَيَّ الْمَرَاضِعُ
لَغَزْتُ أُمُورًا (1) إِنْ تَحَقَّقْتَ سِرَّهَا ** بِذَلِكَ عِلْمٌ عِنْدَ رَبِّكَ نَافِعُ

فإن كان هذا الأمر العظيم في المسلك الموسوي، فما ظنك بالصراط السوي، والمسلك المحمدي!
ففي الصراط إشارة، فتدبر العبارة، وانظرها آية وأمارة، واجعلها زَنْدًا تقتبس ناره، فإن بالمزج والامتزاج العقار، والحك يريك النار،
وها أنا إن شاء الله تعالى أبدي لك من السر المكنون والأكوان، ما شاهده العين والمقام، وما سبب البدء، ومن كان أول النشء،
وكيف كان ذلك الأول مَشرق الأنوار، وينبوع الأنهار، وعنه كان العرش، والعالم الأوسط والفرش، والجماد والحيوان، وهو أصل الأكوان،
وأريك ذلك كله قد أودعه الرحمن في ذاتك، وجعله من جملة صفاتك، فأنت ذلك المثل المشبه، وذلك المثل المنزه،
فإن قلتَ: وأين حظي من التنزيه، وحظه من التشبيه؟ فعند المواجهة والتوجيه، يتردد كل واحد منكما بين التنزيه والتشبيه.

فإياك أن تغفل، عن فتح هذا الباب المقفل، والله يحسن عونك، وإذا فتح لك أن يديم صونك.
وبدايتنا إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب بمعرفة المعبود، وأنه لا يُعرف من ذاته سوى الوجود،
ثم بعد ذلك أتكلم فيما ذكرته، وأسوقه على ما شرطته، ومنه أملي وبه أستعين، وعليه وأتوكل وعنه أبين، فأنا منه إليكم، وإليه منكم،
من غير إلى ومن، وأنا الأمين الحافظ المؤتمن، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.
والصلاة على خاتم النبيين وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

_________________

الله بالمصطفى المختار فضّلنا * على كثير وبالإسلام خوّلنا
ونرتجي أنه للفوز أهّلنا * مذ لاح نور الهدى فينا وهلّ لنا
نادى منادي الهَنا في حيّنا علنا
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا*من العناية ركنا غير منهدم
مولاي صل وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
 
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 31 مشاركة ]  الانتقال إلى صفحة 1, 2, 3  التالي

جميع الأوقات تستخدم GMT + ساعتين


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
© 2011 www.msobieh.com

جميع المواضيع والآراء والتعليقات والردود والصور المنشورة في المنتديات تعبر عن رأي أصحابها فقط